ما جرى في عين العروس: الاجتياح، القتل، والحرق
في 16 آذار، حين دخلت فرق الإغاثة إلى قرية عين العروس في ريف اللاذقية كانت رائحة الحرائق ما زالت عالقة في الهواء؛ بعض المنازل المتفحمة، والبلدة شبه مهجورة.
عين العروس، الواقعة عند التخوم الشرقية لمنطقة القرداحة، ليست مجرد تجمع ريفي صغير في محافظة اللاذقية، بل تمثل نموذجاً لما تبقى من القرى الزراعية التي ظلت بعيدة عن ضجيج الجبهات طوال سنوات الحرب. تقع عين العروس على مسافة نحو 15 كيلومتراً من مدخل مدينة اللاذقية، وتشكّل بحكم موقعها الاستراتيجي على الطريق الرابط بين القرداحة والأوتوستراد الدولي، نقطة وصل حيوية بين المناطق الساحلية والداخلية. تُعرف القرية بطابعها الريفي وسكانها الذين يعتمدون على الزراعة وتربية المواشي والحرف التقليدية، وتتناثر منازلها على جانبي الطريق، وسط أراضٍ زراعية خصبة تُزرع بمختلف المحاصيل الموسمية. يبلغ عدد سكانها نحو 1500 نسمة يعيشون حياة بسيطة ترتبط بدورة الأرض والموسم. تاريخياً، كانت عين العروس إحدى القرى التي شهدت تواجداً تركمانياً في ريف اللاذقية، وأسهمت العائلات التركمانية فيها في تشكيل النسيج الاجتماعي والثقافي للمنطقة.
في معرض قمع حركة التمرد التي حصلت في الساحل السوري، اقتحمت مجموعات مسلحة وميليشيات تتبع لوزارة الدفاع التي تهيمن عليها هيئة تحرير الشام، في 7 آذار، القرية تحت غطاء من النيران الكثيفة. لم تتمكن سيريا ريبورت من معرفة أسماء المليشيات المشاركة في اقتحام البلدة، لكن اللهجات التي سمعها السكان تؤكد أن معظم المهاجمين كانوا سوريين، مع وجود محدود لعناصر أجنبية ضمن صفوفهم. وبمجرد بدء الاقتحام، ومع أإطلاق أول الرشقات النارية في مداخل القرية، فرّ الأهالي نحو الأراضي الزراعية والحراجية المجاورة أو إلى القاعدة الروسية القريبة في حميميم. قلة التي لم تتمكن من الهرب، تعرضت لعلميات إعدام ميدانية طالت حوالي 80 شخصاً وجدت جثثهم في أماكن متفرقة ضمن البلدة وحولها، وما زال هناك العديد من المفقودين.
لم يكن الهجوم عشوائياً، بل بدا أقرب إلى عملية ممنهجة تتقصد الأذية الجماعية. إذ لا تشير كل الأحداث، إلى وجود مطلوبين في البلدة، بل عملية انتقام غير مفهومة بعد أسبابها. ومن بين الخسائر التي رصدتها سيريا ريبورت 22 منزلاً تعرضت للحرق وتفحمت، وبعض الأراضي الزراعية أيضاً تعرضت للحرق، وكذلك المستودعات والمحال التجارية.
جميع البيوت، التي حرقت والتي بقيت سلمية، تعرضت للتعفيش. المحال التجارية نُهبت بالكامل، ثم أُضرمت فيها النيران. في بعض الحالات، تم استخدام السيارات الزراعية المسروقة لنقل المسروقات من المحال إلى خارج القرية. الملفت أن كثيراً من أغراض ومعدات السكان الريفيين، تكاد لا تحمل أي قيمة استعمالية إلا لأصاحبها، وهي قديمة ومهترئة، ومع ذلك تعرضت للتعفيش أو التخريب. فعلياً، لم تكن الفصائل بحاجة لكل ما سُرق. ويذكر ذلك بممارسات سبق وانتهجتها قوات النظام ضد مدن وبلدات السنّة المعارضة.
في الطرف الشرقي من القرية، كان لثلاثة أشقاء منازلاً متجاورة، وسط أرضهم الزراعية. عندما سمعوا صوت الرصاص، تركوا كل شيء ولاذوا بالفرار مع أطفالهم. حين عادوا، لم يجدوا سوى الرماد. منزلان احترقا كلياً، والثالث نُهب بالكامل. واليوم، يقيم جميع أفراد العائلة في المنزل الوحيد الذي نجا من النيران. هذا المشهد تكرر في أكثر من بيت. عائلات كاملة انتقلت إلى بيوت الجيران أو أقاربها، دون أي قدرة على ترميم ما تهدّم أو البدء من جديد. لقد تحوّلت القرية إلى بقايا بيوت محروقة وأناس مشتتون. أحد السكان قال لسيريا ريبورت: “لن تقوم لهذه القرية قائمة بعد الآن”.
الانتهاكات لم تقف عند النهب والحرق. في أكثر من شهادة، تحدث الأهالي عن حالات اختفاء قسري. إحدى النساء روت كيف اقتحم المسلحون منزلها، وسحبوا زوجها إلى الخارج أمام أطفاله الأربعة. ومنذ تلك اللحظة، لم تره مرة أخرى. ترجّح أنه قُتل، كما غيره من المفقودين الذين بدأت جثثهم بالظهور في مقابر جماعية صغيرة قرب القرى الزراعية المجاورة. الخوف لم يختفِ بانسحاب الفصائل. بل بقي مثل ظلٍّ يخيّم على المكان، يمنع الناس من العودة إلى أراضيهم، تفقد أرزاقهم، والبحث عن وثائقهم. حتى المشي في الطرقات صار مخاطرة، وسط أحاديث عن قنّاصة يستهدفون من يتجرأ على الابتعاد عن محيط البيوت.
حتى حين وصلت العيادة المتنقلة مع فريق الإغاثة بعد أيام على الاقتحام، لم يجرؤ معظم السكان على الخروج إلى الطريق الرئيسي لتلقي العلاج. الخوف من الغرباء ظل مسيطراً على الجميع، والريبة تتضاعف تجاه أي وجه جديد، حتى لو حمل معه دواء أو سلة غذائية.
الأطفال، على وجه الخصوص، لم يخرجوا من الصدمة. حالات هلع وبكاء هيستيري تتكرر كلما اقترب شخص غريب من أطراف المنازل. من بقي من السكان يعاني من انقطاع الكهرباء التام لأكثر من أسبوع، بينما يعتمد الجميع على مياه الآبار القديمة، في ظل غياب أي استجابة من المؤسسات الرسمية أو السلطات المحلية.
رغم محاولات المجموعات التطوعية الوصول إلى القرية، فإن حجم المأساة يتجاوز إمكاناتها بكثير. لم تعد المشكلة في تأمين الخبز أو الدواء فقط، بل في فقدان مقومات الحياة الأساسية. ومن دون دعم نفسي عاجل، لن تكون هناك أي قدرة على التماسك أو النهوض من جديد.
وفي النهاية، فإن ما جرى في هذه القرية ليس حادثة معزولة. إنه نموذج يتكرر بصمت في قرى ريفية أخرى في الساحل، حيث تُرتكب انتهاكات ممنهجة بحق السكان، دون أي مساءلة، ودون أي اعتراف حقيقي بما يحدث.
