لجنة التمديد الحكمي جمدت عملها بسبب الظروف غير المهيئة
بعد أسابيع من الجدل والاعتراضات، دخلت قضية الإيجارات القديمة الخاضعة لنظام التمديد الحكمي والفروغ مرحلة من الجمود، بعدما توقفت اللجنة الحكومية المكلفة بدراسة هذا الملف عن عقد اجتماعاتها. اللجنة التي شُكّلت بهدف اقتراح حلول وسط بين المالكين والمستأجرين، وجدت نفسها أمام موجة احتجاجات واسعة ومناخ اقتصادي وسياسي غير مهيأ، ما جعل مهمتها تتعثر وتطرح تساؤلات حول مستقبلها ومصير واحد من أكثر الملفات العقارية حساسية في سوريا.
وكانت وزارة العدل قد أصدرت في 12 حزيران 2025، قرارها رقم 856، القاضي بتشكيل لجنة متخصصة برئاسة رئيس محكمة النقض، وتضم قضاة وممثلي جهات حكومية ونقابية، تتولى دراسة الوضع القانوني للعقارات المؤجرة بموجب عقود خاضعة للتمديد الحكمي، سواء كانت سكنية أو غير سكنية، ولصالح القطاعين العام أو الخاص. وكُلِّفت اللجنة باقتراح حلول تشريعية متوازنة تراعي العدالة بين المؤجّرين والمستأجرين، على أن تنجز أعمالها خلال مهلة شهرين من تاريخ المباشرة، قابلة للتمديد. وتُصرف تعويضات أعضائها من موازنة وزارة العدل.
التمديد الحكمي هو نظام قانوني للإيجارات في سوريا أُقر لأول مرة بموجب المرسوم التشريعي رقم 111 لعام 1952، ويقضي بتمديد عقد الإيجار تلقائياً من دون حاجة لموافقة المؤجّر أو المستأجر، وبغضّ النظر عن إرادة المالك. هذا التمديد الإلزامي عُدّ انتقاصاً من حقوق الملكية ومخالفةً لمبدأ “العقد شريعة المتعاقدين” الوارد في القانون المدني لعام 1949. ورغم محاولات لاحقة للحد من هذا النظام، مثل قانون الإيجار رقم 6 لعام 2001 الذي أخضع العقود السكنية المبرمة بعده لمبدأ التعاقد الحر، بقيت العقود الأقدم خاضعة للتمديد الحكمي. قانون الإيجار رقم 10 لعام 2006 أنهى العمل بالتمديد الحكمي بالنسبة لجميع العقود الجديدة، السكنية والتجارية، لكنه أبقى أثره سارياً على العقود المبرمة قبل ذلك. بينما الفروغ، فهو نمط من التمديد الحكمي، يخصّ المحلات التجارية المؤجرة قبل 2006، حيث دفع المستأجر آنذاك مبلغاً مقطوعاً يتراوح غالباً بين 40 و60 في المئة من قيمة العقار، وقد تصل إلى 80 في المئة في بعض الحالات، مقابل إشغالٍ مستمرّ وإيجار رمزي ثابت، مع حقّ التنازل عن المحلّ لقاء فروغ جديد، بينما تبقى ملكية العقار للمؤجّر.
وبحسب مصادر سيريا ريبورت، اللجنة المتخصصة، أصدرت قراراً لم تعلنه، بالتمهل بدراسة هذا الإيجارات، نتيجة الاحتجاجات الكثيرة حولها، ولا سيما من قبل المستأجرين. وعلم المراسل أن اللجنة لم تعقد أي اجتماع منذ شهر تقريباً. ويأتي ذلك مفاجئاً، إذ أن اللجنة كانت تجتمع، في بداية تشكيلها، بمعدل ثلاثة اجتماعات أسبوعياً. ويشير ذلك إلى تجميد عمل اللجنة بشكل غير معلن، باعتبار أن الإعلان عنه كان يمكن أن يثير جدلاً كبيراً، ولا سيما أن الكثير من المستأجرين أعلنوا في أكثر من مناسبة أنهم لن يخرجوا من محلاتهم مهما كان الثمن.
وبحسب المصادر، فمن أسباب تجميد عمل اللجنة الظروف الاقتصادية والسياسية التي تمر بها البلاد، والتوترات في العديد من المناطق السورية. وتتخوف اللجنة أن يتسبب عملها بسخط شرائح اجتماعية جديدة، من المالكين أو المستأجرين، ما يمكن أن يزيد من التوترات في البلاد. خصوصاً، أن هناك فئة كبيرة معترضة على تشكيل اللجنة منذ البداية، وغير متقبلة لفكرة دراسة الموضوع من أصله.
مراسل “سيريا ريبورت” قال إن تجميد عمل اللجنة جاء الرغبة بعدم الاستعجال في اتخاذ أي قرار يثير استياءً في الشارع السوري، فالبت بقضية التمديد الحكمي والفروغ تحتمل التأجيل، لاسيما أن الموضوع ليس بجديد بل مضى عليه عقود طويلة. لذلك، تروّت اللجنة كي لا تظلم أي طرف على حساب طرف آخر، إن كان من المالكين أو المستأجرين. اللجنة كانت قد درست قوانين الإيجار المماثلة في الأردن ومصر، للخروج بمقترحات مناسبة في هذا الموضوع.
مصادر مطلعة على الملف أشارت إلى أن تجميد عمل اللجنة هو بداية لإنهاء عملها بطريقة غير مباشرة، وتأجيل دراسة الإيجارات القديمة الخاضعة للتمديد الحكمي. إذ أن هناك ما يقارب 100 ألف عقار يخضع للتمديد الحكمي في سوريا، نصفها في دمشق، وقسم كبير منها في حلب. المصادر اعتبرت أن تشكيل اللجنة بحد ذاته كان مستعجلاً، فالموضوع معقد ويحتاج إلى قوانين جديدة من الأفضل أن تقوم هيئة تشريعية منتخبة (البرلمان) بدراستها.
في الوقت ذاته، تستمر احتجاجات المستأجرين وفق نظام الفروغ، كما حدث عندما نظم بعض التجار المستأجرين لمحال في سوق الحميدية الدمشقي، مظاهرة مطالبين فيها بإلغاء مقترحات اللجنة، ورفعوا شعارات أكدوا فيها أنهم أصحاب حق، ولن يسلموا محلاتهم للمؤجرين.
