محافظة ريف دمشق تدرس تعويض مالكي أراضي ضاحية الشام المستملكة منذ السبعينيات
تدرس محافظة ريف دمشق إعادة فتح ملف استملاك أراضي ضاحية الشام، التي كانت تُعرف سابقاً باسم ضاحية حرستا أو ضاحية الأسد، الواقعة بين مدينتي حرستا والتل. ويأتي تحريك هذا الملف في وقت تبحث فيه المحافظة عن حلول قانونية وإدارية لتعويض المالكين المتضررين، سواء من خلال تعويضات مالية بالقيمة الرائجة أو منحهم شققاً سكنية في الأبنية غير المنجزة ضمن الضاحية، في محاولة لإنهاء نزاع عقاري متراكم منذ أكثر من أربعة عقود.
تقع ضاحية الشام بين مدينتي حرستا والتل،. وتعدّ الضاحية، المقامة على مساحة تقارب 250 هكتاراً من الأراضي المستملكة من مدينتي حرستا والتل، واحدة من أبرز مشروعات السكن الاجتماعي والتعاوني. إذ جرى استملاك أراضيها بموجب المرسوم رقم 20 لعام 1983 لتشييد مجمعات سكنية اجتماعية وتعاونية بعضها سكن عسكري مخصّص لضباط الجيش، وأيضاً كمواقع عسكرية. وُضع حجر الأساس للضاحية في العام 1985، ليتجاوز عدد السكان 100 ألف نسمة بحلول عام 2011. وقد تولّت جمعيات تعاونية سكنية تنفيذ مشاريع السكن التعاوني فيها بإشراف مباشر من الوزارة، أُنجِزَ قسم كبير منها قبل العام 2011 وسُلّم للمكتتبين، في حين بقيت أجزاء واسعة غير مكتملة توقّف العمل بها نهائياً بعد سقوط نظام بشار الأسد في نهاية عام 2024.
ورغم أنها تتبع إدارياً لمدينة حرستا، إلا أن الضاحية لم تتعرض للدمار الواسع الذي أصاب حرستا خلال سنوات الحرب 2012-2018، ما جعلها تستمر في استقبال سكان جدد ومشاريع بناء جديدة. ومع ذلك، تراجعت وتيرة العمل في عدد من المشاريع السكنية بشكل ملحوظ في الضاحية بسبب توقف التمويل وتعقّد الأوضاع القانونية للأراضي المستملكة، وهو ما حال دون استكمال العديد من الأبنية وتسليمها إلى المكتتبين.
يستند مبدأ الاستملاك في التشريع السوري إلى فكرة النفع العام، أي أنّ الدولة أو إحدى مؤسساتها تستطيع نزع ملكية عقار خاص لتنفيذ مشروع يخدم المصلحة العامة، شرط أن يتم ذلك بمرسوم رسمي وبمقابل تعويض عادل للمالك. وقد نصّت المادة 15 من الدستور السوري لعام 2012 على أنّ الملكية الخاصة مصونة ولا تُنزع إلا للمنفعة العامة وبمرسوم ومقابل تعويض وفقاً للقانون. إلا أنّ قانون الاستملاك رقم 20 لعام 1983، الذي ما يزال نافذاً، وسّع نطاق هذا الحق ليشمل جميع جهات القطاع العام تقريباً، ومنحها صلاحية استملاك العقارات لأي غرض يندرج ضمن مفهوم النفع العام. ويُلزم هذا القانون الجهة المستملكة بتقدير تعويض مالي للمالكين المتضررين. إلا أنّ التطبيق العملي كثيراً ما شهد تجاوزات، إذ جرى استملاك أراضٍ مع تأخر كبير في دفع التعويض، أو عدم دفعه، ومن دون تنفيذ مشاريع تحقق فعلاً النفع العام الذي استند إليه الاستملاك. بحسب روايات متقاطعة من الأهالي في حرستا والتل، فإن جزءاً من الأراضي المستملكة في الضاحية لم تستكمل فيه إجراءات التعويض للمالكين الأصليين، رغم إقامة تعاونيات سكنية عليه. وليس واضحاً مساحة هذا الجزء، ولا عدد أصحاب العقارات الأصلية فيه. ويفترض في هذه الحالة أن تتأكد محافظة ريف دمشق من هذه الروايات، عبر لجنة قانونية من المتوقع تشكيلها لهذا الغرض.
