محافظة دمشق تدرس وضع مخطط تنظيمي جديد لحي القابون
يعاني حي القابون من دمار شبه كامل منذ سنوات الحرب، فيما ما تزال الخطط التنظيمية المطروحة له غير محسومة من دون أي انتقال إلى مرحلة تنفيذية. وتعمل محافظة دمشق حالياً على مراجعة رؤيتها العمرانية للمنطقة في ظل غياب التمويل وعدم وجود عروض إعمار. ويزيد ملف الملكيات المعقد وعودة السكان المحدودة وضعف الخدمات من صعوبة أي مسار عملي، إلى جانب حاجة الحي لمسح هندسي واسع وتوفير حلول سكنية للمتضررين.
شهد حي القابون خلال سنوات الحرب واحدة من أوسع عمليات الهدم الممنهجة في محيط دمشق، إذ تعرضت مناطقه السكنية لشبه إزالة كاملة نتيجة المعارك المتكررة وسياسة التفجير وإخلاء الأبنية التي انتهجتها قوات النظام بين عامي 2012 و2017. وبعد استعادة السيطرة عليه، تواصلت أعمال الهدم بغرض استخراج الحديد منها، ما أدى إلى إزالة قطاعات واسعة بالكامل. ومباشرة بعد استعادة قوات النظام السيطرة على الحي بدأت محافظة دمشق العمل على مسارين تخطيطيين منفصلين. الأول يتعلق بمنطقة القابون الصناعية التي شملها المخطط التنظيمي التفصيلي رقم 104، المصدق في يونيو 2019، ثم أُحدثت ضمنها منطقة تنظيمية بمرسوم رقم 237 الصادر في 14 سبتمبر 2021، استناداً إلى أحكام القانون رقم 10 لعام 2018 المتعلق بإحداث المناطق التنظيمية ضمن المخطط التنظيمي العام. وغيّر المرسوم الصفة العمرانية للمنطقة من صناعية وزراعية إلى سكنية وتجارية. أما المسار الثاني فيخص القابون السكنية، حيث أعلنت المحافظة في يونيو 2020 عن المخطط التنظيمي التفصيلي رقم 105 بموجب القانون رقم 23 لعام 2015 الخاص بتخطيط وعمران المدن. ووافقت عليه مبدئياً وفتحت باب الاعتراضات لمدة شهر، إلا أن المخطط بقي منذ ذلك الحين في مرحلة الدراسة من دون صدور مرسوم تصديقه.
مدير مديرية التخطيط والتنظيم العمراني في محافظة دمشق محمود هلال، قال لسيريا ريبورت، إن المديرية تعمل منذ أشهر على إعداد رؤية تخطيطية جديدة لحي القابون، تتضمن إعادة تقييم المخطط التنظيمي رقم 105 وربطه بالمخططات العمرانية المجاورة، بما في ذلك القابون الصناعية وجوبر والمداخل الشمالية لدمشق. وأوضح هلال أن الدراسة الحالية تهدف إلى فهم كيفية دمج الحي ضمن سياقه العمراني الأوسع، ومراجعة المخططات السابقة تمهيداً لتعديلها أو استبدالها، من دون تحديد تفاصيل فنية أو جدول زمني لآليات اتخاذ القرار.
يؤكد هلال أنه لا توجد حتى الآن أي جهة تقدمت رسمياً للمشاركة في إعادة إعمار حي القابون، مشيراً إلى أن الحديث عن شركات محلية أو أجنبية مهتمة لا يتجاوز مستوى التصريحات العامة. ويرى أن غياب التمويل يشكّل العائق الأساسي أمام أي مسار تنفيذي، نظراً لحجم الدمار الكبير في المنطقة وحاجة مساحاتها الواسعة إلى أعمال بنى تحتية ومسح هندسي طويل الأمد قبل التفكير بأي استثمار عمراني. ويعكس هذا الواقع أن النقاش الحالي ما يزال محصوراً في الإطار التخطيطي، من دون وجود مؤشرات على قرب الانتقال إلى مرحلة تنفيذية أو طرح مشاريع تطوير عقاري.
يمثل ملف الملكيات أحد أكثر التحديات تعقيداً في القابون، نظراً لطبيعته التنظيمية المختلطة. فالحي يضم أجزاء منظمة، إلى جانب مساحات واسعة من السكن العشوائي والمخالفات، إضافة إلى عقارات وقفية مصل منطقة سنان باشا. ويشير هلال إلى أن المحافظة تعمل على تجهيز مكاتب خاصة لاستقبال الأهالي والبدء بحصر الملكيات وتوثيقها، في ظل فقدان عدد كبير من الوثائق وتداخل القيود العقارية مع إشغالات غير نظامية استمرت لسنوات. ويُعد هذا الملف المفتاح الأساسي لتحديد أي مسار تنظيمي مستقبلي، إذ لا يمكن للمحافظة اتخاذ قرارات تنفيذية من دون قاعدة بيانات واضحة بالملكيات والحقوق، بحسب هلال.
فعليا، ومنذ سقوط نظام الأسد، عاد عدد محدود من النازحين إلى مساكن تعرضت لأضرار جزئية في القابون، وتمكنوا من إجراء ترميمات بسيطة بهدف السكن المؤقت. ويقول هلال إن المديرية تبدي قلقاً من السلامة الإنشائية لكثير من الأبنية التي بقيت قائمة، نظراً لعدم خضوعها لأي تقييم فني أو اختبار إنشائي خلال السنوات الماضية. ولا توفر هذه العودة المحدودة مؤشراً على إمكانية واسعة للعودة، في ظل غياب خدمات أساسية وتعذر استخدام معظم الكتل السكنية المدمرة أو غير المستقرة إنشائياً.
وبالتالي، يواجه الحي تحديات فنية ولوجستية كبيرة تحول دون أي بدء فعلي لعمليات الإعمار. ويشير هلال إلى الحاجة إلى مسح هندسي شامل للتأكد من خلو المنطقة من مخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة، إضافة إلى الدمار الواسع الذي يجعل تكلفة إعادة البنية التحتية الأساسية مرتفعة للغاية. كما تعجز المحافظة حالياً عن توفير مساكن بديلة للأعداد الكبيرة من المتضررين، ما يجعل أي خطة للتنفيذ غير قابلة للتحقق قبل استكمال قاعدة الملكيات وتأمين التمويل الضروري.
