لمن تعود ملكية أراضي عشوائية المزة 86 بدمشق؟
في 10 حزيران، انتشر بيان أصدرته جهة عرفت عن نفسها باسم “لجنة أحياء منطقة المزة”، وصف عشوائية المزة 86 بأنها مقامة على أراضٍ “مغتصبة تم الاستيلاء عليها عنوةً وبقوة السلاح والسلطة، من خلال أدوات النظام البائد وأجهزته الأمنية، وميليشياته، دون وجه حق ودون أي مستند قانوني أو سند ملكية رسمي”. وتابع البيان بالقول: “هذه المنطقة (..) كانت حتى سبعينات القرن الماضي عبارة عن حرش طبيعي وبساتين تتبع لأهالي (المزة)”. وأضاف: نؤكد في هذا السياق أن الأبنية (الحالية) القائمة في حي 86 ليست مسجلة (..) وهي عبارة عن أبنية مخالفة لكل المعايير الهندسية”، وخلص إلى القول: “بناء عليه، نُعلن نحن أبناء حي المزة، عبر لجان الأحياء، أننا بدأنا فعلياً باتخاذ الإجراءات القانونية والاجتماعية للمطالبة باستعادة هذه الأراضي، وردها لأصحابها الشرعيين الذين صودرت حقوقهم لعقود. الحق لا يسقط بالتقادم، والمغتصب مهما طال به الزمن، لا يملك شرعية الأرض ولا ثقة الناس”.
أثار البيان الذي نشر على صفحة “تنسيقيات المزة” في فيسبوك، حفيظة ومخاوف أهالي عشوائية المزة 86. إذ أن “لجنة أحياء منطقة المزة” غير معروفة، بينما لكل حي في المزة لجنة خاصة به، فهناك لجنة حي كيوان، ولجنة حي الشيخ سعد، ولجنة حي الفيلات، ولجنة حي المزة 86. وهذه اللجان تشكلت مع صدور قانون الإدارة المحلية رقم 107 لعام 2012، وكانت فاعلة في القضايا الخدمية. تقع هذه اللجان ضمن اختصاص منطقة المزة الإدارية، التي تُعد جزءاً من محافظة دمشق، وهي واحدة من 16 منطقة مماثلة ضمن المحافظة، وبالتالي فهي تتبع لوزارة الإدارة المحلية والبيئة. مع سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، استعادت اللجان حيويتها، وأعيد تشكيل بعضها، لتلعب دوراً في ملف تسليم السلاح والتنسيق مع الإدارة الانتقالية في توقيف مطلوبين، وحفظ الأمن، خاصة بعد أحداث الساحل في آذار 2025.
حي المزة، من أكبر أحياء مدينة دمشق، ويضم مناطق منظمة فخمة مثل فيلات شرقية وفيلات غربية، كان يسكنها كثير من كبار الموظفين الحكوميين، المسؤولين الأمنيين والعسكريين، وأيضاً رجال الأعمال، في عهد نظام الأسد، بالإضافة إلى سكان آخرين غير مرتبطين سياسياً، بمن فيهم مهنيون وعائلات من الطبقة المتوسطة. كما توجد في المزة عشوائيات كبيرة مثل المزة 86 التي بدأت في الظهور نهاية السبعينيات. وأقيمت العشوائية على أملاك عامة وبعضها مستملك لوزارة الدفاع، بجوار الكتيبة رقم 86 التابعة للواء 42 التابع بدوله لميليشيا سرايا الدفاع، التي كان يقودها الرجل القوي في النظام حينها رفعت الأسد. ومعظم سكان المزة 86 من المهاجرين العلويين الفقراء من الساحل إلى دمشق، ونسبة كبيرة منهم من المتطوعين في الأجهزة الأمنية والعسكرية.
مراسل سيريا ريبورت، نقل عن بعض السكان القدماء للعشوائية، أن الأراضي كانت ملكية مشاعية غير مفروزة، وهي صخرية غير صالحة للزراعة، وقد استملكتها الدولة في الستينيات. المساكن بدأت تظهر بشكل فوضوي “بين ليلة وضحاها”، ضمن الأحراش على سفح جبل المزة. أصحاب المساكن الأولى، كانوا من عناصر الكتيبة 86، الذين شرعوا ببناء مساكنهم غير بعيد عن مرابض المدفعية والدبابات التابعة للكتيبة، مستفيدين من غياب أي رقابة أو تخطيط عمراني، ومستندين إلى الخوف الكبير الذي كانت تنشره سرايا الدفاع حيثما حلّت. بعض البيوت الأولى كانت عبارة عن غرفة وحيدة ومطبخ، مبنية بأدوات بدائية، من دون أساسات، ولا شبكة خدمات تحتية، كالصرف الصحي والكهرباء، كما هو حال كل العشوائيات. وبعد مرحلة امتدت عقداً من النمو البطيء للعشوائية، تحولت في منتصف الثمانينيات إلى منطقة جاذبة للسكن، بحكم قربها من دمشق، ورخص الأسعار فيها، وحينها بدأ ظهور الأبنية متعددة الطوابق، بواسطة متعهدي بناء، اخذوا على عاتقهم مهمة تخطيط المنطقة ورسم شوارعها، وتحديد مقاسم السكن فيها. الأمر بلغ ذروته في نهاية التسعينيات ومطلع الألفية، مع تحول العشوائية إلى منطقة مكتظة سكنياً.
