ماروتا وباسيليا بعد سقوط النظام: مشروع مؤجل، والمكتتبون بلا مساكن
بعد سقوط نظام بشار الأسد، توقف العمل بمشروعي المنطقتين التنظيميتين بدمشق، اللذين نص على تأسيسهما المرسوم 66 لعام 2012. والمعروفتين باسم ماروتا سيتي وباسيليا سيتي. وبالتزامن مع تجميد العمل بالمشروع، تجري مناقشات لإعادة إطلاقه بصيغة جديدة. إذ تدرس لجنة مشتركة من وزارة الأشغال العامة والإسكان ومن محافظة دمشق، ملف السكن البديل للمتضررين في منطقتي المشروع، وتعقد اجتماعات بهدف وضع ما تصفه بـ”معايير جديدة” وصيغة عمل للمرحلة القادمة.
وتدير محافظة دمشق المنطقتين التنظيميتين عبر مديرية تنفيذ المرسوم 66، وعبر شركة دمشق الشام القابضة التابعة للمحافظة وهي شركة مساهمة مغفلة تملكها المحافظة بالكامل، وتُعتبر الذراع المالية والإدارية للمشروع. وقد أصدرت محافظة دمشق القرار رقم 33 في 14 يناير 2025، الذي كلفت بموجبه المهندس إبراهيم هنانو، بإصدار التوجيهات والتعليمات نيابة عنها، للإشراف على أعمال مديرية المرسوم 66، وشركة دمشق الشام القابضة.
بموجب المرسوم 66 تُقام المنطقتان التنظيميتان وفق مخططات عمرانية جديد، على أن يتم تعويض أصحاب الحقوق من المالكين، بأسهم تنظيمية في المقاسم السكنية المخصصة للبناء. ويفترض أن يقوم أصحاب الحقوق ببناء مقاسمهم السكنية، على نفقتهم. وإذا كان صاحب السهم يملك حصة كبيرة تعادل قيمة مقسم تنظيمي مستقل، يمكنه الاكتتاب عليه مباشرة، فيصدر المكتب التنفيذي في المحافظة قرار تخصيص المقسم وتسجّله المديرية العقارية باسمه. أما إذا كانت حصته صغيرة، فيجوز له تأسيس شركة مساهمة مع آخرين، أو بيع حصته في المزاد العلني بإشراف لجنة من المحافظة وفق قانون العقود رقم 51 لعام 2004. رغم البدء بإجراءات الترخيص في بعض المقاسم السكنية التنظيمية، وبدء البناء فيها، إلا أنه لم يُنجز بشكل نهائي أي منها، حتى الآن.
وبحسب المرسوم 66، يجري تخصيص مساكن بديلة لغير المالكين، خصوصاً الشاغلين الخاضعين لقانون الإيجار القديم، على أن يدفعوا ثمن تلك المساكن وفق أقساط شهرية ودفعة أولى. والسكن البديل هو أحد برامج السكن الاجتماعي التي تنفذها مؤسسات عامة، وهو غير مجاني، يمكن لأصحاب الحقوق ضمن منطقة التنظيم الاكتتاب عليه. لكنّ هذه المساكن البديلة لم تُنجز بعد رغم مرور سنوات على الإخلاء، وتحولت إلى مصدر استنزاف مالي للمكتتبين بفعل غياب التسليم وارتفاع قيمة الأقساط.
غياب الإنجاز الفعلي، على صعيد المقاسم التنظيمية السكنية، ومقاسم السكن البديل، لا يرتبط فقط بالأوضاع السياسية خلال فترة سيطرة نظام الأسد، بل يُعبّر أيضاً عن ضعف في البنية المؤسسية التي تُدير المشروع. مثلاً، واجه أصحاب المقاسم السكنية التنظيمية في ماروتا سيتي، طيلة السنوات الماضية، تحديات كبيرة منها الحصول على رخص بناء، وكذلك الحصول على الموافقة الأمنية المسبقة، في ظل تهديد محافظة دمشق المتواصل لهم بمصادرة تلك المقاسم وبيعها بالمزاد العلني إذا لم يتمكنوا من ترخيصها خلال مهل محددة. في المقابل، لم تتمكن شركة دمشق القابضة من استكمال ما بدأته بخصوص السكن البديل، واضطرت إلى التعاقد مع شركة خاصة لتنفيذ بعض الأبراج في باسيليا سيتي. هذه الخطوة، رغم أنها بدت كمحاولة إنقاذ، لم تترافق بإنجاز على الأرض، ولم تُعمّم بعد على بقية أجزاء المشروع، ما أشار إلى محدودية التجربة وصعوبات التمويل.
في المقابل، منذ سقوط النظام، وتوقف العمل بالمشروع، لم تُستأنف أي أعمال بناء فعلية، رغم استمرار التصريحات الرسمية حول إعادة إطلاق المشروع. بحسب معلومات سيريا ريبورت، فالاجتماعات التي عقدتها محافظة دمشق مع وزارة الأشغال العامة والإسكان ركزت على دراسة ملف السكن البديل، لكن من دون أن تخرج بنتائج تنفيذية واضحة. فعلياً، لم تجرِ أي مراجعة رسمية لكيفية تداخل صلاحيات مديرية تنفيذ المرسوم 66 مع صلاحيات الشركة القابضة، ولا لطبيعة العلاقة المالية بين الطرفين. هذا الغموض الإداري، مع غياب الدراسة المحدّثة لتكلفة المشروع، يضع مشروع المنطقتين التنظيميتين أمام فراغ تنفيذي حقيقي، حيث لا توجد جهة واضحة مسؤولة عن التمويل، التنفيذ، أو حتى عن التواصل مع المكتتبين وأصحاب الحقوق.
