مخيم اليرموك: ترميم فردي وغياب للتخطيط والدعم
في مخيم اليرموك جنوبي دمشق، تعود الحياة ببطء مع تزايد أعداد العائلات العائدة وسعيها لإعادة ترميم منازلها المتضررة، لكن من دون أي دعم فعلي من الجهات الرسمية أو المنظمات الدولية. الترميم يتم على نفقة الأهالي، وبمبادرات محدودة من المجتمع المحلي، في ظل غياب أي خطة تنظيمية أو سياسة إسكانية واضحة. وبينما تُرفع الأنقاض وتُعاد بعض الأبواب والنوافذ، تبقى المعاناة اليومية أكبر من إمكانيات الأفراد.
أُنشئ مخيم اليرموك عام 1957 لإيواء اللاجئين الفلسطينيين بعد نكبة 1948، ويقع على بُعد ثمانية كيلومترات جنوب العاصمة دمشق. قبل عام 2011، كان عدد سكان مخيم اليرموك يتراوح بين 500 و600 ألف نسمة، بينهم نحو 160 ألفاً من اللاجئين الفلسطينيين، بينما الباقون من السوريين والمقيمين الآخرين. خلال سنوات الحرب، تحوّل المخيم إلى ساحة معارك خضعت لحصار طويل من قبل قوات النظام، ثم اجتاحه تنظيم الدولة الإسلامية في 2015. في العام 2018 استعادت قوات النظام السيطرة عليه، وقد كان الدمار حينها شاملاً، ولم يتبق في المخيم سوى بضع مئات من العائلات.
خلال سنوات سيطرة النظام، خضع مخيم اليرموك لسلسلة متناقضة من الإجراءات التنظيمية والإدارية؛ بدأت بإلغاء اللجنة المحلية المستقلة التي كانت تدير المخيم منذ 1962، واستُبدلت بدائرة خدمات تابعة مباشرة لمحافظة دمشق. وفي 2020، طرحت المحافظة مخططاً تنظيمياً جديداً استند إلى قانون التنظيم العمراني رقم 5 لعام 1982، ما أثار موجة اعتراضات بسبب تهديده لحقوق الفلسطينيين غير المالكين رسمياً، فتم التريّث في اعتماده دون إلغائه. لاحقاً، لجأت المحافظة إلى تطبيق انتقائي وغامض للقانون 3 لعام 2018 الخاص بإزالة الأنقاض، من دون إصدار قرارات رسمية تحدد المناطق العقارية، مكتفية بإعلانات ملتبسة تهدد الأهالي بالغرامات. بالموازاة، فُرضت شروط معقّدة على العودة والترميم، شملت الموافقة الأمنية وكشفاً فنياً مدفوعاً، ما قيد العودة الفعلية بعدد محدود من العائلات، أغلبها محسوب على الميليشيات الموالية للنظام. في هذا السياق، نشطت ورشات التعفيش بدعم من الأجهزة الأمنية، واستُخدمت وثائق مزورة للاستيلاء على العقارات، وسط غياب أي حماية مؤسساتية لأملاك أصحاب الحقوق الغائبين. تُشكّل هذه العقبات البيروقراطية والقانونية عبئاً غير متكافئ على النساء، إذ إن كثيرات منهن لا يمتلكن وثائق ملكية رسمية ولا إمكانية للوصول إلى شبكات الدعم القانوني. وفي ظل غياب الرقابة الرسمية، تصبح النساء أكثر عرضة للإقصاء أو لانتهاك حقوقهن في الملكية أثناء عمليات العودة أو الترميم.
بحسب مراسل سيريا ريبورت، فقد عادت نحو 3 آلاف عائلة (15 ألف شخص تقريباً) إلى مخيم اليرموك منذ بداية العام 2025، كثيرٌ منها كانت نازحة إلى الشمال السوري أو مقيمة في مناطق أخرى داخل البلاد وخارجها. هذه العودة التدريجية لم تقابلها أي خطة تنظيمية من قبل محافظة دمشق، رغم لقاءات متكررة بين وفود أهلية ومسؤولين محليين. ووفقاً للمراسل، لم يُطرح في تلك الاجتماعات أي تصور رسمي لإعادة تنظيم المنطقة، بل تُرك الأمر للأهالي ليتصرفوا كما يشاؤون بترميم منازلهم. وهناك مشاركة خجولة لمنظمات غير حكومية في دعم عمليات الترميم في المخيم، عبر تقديم مساعدات محدودة.
