مخيم اليرموك بين الاحتيال العقاري وسوء الخدمات
الأنباء خلال الأشهر القليلة الماضية عن ازدياد عمليات الاحتيال العقاري في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين بدمشق، دفعت كثيراً من أصحاب العقارات النازحين من المخيم، للعودة المؤقتة وتفقد عقاراتهم، وتأمين بعض وسائل الحماية مثل تركيب الأبواب والنوافذ للمنازل، والأغلاق والأقفال للمحلات التجارية. ويضطر أولئك، للحصول على موافقة أمنية مؤقتة لزيارة المخيم.
ناشطون من المخيم، ومنهم المحامي نور الدين سلمان، كانوا قد كرروا في وسائل التواصل الاجتماعي خلال الشهور الماضية تحذيرات، بوجود عمليات احتيال عقاري تجري على نطاق واسع في المخيم. وقد تسبب عمليات الاحتيال تلك، بحركة بيوع عقارية نشطة في المخيم، نتيجة زيادة عدد المساكن المعروضة للبيع بطرق غير شرعية. وتفيد التحذيرات بأن عصابة تقوم بالبيع المتكرر لحصص مملوكة على الشيوع في عقارات غير مفرزة، في المنطقة الممتدة بين شارعي لوبية ومدرسة اليرموك للبنات. وبحسب أولئك النشطاء، يبدو بأن العصابة تمكنت من جمع حوالي ملياري ليرة عبر هذه الطريقة من الاحتيال والتزوير. ونصح سلمان، من يريد شراء عقار في المخيم، أن يبدأ بسؤال الجيران عن البائع وعن العقار، والتأكد من وثائق الملكية، ومن صحة عقد الشراء، والحصول على وصف الحالة الراهنة للعقار وحدوده عن طريق مهندس خبير تعينه المحكمة.
مراسل سيريا ريبورت في المنطقة، نقل عن وفاء، النازحة من المخيم والمقيمة في دمشق، بأنها عرفت من أحد جيرانها السابقين، أن بضعة أشخاص تفقدوا منزلها غير المأهول في شارع العروبة في المخيم مؤخراً، بغرض شراءه. وقال أولئك لجار وفاء، عندما استفسر منهم، أنهم حضروا لمعاينة المنزل المعروض للبيع، من قبل صاحبه. وبعد نقاش معهم، تمكّن الجار من التعرف على الشخص الذي يدعى ملكيته لمنزل وفاء ويعرض بيعه. وبناء على ذلك الاتصال، تقدمت وفاء بشكوى إلى مخفر مخيم اليرموك، الذي تمكن من توقيف البائع المزعوم المدعي ملكيته لمنزل وفاء. ولكن، وبحسب ما قالته وفاء، فقد تمكن ذلك الشخص من رشوة عناصر شرطة المخفر، حتى كتبوا في تقريرهم حول الحادثة، بأن ما حدّث هو عبارة عن خطأ وليس احتيالاً، وأن البائع أخطأ في تحديد موقع منزله للمشترين، بسبب تغيير معالم المنطقة نتيجة الدمار.
من جانب آخر، نزار لاجئ فلسطيني سوري من مخيم اليرموك، مقيم حالياً في دولة السويد، قال لمراسل سيريا ريبورت، أنه عرف عبر أصدقائه المقيمين في المخيم، أن مجهولين يرممون منزلاً كان يملكه جد نزار قبل وفاته في العام 2010. المنزل يقع في شارع الثلاثين، وهو متضرر جزئياً بفعل العمليات القتالية. نزار، أكد أن لديه حكم محكمة يثبت ملكية جده الراحل للعقار. وأضاف نزار، أن والده قتل خلال قصف على المخيم مطلع العام 2015، وبالتالي فقد أصبح منزل الجدّ، البالغة مساحته 105 أمتار مربعة، ملكاً للورثة البالغ عددهم 21 شخصاً، ونزار أحدهم. وأشار إلى أن هناك تعقيدات حالت دون قيامهم بمعاملة حصر إرث، منها الحرب وحصار المخيم وتعطل الدوائر الرسمية، ومنها أيضاً أن أحداً من بين الورثة لم يعد موجوداً في سوريا إلا عمّه وهو من ذوي الحاجات الخاصة الذي لا يستطيع تدبر أموره. وهناك اثنان من الورثة، بحكم المفقودين، لا يعرف أحد مصيرهم.