يؤكد الخبير العقاري عمار يوسف، لسيريا ريبورت، أن تجميد العمل في المنطقتين التنظيميتين يُشكّل “كارثة كبيرة” على الحكومة والمكتتبين، بسبب تأثيره السلبي على الأسعار وعلى حقوق المالكين. ويُوضحُ يوسف أن المشروع، في مرحلته السابقة، كان مُوجّهاً بالأساس لخدمة رموز النظام، عبر تكتلات من رجال الأعمال اشتروا الأسهم التنظيمية باتفاقات خاصة مع المالِكين الأصليين. يوسف أشار إلى أن 90% من المقاسم السكنية التنظيمية في ماروتا سيتي، باتت خاضعة لسيطرة هؤلاء.
على صعيد المراجعة التي تجريها محافظة دمشق للمشروع، أشار مراسل سيريا ريبورت إلى أن المحافظة تتجه إلى مراجعة المعايير الناظمة لملف السكن البديل، من خلال لجنة مشتركة مع وزارة الأشغال العامة والإسكان. والحديث الرسمي الدائر حول “صيغة جديدة” و”معايير أفضل”، يتعلق باحتمال تعديل القرار 112 الناظم لاستحقاق السكن البديل، والقرار 1249 المتعلق بآلية التنازل عن الاستكتاب. القرار 112 الصادر عام 2015 كان قد وضع شروطاً صارمة للاعتراف باستحقاق السكن البديل، أهمها أن يكون الشاغل قد أقام فعلياً في العقار من لحظة صدور المرسوم 66 حتى لحظة الإخلاء. هذا الشرط استُخدم لاستبعاد عدد كبير من المستأجرين والشاغلين القدامى، وخاصة من انتقلوا قسراً قبل الإخلاء الرسمي بسبب الظروف الأمنية أو الاقتصادية. بينما فرض القرار 1249 قيوداً إضافية على التنازل عن حق الاكتتاب، مما حدّ من مرونة المستحقين في التصرف بحقوقهم، وأجبر بعضهم على بيع حصصهم في ظروف غير مناسبة. كما أن آلية الاكتتاب نفسها ما تزال غير شفافة، وتعتمد على جداول اسمية فردية تتضمن إشعارات وإنذارات نهائية، تُرسل دون ضمان وصول فعلي أو مراجعة حقيقية لحالة كل مكتتب.
الخبير يوسف، قال إن تعديل المعايير التي قام عليها المشروع، في هذه المرحلة، سيخلق مشاكل جديدة على المدى البعيد تتعلق بحقوق المكتتبين الحاليين. إذ لم تبادر المحافظة، لطرح أية حلول جدية لمعالجة مشاكل الاكتتابات السابقة، أو لتعويض من تضرر من تأخير التسليم والزيادة الكبيرة في الأقساط.
وجه آخر للمشكلة، يتعلق بشركة دمشق الشام القابضة التي تدير مشروع المدينتين التنظيميتين بصفتها مالكاً ومُطوّراً رئيسياً، عبر ذراعها التنفيذية “شركة دمشق الشام للإدارة”. وقد كشف يوسف، أن جزءاً كبيراً من تمويل دمشق الشام القابضة ومديرية تنفيذ المرسوم 66، جاء خلال السنوت الماضية من “صندوق الشهداء”، الذي تلقى إيرادات متعددة أبرزها رسوم المخالفات على التجار. ولكنه، رغم توقف الأعمال منذ سقوط النظام، لم تُطرح محافظة دمشق، حتى الآن أي مراجعة علنية لأداء الشركة أو طبيعة العقود التي أبرمتها، سواء مع المستثمرين السابقين أو مع الجهات المنفذة. وعدم قدرة الشركة القابضة على استكمال المشروع سابقاً كان يُعزى إلى أسباب متعددة: غياب التمويل، وتعقيدات الموافقات الإدارية، وارتفاع تكاليف البناء، وتعطل شركات القطاع العام.
وما يبقى خارج النقاش الرسمي هو غياب الشفافية المالية، وعدم وضوح آلية إدارة الأملاك العامة التي أُدرجت ضمن المشروع، وعلاقة دمشق القابضة بمديرية تنفيذ المرسوم 66، سواء على مستوى الصلاحيات أو المسؤوليات. حتى اليوم، لا تملك دمشق القابضة ولا مديرية المرسوم 66، جدولاً معلناً لتسليم المقاسم، ولا مخططاً زمنياً واضحاً لاستكمال البناء، بينما تتراكم الشكاوى من المستحقين والمكتتبين حول التأخير وفوضى المعايير.
وفي النتيجة ومع كل ما جرى من تبدلات سياسية وإدارية بعد سقوط النظام، لم تُطرح حتى الآن مراجعة فعلية لمضمون المرسوم 66 نفسه، ولا لتجربة تطبيقه خلال أكثر من عقد. كما أن المحافظة حين تتحدث عن “تطوير” و”تحديث المعايير”، تغفل الحديث عن ضرورة مراجعة أسس التقييم العقاري التي قام عليها المشروع لأملاك المتضررين، وآلية توزيع الأسهم. بهذا المعنى، فإن إعادة اقلاع العمل بالمشروع، ان حدثت، من دون تفكيك بنية المرسوم 66 الأصلية، لا يمثّل تصحيحاً، بل إعادة إنتاج لنموذج عمراني استبعادي، يقوم على انتزاع الأرض وتفكيك الملكيات، وتحويل السكان إلى مكتتبين أو شركاء قسريين في صيغ استثمار لا قدرة لهم على ضبطها أو الخروج منها.
