لجان إدارية بلا صلاحيات قانونية لرد الممتلكات المستولى عليها
رغم مضي أكثر من ستة أشهر على سقوط نظام الأسد، لم تصدر حتى الآن آلية قانونية موحدة تتولى عملية رد الممتلكات التي تم الاستيلاء عليها، وانتقلت ملكيتها إلى الغير. واقتصرت محاولات ردّ الممتلكات على تشكيل مجالس بعض المحافظات لجاناً إدارية تستقبل الشكاوى وتقدم مقترحات لحلها. إلا أن هذه المحاولات ما زالت مبعثرة، لا تنسيق فيما بينها، أو آلية عمل موحدة تنظّم أدائها، أو حتى اتفاق مبدئي على طبيعة العقارات المستهدفة بالمعالجة.
في حمص، أصدر المحافظ القرار رقم 1 بتاريخ 13 يناير 2025، القاضي بتشكيل لجنة لمعالجة قضايا الغصب البين على العقارات. ويُقصد بالغصب البين، الاستيلاء الظاهر والواضح على عقار دون سند قانوني، سواء أكان سند ملكية أو عقد إيجار أو أي وثيقة رسمية تثبت الحيازة المشروعة. ويستند تشكيل اللجنة إلى المادة 45 من قانون الإدارة المحلية رقم 107 لعام 2011، التي تنص على أنه في حال وقوع “غصب بيّن” على عقار، يحق للمحافظ أن يقرر إعادة الحال إلى ما كان عليه. ويظل مفعول القرار الإداري بإزالة الغصب قائماً إلى أن يُلغى أو يُعدّل من قبل المحافظ ذاته، أو إلى حين صدور حكم قضائي قطعي بشأن أصل الحق محل النزاع.
اللجنة التي شكلها محافظ حمص، مخوّلة باستلام طلبات المتضررين من الاستيلاء على ممتلكاتهم، شريطة أن تُرفق هذه الطلبات بوثائق تثبت الملكية، مثل سند تمليك، بيان قيد عقاري حديث، أو حكم تثبيت بيع مصدّق أصولاً. وعند التثبت من صحة الادعاء، يمكن للجنة اتخاذ قرار بإخلاء الشاغل غير القانوني للعقار وإعادة الوضع إلى ما كان عليه، دون الحاجة لانتظار مسار التقاضي القضائي الطويل.
لاحقاً، أصدر محافظ حلب القرار رقم 9 في 4 آذار 2025، لتشكيل لجنة كُلّفت بالنظر فيما وصفته بـ”حالات الاستيلاء غير المشروع” على العقارات خلال عهد نظام الأسد، واتخاذ الإجراءات الإدارية اللازمة لإعادة الحقوق إلى أصحابها. ويبدو من سياق القرار أن المقصود بالاستيلاء غير المشروع هو ذاته غصب العقار.
من وجهة نظر قانونية، لا تملك اللجنتان في حلب وحمص، صلاحية البحث في أصل الملكية. مثلاً، إذا كان لدى المستولي على العقار وثيقة ملكية به، كما لو كان قد تملك العقار بموجب قرار إحالة قطعية نتيجة شراء العقار بالمزاد العلني استناداً إلى حكم محكمة الإرهاب، لا يمكن للجنة إدارية أن تفعل شيئاً. في حالة كهذه، يتوجب الفصل بالموضوع، من قبل القضاء، للنظر في فسخ تسجيل العقار وإبطال نقل الملكية.
أمر مختلف حدث في محافظة حماة. إذ أصدرت الأمانة العامة للمحافظة التعميم رقم 917/1، في 19 أيار الماضي، أعلنت فيه بدء استقبالها الشكاوى والطلبات المتعلقة بحالات استيلاء على العقارات، حرصاً على “حماية حقوق المواطنين وصوناً للممتلكات الخاصة بالمحافظة” بحسب وصف التعميم. في التعميم، ورد تحديد لنوعين من عمليات الاستيلاء التي ستستقبل الشكاوى عنها الأمانة العامة للمحافظة:
النوع الأول؛ عمليات الاستيلاء على العقارات التي تمت “عُرفياً” في عهد نظام الأسد، سواءً التي تم تسجيلها باسم الدولة أو لم يتم ذلك. التعميم لم يقدم شرحاً إضافياً عن المقصود بكلمتين، “الاستيلاء” و”عرفي”، ما تركه غامضاً لجهة تعريفه، وكيفية حصوله، وأيضاً لجهة التمييز بين الحالات التي تم تسجيل العقار فيها باسم الدولة، والحالات التي لم يُسجل فيها. وغالباً ما تشير كلمة “استيلاء”، إلى غصب العقار، وهي عمليات غير قانونية يقوم بها أفراد. في حين أن كلمة “عرفي” لم تكن مستخدمة لوصف عمليات الاستيلاء على العقارات، ما يتركها فعلياً قابلة للتخمين، من دون تحديد واضح.