في مطلع التسعينيات، كان من يستولي على قطعة أرض يسوّرها بالحجارة، ثم يضع فيها الأساسات، دون أي سند رسمي، إما لبناء منزل شخصي أو لبيعها لاحقاً. البيع لم يكن يُعامل كملكية، بل كتنازل عن “الجهد المبذول” في تجهيز الأرض، وهي ممارسة مألوفة في معظم العشوائيات المحيطة بدمشق. مع نهاية التسعينيات، اقترحت محافظة دمشق مخططاً تنظيمياً لمنطقة المزة 86، تضمن تحويل بعض المساحات إلى حدائق ومرافق عامة، لكن المخطط لم يُنفذ.
ورغم غياب أي صكوك ملكية رسمية، حرص الكثير من السكان على تسديد ما يُعرف محلياً بـ”الترابية”، وهي رسوم كانت تُدفع لدوائر المالية مقابل إشغال الأرض. لم تكن هذه الدفعات تمنح صفة قانونية للملكية، لكنها صارت تُستخدم كمرجعية ضمنية في حالات الإخلاء أو التنظيم. في ماروتا سيتي، مشروع بساتين الرازي، مثلاً، حصل من سدد الترابية على تعويضات مالية أو أسهم تنظيمية، بينما حُرم منها من لم يدفع. التجربة دفعت سكان المزة 86 لاعتبار هذه الرسوم ورقة تفاوض محتملة في حال أعيد فتح ملف التنظيم مجدداً.
رغم الفوضى العمرانية التي وسمت نشوء المزة 86، إلا أن الوضع القانوني للأراضي لم يكن غامضاً بالكامل. بحسب مصادر سيريا ريبورت في الحي، فإن غالبية أراضي العشوائية تعود ملكيتها للدولة، وقد صُنفت منذ السبعينيات كأملاك عامة. بعض العائلات الدمشقية كانت تشغل أو تملك حصصاً محدودة من الأرض في تلك المنطقة، لكنها خضعت لاحقاً لقرارات استملاك رسمية صدرت حينها عن رئاسة مجلس الوزراء، لغرض النفع العام مع تعويضات مالية.
مصدر حقوقي، أوضح لسيريا ريبورت، إلى أن غالبية أراضي المزة 86 مُدرجة تحت اسم “الدولة – أملاك عامة” في السجلات العقارية لمدينة دمشق. هذا التصنيف يُشكّل عقبة جوهرية أمام أي ادعاء حديث بالرغبة باستعادة الملكيات الخاصة، إذ لا يُمكن الطعن في التصنيف من دون سندات رسمية موثقة. وبالتالي، فإن مطالبة لجنة أحياء منطقة المزة، باسترجاع تلك الأراضي، بدعوى أن عليها إشغالات أو بيوع عرفية قديمة، يجب ارفاقها بوثائق وأدلة. ويحتاج الأمر إلى أكثر من ذلك، في حال قررت اللجنة رفع دعوى في المحكمة: وجود مصلحة قانونية مباشرة أو صفة تمثيلية لأصحاب الدعوى، ووثائق تثبت ملكيتهم الفردية الأصلية. ومع ذلك، للتحقق أكثر من الوضع القانوني للأراضي في المزة 86، اقترح المصدر مراجعة أرشيف مجلس الدولة الذي يضم قرارات الاستملاك القديمة.
رغم الطابع القانوني-السياسي، الذي حاول بيان لجنة أحياء منطقة المزة اتخاذه، إلا أن توقيته ومضمونه يعكسان تحوّلات أعمق تتجاوز مجرد نزاع على الأرض. فتح ملف المزة 86 اليوم، بعد عقود من الصمت أو القبول الضمني بواقعها، يسلّط الضوء على محاولات استعادة أراضٍ، ليست فقط مستملكة لصالح الدولة، بل تحوّلت إلى عشوائية يقطنها عشرات الآلاف. وبينما يستند البيان إلى مفردات تبدو قانونية مثل “السند الرسمي” و”البيع الباطل”، فإن السياق الاجتماعي والسياسي المحيط به يشير إلى أن المسألة لا تتعلق فقط بملكية الأرض، بل تنطوي أيضاً على توتر صامت بين أطراف محلية؛ بين من يعتبرون أنفسهم أصحاب الأرض الأصليين، وبين سكان استقروا فيها خلال عقود مضت.
يتزامن هذا التوتر مع تحوّلات أوسع في تركيبة السلطة، ما يضيف بُعداً سياسياً إلى الخلفية العمرانية-الاجتماعية للنزاع على الأرض: فقد ساهم تواطؤ مؤسسات الدولة في عهد نظام الأسد في تشجيع نشوء العشوائيات، بينما يعكس فتح ملف الملكية اليوم محاولة لإعادة تعريف “الحقوق الأصلية” ضمن توازنات جديدة تتجاوز الإطار القانوني البحت.
