محمية الضمنة في السويداء بلا حماية
محمية الضمنة، التي كانت تمثّل واحدة من أندر الغابات الحراجية في جنوب سوريا، تعرّضت خلال أكثر من عقد لعملية إبادة ممنهجة للغطاء النباتي، نتيجة التحطيب الجائر، وغياب الإدارة، والحروب، وانهيار خدمات مؤسسات الدولة. ومع سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، تُركت المحمية أمام موجة من الاستيلاءات الفردية والجماعية، اعتبر فيها البعض أن أرض المحمية باتت مشاعاً، يمكن وضع اليد على أجزاء منها وتحويلها إلى ملكية خاصة. وسط هذا الفراغ، بدأ الأهالي بمحاولات متأخرة لوقف التعديات، في وقت تُعاد فيه صياغة العلاقة مع الملكية العامة خارج أي إطار قانوني أو مؤسساتي.
رئة المحافظة التي اختنقت
لم تكن محمية الضمنة مجرّد غابة حراجية، بل كانت تمثّل للسويداء متنفساً طبيعياً نادراً على السفوح الغربية لجبل العرب، بما تضمه من تنوع نباتي وأشجار معمّرة امتدت جذورها لمئات السنين. قبل عام 2011، قُدّر عدد الأشجار الحراجية فيها بنحو 100 ألف شجرة، أبرزها السنديان البلوطي والبطم الأطلسي والزعرور واللوز البري، إلى جانب أصناف من النباتات العطرية والطبية، وكانت تؤوي أنواعاً مختلفة من الطيور والحيوانات البرّية. بحسب دراسة أكاديمية أُجريت عام 2012، شكّلت هذه الغابة نظاماً بيئياً متوازناً يتكامل مع المناخ شبه الجاف في المنطقة، وكان لها دور حيوي في تثبيت التربة وتنظيم الرطوبة وحماية الأراضي الزراعية المحيطة بها.
جزء من المحمية كان يضم موقعاً عسكرياً تابعاً للفوج 44 لقوات النظام، ما شكّل عامل ضغط إضافي على النظام البيئي، نتيجة التلوث والاستهتار، وأيضاً نتيجة التحطيب الذي طال مساحات من المحمية، بعرض بيع الخشب لصالح بعض الضباط. نتج التلوث البيئي داخل الغابة عن وجود القاعدة العسكرية من خلال ممارسات تشغيلية محددة، أبرزها استخدام الآليات والمعدات الثقيلة، وتأمين مبيت وإطعام للعسكريين، والتخلص غير المنظم من النفايات، بما في ذلك زيوت المحركات، والمخلفات البشرية، وبقايا الطعام، والتي كانت تُرمى مباشرة في الغابة دون أي معالجة. أما الإهمال، فكان مؤسسياً، إذ لم تُصدر أي تعليمات تُلزم العسكريين بالحفاظ على الغابة أو حماية تنوعها البيولوجي. في ظل غياب هذه التوجيهات، تحوّلت الغابة إلى مساحة مستهلكة: تُلقى فيها النفايات بحرّية، وتُشعل فيها النيران بلا ضوابط، ويُقطَع حطبها للتدفئة، وتُستخدم ذخائر حربية في صيد الحيوانات البرّية.
منذ العام 2012 بدأت وتيرة التحطيب الجائر تتصاعد عاماً بعد عام، دون قدرة حقيقية من المجتمع المحلي أو الجهات الرسمية على ردعها. وحتى عام 2020، التهمت حرائق متكررة أجزاء واسعة مما تبقى من الأشجار، كان أضخمها حريق العام 2020 الذي أتى على مئات الأشجار.
بعد سقوط النظام في 8 ديسمبر 2024، انسحب الجنود من موقع الفوج 44، فاندفع الحطّابون والفصائل المسلحة لاستكمال ما تبقّى من إبادة الغابة. إذ رغم كل الأذى الذي ألحقه الفوج بالغابة، فقط ظلّ بمثابة الحارس الأخير لها من الحطابين. مع انسحاب الفوج فُتح ما تبقى من الغابة أمام ما وصفه بعض الناشطين البيئويين بـ”الغزوة الأخيرة”، حيث أُزيلت الأشجار المتبقية خلال أيام معدودة. بعدها، بدأت تظهر على الأرض رجوم حجرية نتيجة محاولة البعض استصلاح قطع من الأرض، في أولى علامات الاستيلاء غير المشروع. فعلياً، بعد أقل من شهرين على سقوط النظام، تحوّلت محمية الضمنة إلى ما يشبه أرضاً جرداء بلا ملامح، وبات من الممكن تمييز حدود من الحجارة تحدد ممتلكات “خاصة” قيد التشكل، دون سند قانوني أو تسجيل رسمي، بل فقط بحكم وضع اليد.