بعد سقوط نظام الأسد نهاية العام 2024، بدأت أصوات من مدينة التل ترتفع للمطالبة باستعادة كامل الأراضي التي استُملكت منهم قبل عقود، معتبرين أن استمرار البناء فوق تلك الأراضي يشكّل انتهاكاً لحقوقهم. وتحوّلت هذه المطالب خلال الأشهر الأخيرة إلى تحرك علني، إذ نظم عشرات المالكين وقفة احتجاجية في 26 تشرين الأول 2025، طالبوا خلالها بإلغاء الاستملاك أو الحصول على تعويض عادل. كما رفعوا كتاباً رسمياً إلى محافظ ريف دمشق عامر الشيخ، عبر إدارة المنطقة، دعوا فيه إلى تشكيل لجان متخصصة بملفات الاستملاك على مستوى المناطق الإدارية، وأخرى مركزية على مستوى المحافظة، إلى جانب وقف جميع أعمال البناء على الأراضي المستملكة لحين البت في مصيرها.
رئيس بلدية التل عبد اللطيف محيسن، قال لسيريا ريبورت، أنّ البلدية استقبلت خلال الأسابيع الأخيرة عشرات الطلبات والوثائق من المالكين القدامى يطالبون فيها بإعادة أراضيهم أو الحصول على تعويض عادل. وأوضح أنّ قسماً كبيراً من هذه الأراضي أُقيمت عليه مجمعات سكنية تقطنها حالياً مئات العائلات، في حين لا تزال أجزاء أخرى قيد الإنشاء أو متوقفة عن العمل. وبيّن محيسن أن المقترحات المطروحة لمعالجة الملف تتضمن خيارين أساسيين: الأول تعويض المالكين وفق القيمة الرائجة التي تُحدَّد من قبل لجنة مختصة، والثاني منحهم شققاً سكنية في الأبنية غير المنجزة مع احتساب الفروقات المالية بين قيمة الأرض وسعر الشقة.
المساكن العسكرية المخصصة لضباط الجيش، هي من مشاريع السكن الاجتماعي التي كان يحق للضباط الاكتتاب عليها، وشرائها بسعر التكلفة عبر أقساط من مؤسسات الدولة، أو يستأجرونها طيلة فترة خدمتهم بأسعار رمزية. جزء من أصحاب هذه المساكن كانوا من الضباط العلويين ممن يقضون فترة خدمتهم في دمشق وريفها. وقد تعرض بعض سكان هذه الوحدات السكنية لمضايقات بعد سقوط نظام الأسد، ما اضطرهم لتركها، أو لبيعها. سجلت حالات أيضاً لاستيلاء مجموعات إسلامية مسلحة على بعض تلك المساكن من دون مبرر قانوني أو مالي، في حوادث أخذت أحياناً بعداً طائفياً.
وأشار محيسن إلى أنّ إلغاء قرارات الاستملاك لا يمكن أن يتم بقرار إداري من المحافظة، بل يحتاج إلى صيغة قانونية واضحة ولجنة مختصة تدرس كل حالة على حدة، ولا سيما أن بعض المالكين قد حصلوا على تعويضاتهم عند تنفيذ الاستملاك في الثمانينيات. وأضاف أنّ الملف بات اليوم لدى محافظة ريف دمشق التي تتولى دراسته وإعداد مقترحاتها قبل عرضه على الجهات الحكومية المختصة، مؤكداً أن معالجة هذا الملف تتطلب توازناً دقيقاً بين حقوق المالكين والواقع السكني القائم حالياً داخل الضاحية.
ويُعدّ ملف استملاك أراضي ضاحية الشام جزءاً من قضية أوسع تتعلق بآلاف الاستملاكات القديمة غير المسوّاة في ريف دمشق، والتي تراكمت على مدى عقود دون تعويض عادل أو تسوية قانونية نهائية. ومع ازدياد الضغوط الشعبية بعد سقوط النظام، تجد المحافظة نفسها أمام اختبار صعب لمعالجة هذه الملفات المتشابكة بما يضمن إعادة الحقوق لأصحابها من دون الإضرار بالمستفيدين الحاليين من المشاريع السكنية المقامة على تلك الأراضي. وتنتظر الجهات المحلية حالياً تشكيل مجلس الشعب الجديد لطرح مشروع قانون شامل يعالج قضايا الاستملاك في سوريا ويضع آلية موحدة لتعويض المالكين المتضررين.
