ماذا عن عقارات الأدالبة في دمشق وريفها؟
عبدالحميد، 55 عاماً، يملك عقاراً مكوناً من 3 طوابق في منطقة حجيرة التابعة لناحية ببيلا جنوبي دمشق. البناء مرخص في منطقة منظمة، وبحوزة عبدالحميد، سند ملكية رسمي به. لكن، عبدالحميد اضطر لمغادرة حجيرة نهاية العام 2012 عائداً إلى مسقط رأسه في جبل الزاوية في إدلب، مدفوعاً بالخوف من الاشتباكات المسلحة مع تقدم قوات النظام باتجاه حجيرة.
في العام 2013 استولت قوات النظام على حجيرة، ومنذ ذلك الحين لم يتمكن عبدالحميد من العودة وتفقد مسكنه. لكنه، سمع مؤخراً من أحد جيرانه القدماء، بأن ضابطاً من ميليشيا موالية للنظام، استولى على عقاره منذ العام 2014. عبدالحميد، يخشى ألا يتمكن من الحصول على موافقة أمنية، في حال رغب بتوكيل أحدهم لبيع منزله، كما يخشى في الوقت ذاته من أن يقوم الضابط الغاصب لعقاره، بأي إجراء غير قانوني يتيح له تسجيل ملكية العقار باسمه.
كُثرُ من أهالي إدلب، مثل عبدالحميد، فقدوا مع تعطل إمكانية التنقل الحر والمباشر بين منطقتي سيطرة المعارضة والنظام، في شمال غربي سوريا، إمكانية الوصول إلى عقاراتهم في دمشق وريفها واستعمالها. هذا الانقطاع عن تفقد أملاكهم، شجّع متنفذين موالين للنظام للاستيلاء على بعضها.
وكما كثير من السوريين، جزء من الأدالبة الذين درسوا وعملوا في دمشق وريفها، بقيوا فيها، وعاشوا واشتروا مساكن وعقارات. ويشمل ذلك موظفي القطاع العام والمؤسسات الحكومية، وأيضاً العاملين في الجيش والأجهزة الأمنية، وأيضاً التجار ورجال الأعمال وأصحاب المهن والأعمال الحرة. في بعض العشوائيات بدمشق، هناك أحياء بالكامل كان يسكنها الأدالبة، وأبرزها منطقة شارع الحافظ في عشوائية حي تشرين ومعظم سكانها من المهاجرين الأدالبة إلى العاصمة دمشق من منتسبي سلك الشرطة. بعد العام 2011، عاد جزء من أولئك إلى إدلب، خوفاً من حملات الاعتقالات العشوائية، وتوقيف أبناء المحافظات المتمردة على النظام على الحواجز. جزء كبير من منتسبي الشرطة من إدلب انشقوا، وساهموا بتشكيل فصائل معارضة في دمشق وريفها، قاتلت ضد قوات النظام. مع الوقت، ومع تحول إدلب إلى الحاضنة الأكبر للمعارضة السورية، بات الأدالبة يعانون من التمييز ضدهم، وشيئاً فشيئاً فضّل الأدالبة العودة وترك عقاراتهم ومساكنهم بدمشق وريفها.
أحمد، 46 عاماً، لديه شقة في الطابق الأول من بناء مرخص ضمن منطقة منظمة من بلدة عقربا بريف دمشق. أحمد اضطر للنزوح وترك شقته في نهاية العام 2012 هرباً من المعارك التي كانت قريبة من المنطقة. يقول أحمد، لمراسل سيريا ريبورت، إنه ترك كل شيء في المنزل كما هو، على أمل عودة قريبة. لكن، 11 عاماً باتت تفصله عن ذلك الأمل بالعودة القريبة، بعدما استقر في مسقط رأسه في بلدة بنش شرقي إدلب. يقول أحمد، أنه لا يعرف أبداً ما هو وضع شقته حالياً، ولا إذا كان مسكوناً حالياً أو مدمراً. يضيف أنه لم يعد لديه أي وسيلة للتوصل إلى أي معلومة عن وضع مسكنه.
ورغم كل ذلك، ظلت إمكانية التنقل بين مناطق سيطرة النظام والمعارضة قائمة حتى العام 2018، عبر معبر مورك في ريف حماة الشمالي، ولكنها محصورة بغير المطلوبين أمنياً وهم شريحة ضئيلة من أهالي إدلب. ولكن، الحملة العسكرية الأخيرة لقوات النظام ضد المعارضة شمال غربي سوريا، ما بين العامين 2018-2020، لم تنجح فقط في تشكيل الحدود على وضعها الراهن بين مناطق سيطرة المعارضة والنظام، بل أيضاً بخفض حركة النقل المباشرة بين منطقتي السيطرة.
وبالتالي، بات الأدالبة العائدون من دمشق وريفها، شبه محاصرين في إدلب، تتعذر عليهم العودة وتفقد أملاكهم. قبل أيام فقط افتتح معبر أبو الزندين في ريف حلب، للحركة التجارية فقط في هذه المرحلة، بين منطقتي السيطرة. وفعلياً، لحد اليوم ليس هناك من طريق مباشر يصل بين المنطقتين، يتيح إمكانية تنقل البشر. ولذلك، كان الراغبون بالعودة إلى مناطق النظام يضطرون للعبور من مناطق المعارضة، إلى مناطق قوات سوريا الديموقراطية في منبج، ومنها إلى مناطق النظام في حلب. تلك الصعوبات في التنقل، وتكاليفها، ومخاطر التوقيف العشوائي والتعسفي بغرض دفع الرشاوى، كلها من الأمور التي طالما حدّت من حركة العودة.
من جانب آخر، الأدالبة الذين بقوا في مناطق سيطرة المعارضة في دمشق وريفها، اضطروا لمغادرتها مع حملات التهجير القسري التي رافقت استعادة النظام لتلك المناطق تدريجياً حتى العام 2018. شريف، 38 عاماً، من مدينة تفتناز بريف إدلب، كان لديه شقة في بناء مرخص بمنطقة منظمة وسط مدينة دوما بريف دمشق، وقد ظل فيها حتى العام 2018، عندما استولت قوات النظام عليها عسكرياً، وفرضت على معارضي المصالحة التهجير قسرياً إلى إدلب. شريف يقول إن شقته تعرضت للحرق الجزئي بسبب قصفها بقذيفة أثناء المعارك الأخيرة. وهو لم يتمكن من أخذ عفشه، ولكنه ما زال يحتفظ بالأوراق الرسمية لملكيته العقارية، رغم أنه فقد الأمل بالعودة.