استيلاء تدريجي
منذ بداية العام 2025، بدأت تظهر ملامح استيلاء تدريجي على أراضي محمية الضمنة من قبل أفراد من بلدات قنوات والسويداء والمقوس ومصاد. بعضهم حدد مساحات باستخدام رجوم حجرية، والبعض الآخر قام بحراثة الأرض تمهيداً لزراعتها. أحدهم، من بلدة قنوات، وضع يده على نحو ثلاثة دونمات من المحمية، قام بتحديدها بالحجارة وحراثتها، وقال لـ”سيريا ريبورت” إنه يخطط لزراعتها بأشجار كرز، معتبراً أن الأرض أصبحت ملكاً له.
يتعامل بعض السكان مع أرض المحمية باعتبارها مشاعاً عاماً، ويخلطون بين غياب السلطة العمومية، وبين مفهوم “الملكية العامة”، ويرون أن استثمار الأرض هو تصرف مشروع طالما أنها لم تعد محمية ولم يعد أحد يردعهم.
الأرض الحراجية لا تسقط بالتقادم
صُنّفت الضمنة، وفق القرار رقم 35 الصادر عن وزارة الدولة لشؤون البيئة في 10 حزيران 2001، كمحمية بيئية حراجية. تقع جنوب بلدة قنوات وتمتد على مساحة 6,531 دونم، وتشمل أراضي من قنوات ومفعلة ومصاد ومدينة السويداء. هذا التصنيف يمنحها وضعاً قانونياً خاصاً بوصفها من “حراج الدولة”، أي الأراضي العائدة ملكيتها للدولة، والتي تزيد فيها نسبة التغطية الحراجية على 20 في المئة.
لكن من الناحية القانونية، تبقى أرض محمية الضمنة جزءاً من الأملاك العامة، ولا يجوز تملكها أو التصرف بها حتى بعد فترة طويلة من الحيازة. المحامي بشير أيوب، عضو المجلس البلدي في قنوات، أكد لـ”سيريا ريبورت” أن ما يجري هو بمثابة “غصب عقار”، وأن القانون السوري لا يُجيز اكتساب الملكية على الأملاك العامة بالتقادم، ولا يمكن تسجيلها على اسم أي شخص.
بحسب قانون الحراج رقم 39 لعام 2023، الذي صدر بديلاً عن القانون السابق رقم 6 لعام 2018، تُمنع أي أعمال تملك أو تأجير أو إنشاء حقوق عينية على أراضي حراج الدولة، كما لا يجوز نقل ملكيتها حتى إلى الوحدات الإدارية. وهذا ينطبق بشكل مباشر على محمية الضمنة. وتُعتبر كل أشكال التعدي أو الاستملاك ضمن أراضي المحمية بمثابة جرائم يُعاقب عليها القانون، ولا يجوز اكتساب أي حق ملكية فيها بالتقادم أو عبر الحيازة الطويلة. كما ينص القانون 39 على أن أي استصلاح أو زراعة أو إنشاءات ضمن الحراج العامة أو ضمن حرم الحراج المحيط بها، الذي تبلغ مساحته 200 متر وقد يمتد إلى كيلومتر حسب التصنيف، يُعد خرقاً مباشراً للقانون. ولا يمكن لأي جهة أو فرد أن يُسجّل هذه الأراضي أو يتصرف بها، بصرف النظر عن مدة الحيازة أو نوع الاستخدام.
فراغ إداري
القانون يمنع بشكل واضح أي شكل من التملك أو الاستصلاح أو التصرف في أراضي حراج الدولة، ويُجرّم التعدي عليها، ويمنح صلاحيات تنفيذية لوزارة الزراعة ومديرياتها والوحدات التنظيمية التابعة لها. رغم أن محمية الضمنة مصنفة كأرض حراجية عامة، إلا أن هذه النصوص القانونية لم تُفعّل منذ انهيار النظام في السويداء.