وثيقة حصر الإرث هي الأساس المعتمد لتحديد أسماء ورثة المتوفى، وتبيان درجة قرابتهم منه، وبالتالي تعيين حصصهم المستحقة من الميراث. ولا يجوز تنظيم هذه الوثيقة إلا بعد وفاة المورّث، وتسجيل وفاته في السجل المدني، واستخراج بيان وفاة وبيان قيد عائلي للورثة. بعدها، يمكن مراجعة المحكمة المختصة للحصول على وثيقة حصر الإرث. وتقوم المحكمة بعدها بتعيين خبير لتحديد الورثة، وأسهمهم في التركة.
نزار، أشار إلى أن الذين يقومون بترميم عقار جده، لديهم عقد شراء للمنزل موثق في المحكمة، وهو لا يعرف من كيف تمكن شخص لا يملك المنزل من بيعه لهم. وأضاف أنه سيقوم بتوكيل محامي للطعن بصحة عقد البيع أمام المحكمة.
المراسل أشار إلى أن من عمليات الاحتيال الرائجة حالياً في المخيم؛ وضع اليد على عقارات مجاورة أو أجزاء منها، أثناء أعمال ترميم لعقار محدد. ويتم ذلك بالتوسع باقتطاع أجزاء من العقارات المجاورة، باستغلال حالة الدمار وضياع نقاط العلام. وبحسب ما تناقله النشطاء في المخيم، يبدو أن متنفذاً غصب أرضاً بجانب سوق الخضار في شارع فلسطين، تعود ملكيتها للهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين. تلك الأرض كانت تضم مجموعة أبنية ومساكن تعرضت للدمار، وما تبقى عنها مجرد أنقاض، ما أتاح لذلك المتنفذ الاستيلاء على الأرض والبناء عليها.
المراسل نقل عن موظف في مكتب عقاري في المخيم، قوله أن بعض عمليات الاحتيال تم تداركها بعد انتشار أخبار عنها في وسائل التواصل الاجتماعي. وأضاف أنه مع ازدياد عدد العائدين إلى المخيم، يندر وجود حارة لا يوجد فيها بيت مسكون على الأقل، ما بات بمثابة شبكة تنبيه أولية لأصحاب العقارات في المنطقة الواحدة الذين غالباً ما تجمعهم علاقات معرفة أو قرابة.
وبحسب تقديرات نقلتها مجموعة العمل من أجل فلسطيني سوريا، في مطلع حزيران، فإن عدد العائدين إلى مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين بدمشق، حتى تاريخه، قد بلغ 50 ألف نسمة تقريباً. ورغم الجهود الحثيثة التي يقوم بها العائدون لتحسين الواقع الخدمي للمخيم، إلا أنهم يواجهون الكثير من الصعوبات والتحديات. ومن ذلك، أن المخيم ما زال معزولاً عن المناطق المجاورة به، وهناك طريق واحد للدخول والخروج من وإلى المخيم، عبر دوار البطيخة في حي الزاهرة.
غالبية أحياء المخيم ما زالت تعاني من مشاكل كبيرة، ومنها غمر بعض الشوارع في محيط مقبرة مخيم اليرموك ومدخل حي الزين التابع إدارياً لبلدة يلدا بمياه الصرف الصحي المتسربة من الأنابيب المتضررة والمهترئة. في شارع صفد تكثر الحفريات ما يجعل حركة السيارات عبره صعبة، ما يعيق عودة النازحين إلى المنطقة. عدم وصول مياه الشرب إلى كثير من الحارات، وغياب الكهرباء، يحد من الاستقرار في بعض المناطق. في شارع المدارس، يطالب السكان بشكل ملح بإيصال التغذية الكهربائية، بلا جدوى. حتى جادة حيفا، المقابلة لمبنى مؤسسة الكهرباء، ما زالت بلا تغطية كهربائية. ويلجأ السكان إلى تمديد كابلات كهربائية على حسابهم إلى الحارات التي لا تصلها الكهرباء، ولكنها إما أن تتعرض للسرقة، أو إلى إزالتها من قبل مؤسسة الكهرباء بدعوى التعدي على الشبكة.
وتشكل الأنقاض أزمة كبيرة في معظم أرجاء المخيم، وما زالت منتشرة بكثافة في مشروع الوسيم وحارات المغاربة وشارع صفد وشارع كفر قاسم وغيرها. ويزيد من حجم هذه المشكلة أن العائدون إلى المخيم، يزيلون الركام من منازلهم وحاراتهم، وغالباً ما يلقونها في محيط المنازل والبعض ينقلها إلى منطقة أرض المؤسسة في شارع الثلاثين.
في حين بدأت بلدية المخيم بالسماح لأصحاب المنازل المدمرة تماماً بإزالة أنقاضها، والتصرف بها. وغالباً ما يتفق أولئك مع متعهد بناء لإزالة الأنقاض مجاناً، مقابل أخذ المتعهد للحديد والمعادن من الأنقاض وبيعها لتجار المعادن.