النوع الثاني، بحسب التعميم 917/1، يشمل العقارات المصادرة بموجب أحكام محكمة الإرهاب، أو غيرها من المحاكم المشابهة كمحكمة الميدان. وحدد التعميم هنا العقارات التي تم تسجيلها باسم الدولة، فقط. أي لا يشمل العقارات التي تمت مصادرتها، وبيعها في المزاد العلني إلى أشخاص آخرين استناداً إلى أحكام محكمة الإرهاب. هذه الحالة الأخيرة بقيت خارج نطاق هذا التعميم.
التعميم 917/1 قال إن استقبال الطلبات يتم في مبنى المحافظة خلال أوقات الدوام الرسمي، على أن يتم تقديم الطلبات أو الشكاوى من قبل مالك العقار أو وكيله أو أحد ورثته خلال ثلاثين يوماً من تاريخ صدور التعميم. ولم يشر التعميم إلى الحالات التي لن يتسنَ لأصحابها تقديم طلباتهم خلال المدة المذكورة، وما هي الطريقة التي يمكنهم اللجوء لها لتقديم شكاوى بخصوص عقاراتهم.
وقد أوجب التعميم على مقدم الطلب، إرفاق ثبوتيات داعمة لطلبه، كالبطاقة الشخصية، وسند إثبات الملكية على شكل بيان قيد عقاري بتاريخ حديث لم يمر على إصداره أكثر من ثلاثة أيام. بيان القيد العقاري يفترض أن يتضمن أسماء المالكين، والإشارات المدونة على الصحيفة العقارية للعقار. وفي حال كان مقدم الطلب أحد الورثة، فأوجب التعميم تقديم وثيقة حصر الإرث لإثبات تلك الصفة، مع كتاب تفويض من باقي الورثة أو الشركاء في العقار.
وعدا عن الخلط بين المفاهيم القانونية، واللغة المربكة، فالتعميم أوجب الحصول على بيان قيد عقاري بأسماء المالكين، لمعالجة قضايا عقارات مسجلة باسم الدولة. وهذا الموضوع غير منطقي، إلا إذا كان المقصود به حالات الغصب البين، التي بقي العقار فيها على اسم المالك الأصلي. كما لم يحدد التعميم طريقة النظر في الشكاوى والطلبات، التي يقدمها أصحاب الشأن. كما أنه لم يُشر إلى تشكيل لجنة لدراسة الطلبات المقدمة، أو تحديد من هي الجهة التي ستنظر في تلك الطلبات.
التعميم بإصراره على ضرورة ارفاق بيان عقاري بالشكوى، يعني ضمناً أن العقارات التي يمكن قبول التشكي بخصوصها هي عقارات مرخصة في مناطق منظمة لها صحف عقارية في السجلات العقارية. إذ لم ينص التعميم على إمكانية تقديم الطلب في حال كانت وثيقة الملكية هي حكم قضائي. وعدم النص على ذلك صراحة، يعني عدم إمكانية ذلك. غالباً، عندما يكون اثبات الملكية هو حكم قضائي، فهذا يشمل العقارات المخالفة في المناطق المنظمة، أو العقارات في مناطق السكن العشوائي، أي العقارات غير الملحوظة في السجلات العقارية.
من وجهة نظر قانونية، فإن الحالات التي يمكن التشكي حولها في قضايا نقل الملكية الخاصة إلى اسم الدولة، لا يمكن للجنة إدارية، أو الأمانة العامة لمحافظة، أن تبت بها. إذ أن لجنة إدارية، مهما كانت، هي غير مؤهلة للفصل في أصل الحق أو موضوعه. بل إن قضية مثل هذه تحتاج إلى هيئة قضائية، تعمل وفق منهجية قانونية واضحة وموحدة، على مستوى البلاد.