فعلياً، لا توجد حالياً ضابطة حراجية فاعلة تابعة لوزارة الزراعة في السويداء، ولا أي جهاز رقابي يمكنه إجراء الكشوف الميدانية أو تنظيم الضبوط أو فرض العقوبات. المجلس البلدي في قنوات لا يملك صلاحيات قانونية في هذا المجال، والشرطة المحلية تعمل بقدرات محدودة، وتطلب باستمرار مؤازرة أهلية لتنفيذ أي إجراء. أما الأجهزة القضائية، فهي شبه متوقفة عن العمل، وتعاني من غياب المرجعية القانونية الواضحة بعد انهيار نظام الأسد.
هذا الفراغ هو ما يتيح استمرار التعديات من دون محاسبة، ويُضعف قدرة المجتمع المحلي على حماية الملكية العامة. فحتى لو وجدت إرادة محلية في وقف الاستيلاء، لا توجد جهة يمكنها تثبيت المخالفات أو تنفيذ الإزالة بالقوة أو إحالة المعتدين إلى القضاء. الفراغ الإداري لا يقتصر على غياب المنفّذين، بل يمتد إلى غياب المرجعية: لا جهة في السويداء حالياً مخوّلة قانونياً بتحديد حدود المحمية أو تقييم الأضرار أو التعويض، ما يجعل كل ما يجري على أرض الضمنة واقعاً بحكم القوة، لا بحكم القانون.
محاولات خجولة للحماية
بعد أسابيع من التعديات المتواصلة على أراضي محمية الضمنة، تحرك المجلس البلدي في قنوات، بدعم من شخصيات محلية وفعاليات دينية، لمحاولة وقف الاستيلاء غير المشروع. مساء الخميس 17 نيسان، انطلقت عبر مكبرات الصوت في البلدة دعوات للأهالي للتوجه إلى المحمية صباح اليوم التالي، لإزالة الرجوم الحجرية التي وُضعت لتحديد أراضٍ تمت السيطرة عليها. الدعوة لاقت استجابة محدودة، لكن العشرات من الأهالي شاركوا بالفعل في الحملة.
رافقت دورية من الشرطة المحلية الأهالي خلال عملية الإزالة، من دون أن تُسجَّل أي مواجهة مع المعتدين، ما يشير إلى أن كثيراً من التعديات تمت في غياب أي جهة تدافع عنها، أو أن أصحابها فضّلوا الانسحاب مؤقتاً. وخلال عملهم، لاحظ الأهالي وجود تعديات أكبر حجماً، استخدمت فيها آليات لرفع السواتر وتحديد المساحات بشكل شبه رسمي، وهو ما يتطلب تدخلاً من مؤسسات الدولة لمسح الأراضي وإزالة هذه التعديات.
التحرك، رغم أهميته الرمزية، بقي محدوداً في أثره، ولم يشمل سوى جزء ضيق من المحمية. فالمبادرة جاءت كرد فعل متأخر على أزمة مستمرة منذ أشهر، ولم تترافق مع خطة واضحة للمراقبة أو الإبلاغ أو استرداد الأراضي المعتدى عليها. كذلك، لم تتبعها إجراءات قانونية ضد المعتدين، ولا وُضعت آليات لحماية المنطقة من تكرار الانتهاكات.
يحاول المجلس البلدي تعويض هذا الضعف من خلال اتصالاته المستمرة مع وزارة الزراعة لكن دون نتائج ملموسة حتى الآن. بينما تزداد صعوبة استعادة ما تم الاستيلاء عليه، مع مرور الوقت، وترسّخ الوقائع على الأرض. قيادة الشرطة، التي لا تزال قيد التشكيل في ظل الإدارة الجديدة، طلبت مؤازرة أهلية، فيما وعدت وزارة الزراعة بتنظيم ضبوط قانونية بالتعاون مع القضاء. حتى الآن، لم تُسجّل أي حالة محاسبة أو استرداد فعلي للأراضي المعتدى عليها.
في كل الأحوال، خسارة محمية الضمنة لا تُقاس فقط بعدد الأشجار التي اقتُلعت أو المساحات التي جُرّفت، بل أيضاً بتآكل مفهوم الملكية العامة في وعي جزء من المجتمع المحلي، في ظل غياب الدولة وتفكك أجهزتها القانونية والتنفيذية. ما جرى في الضمنة ليس مجرد تعدٍ على أرض محمية، بل نموذج متكرر لواقع جديد تُرسم فيه حدود الملكية بقوة الأمر الواقع، لا بالقانون. وفي ظل العجز عن استعادة السيطرة أو فرض المساءلة، تبقى الضمنة عنواناً لفقدان مزدوج: فقدان الغابة، وفقدان الإطار الذي كان يُفترض أن يحميها.