ويشير المراسل إلى أن “الأونروا”، وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، تشترط سكن العائلة في المنزل المتضرر، لتقديم مساعدة مالية جزئية لترميمه، وهو شرط لا يمكن تحقيقه في كثير من الحالات. والأونروا مسؤولة عن تقديم الخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين في مخيم اليرموك، بما في ذلك التعليم والصحة والمساعدات الإنسانية.
يقول جهاد، وهو شاب في الأربعين من سكان المخيم، إنه عاد مؤخراً إلى منزله بعد تهجيره لسنوات، ووجد أنه بحاجة إلى حوالي 10 آلاف دولار لترميم ما دمرته الحرب. رغم محاولاته السابقة في عهد نظام الأسد للدخول إلى المخيم، إلا أن الموافقات الأمنية كانت تشكل عائقاً دائماً، ولم يكن يُسمح له بالبقاء أكثر من ساعات. اليوم، وبعد عودته، يواجه عبء الترميم بمفرده، إذ لا تقدّم الأونروا سوى دعم مالي لا يتجاوز ربع المبلغ المطلوب، ولا يغطي سوى إصلاحات جزئية.
حال أبو محمود لا يختلف كثيراً عن جهاد؛ فبيته شبه المدمر يحتاج إلى نحو 20 ألف دولار لترميمه، أي ما يعادل 200 مليون ليرة سورية، وهو مبلغ لا يتناسب مع إمكانياته المالية. يقول أبو محمود إنه تقدّم بطلب إلى الأونروا، لكنها لم تعرض عليه سوى مساعدة لا تتجاوز 4 آلاف دولار، وهو ربع المبلغ المطلوب بالكاد. وبغياب أي دعم فعلي، يحاول أبو محمود اللجوء إلى جمعيات أخرى علّها تساعده في الترميم، لكن من دون جدوى حتى الآن.
مصادر في محافظة دمشق أكدت لمراسل سيريا ريبورت، أنه لا يوجد حالياً أي حديث عن مخطط تنظيمي جديد لمخيم اليرموك. في حين كشفت مصادر أهلية في المخيم لمراسل سيريا ريبورت، أنه تم تشكيل فرق هندسية، مؤخراً، بمساعدة البلدية والمجتمع المحلي، لوضع ما وصفته بـ”مخططات تنظيمية” لبعض المربعات السكنية الأكثر تضرراً، بشكل مستقل عن المخطط التنظيمي الرسمي السابق. وهذه الفرق تقدم خدماتها مجاناً، بهدف تقييم الحالة الإنشائية للمساكن في المناطق الأكثر تضرراً، لتحديد الأيل منها للسقوط. وبناءَ على الاتفاق بين الفرق الهندسية وأصحاب المساكن الآيلة للسقوط في تلك المناطق الأكثر تضرراً، سيتم تحديد المربعات السكنية التي يمكن إعادة تنظيمها.
في المقابل، تُركّز محافظة دمشق في الوقت الراهن على تقديم خدمات جزئية كالكهرباء والمياه وترميم المدارس وتحسين الوضع الصحي، بما يُسهم في تسهيل عودة السكان. وتشير المصادر إلى أن حركة الترميم التي بدأت بعد سقوط النظام، شهدت تصاعداً ملحوظاً خلال الشهرين الماضيين، تزامناً مع عودة المزيد من العائلات إلى المخيم.
من جانب آخر، بدأت وزارة الكوارث والطوارئ السورية، عبر الدفاع المدني “الخوذ البيضاء”، في منتصف حزيران، عملية جديدة لإزالة الأنقاض من المخيم. ولا تتوفر لحد الآن معطيات واضحة عن قيام الدفاع المدني بتوثيق ملكية الأنقاض، ولا الحصول على موافقة أصحابها، قبل ترحيلها. كما لا تتوفر معلومات واضحة حول المكب الذي تنقل إليه الأنقاض، ولا إمكانية إعادة تدويرها لاحقا.
في ظل غياب رؤية تنظيمية واضحة، وافتقار المخيم لخطة واضحة لإعادة الإعمار، تبدو عودة الحياة إلى اليرموك مشروطة بقدرة الأفراد على تحمّل كلفة الترميم وإعادة التأهيل وحدهم. هكذا يتحوّل الترميم في مخيم اليرموك إلى فعلٍ فردي معزول، تحكمه الموارد الشخصية، وتدعمه في بعض الحالات مساعدات محدودة من منظمات غير حكومية.
