لا سكن بديلاً للحلبيين المتضررين من زلزال شباط
رغم مرور ثمانية أشهر على كارثة زلزال 6 شباط 2023، ما زال المتضررون في مساكنهم يعانون لتأمين بدائل عنها، في ظل تأخر تنفيذ المشاريع الحكومية لإسكانهم. وتسبب الزلزال بانهيار 53 مبنى بشكل كلي في مدينة حلب، كما ظهرت التصدعات، وحدثت انهيارات جزئية في مئات الأبنية الأخرى. وعملت محافظة حلب خلال الشهور الماضية على هدم مئات الأبنية الآيلة للسقوط.
وهناك موقعان لمشاريع إسكان حكومية دائمة مخصصة لمتضرري زلزال 6 شباط في مدينة حلب أحدهما في حي الحيدرية، والثاني في ضاحية المعصرانية شرقي المدينة. وما زال العمل جارياً في المشروعين، ولا يبدو أنه سينتهي قريباً. كما تكفّلت ميليشيا الحشد الشعبي العراقي الموالية للحرس الثوري الإيراني، بتركيب قرابة 450 مسكناً مؤقتاً مسبق الصنع لمتضرري زلزال 6 شباط في جبرين بحلب. ويبدو أن الميليشيات المحلية الموالية لإيران في حلب قد حصرت توزيع تلك المساكن على عائلات عناصرها.
أم إبراهيم امرأة مسنة، تعيش في شقة ضمن بناء مؤلف من خمسة طوابق في حي السليمانية وسط مدينة حلب. خلال زلزال 6 شباط 2022، لم يتهدم البناء، لكنه تعرض لتصدعات. أم إبراهيم، وبقية الجيران تركوا البناء مباشرة، ولم يعودوا إليه خوفاً من انهياره بسبب الهزات الارتدادية.
بعد 15 يوماً، كشفت لجنة السلامة الانشائية على البناء الذي كانت تقيم فيه أم إبراهيم، ووجدت أنه خطير آيل للسقوط، مقررة هدمه. اللجنة سمحت لسكان البناء بإخراج محتويات شققهم، خلال 24 ساعة، قبل اغلاقه وهدمه. أم إبراهيم، لم تتمكن من إخراج معظم عفش شقتها، بسبب عمرها المتقدم، وعدم قدرتها المالية على توظيف أي ورشة لإخراج الأثاث. بلدية حلب لم تقدم أي مساعدة لأم إبراهيم، ولا لأي من المتضررين في حلب، لإخراج عفشهم من الأبنية المصنفة خطيرة آيلة للسقوط.
وبالفعل، قامت ورشات من بلدية حلب، بهدم المبنى بعد 24 ساعة. ولم تقدم البلدية لأم إبراهيم، ولا لأي من سكان البناء السابقين، أي نوع من السكن البديل، ولم تعرض عليها حتى مكاناً في مراكز الإيواء التي فتحتها للمتضررين. أم إبراهيم، العاجزة عن استئجار منزل، فضلت الانتقال إلى منزل أقربائها.
في بداية تشرين الأول، انتشرت أنباء في حلب بأن مجلس المدينة قد بدأ توزيع المتضررين على مساكن مؤقتة وأخرى بديلة. وعلى أثر تلك الأنباء، ذهبت أم إبراهيم الى مقر مجلس مدينة حلب للسؤال عما إذا كان الأمر يشملها. أم إبراهيم، لم تتلقى جواباً على سؤالها، واكتفى الموظفون بالقول: “لا نعرف شيئاً”.
من جانب آخر، سعيد، كان يسكن مع عائلته في حي بستان الباشا، قبل أن تسقط قذيفة في منزلهم في العام 2015 وتدمر جزءاً كبيراً منه، ما أجبرهم على تركه والنزوح إلى منزل آخر غير مكتمل وقيد الإكساء يملكه سعيد في الحي ذاته. العائلة ظلت في المنزل الجديد حتى زلزال 6 شباط 2023، حيث تصدّع البناء، واعتبرته لجنة السلامة الانشائية في كشفها الأول عليه، خطيراً وآيلاً للسقوط. ولعدم توفر أي بديل لدى سعيد وعائلته، اتفقوا مع بقية سكان البناء، على رشوة اللجنة، لتقديم تقرير يفيد بأن المبنى قابل للترميم. وبالفعل، دفع كل صاحب شقة في المبنى مبلغ مليون ليرة ونصف، لأحد مهندسي اللجنة، التي صدر تقريرها النهائي بأن المبنى غير خطير ويمكن ترميمه.
في المقابل، محمد، تاجر، وصاحب محلين في السوق القديم، يروي قصة مختلفة في التعاطي الرسمي مع كارثة الزلزال. يقول محمد، أن مشروع ترميم السوق كان قد بدأ قبل الزلزال، ومع ذلك لم تتغير خطة الترميم التي وضعتها وتنفذها الأمانة السورية للتنمية، وهي منظمة غير حكومية ترأسها أسماء الأخرس زوجة الرئيس السوري. الأمانة، لم تلحظ وجود أناس فقدوا مساكنهم في السوق القديم، ولم تولي سكنهم أي اهتمام، وواصلت العمل على ترميم المحال التجارية في السوق. ويفسر محمد ذلك، بالقول إن ترميم السوق له أولوية، لأنه يحقق مصالح التجار المقربين من النظام، بينما أملاك السكان العاديين لا أحد يكترث لها. يقول محمد، أن السلطة السورية لا تهتم إلا بالسوق، وبالمكانة التجارية والصناعية لمدينة حلب، لا لسكانها. إذ تعمل السلطات على تشجيع التجار والصناعيين للعودة.
ويضيف محمد أن صناعيي حلب وتجارها يتركزون في أحياء حلب الغربية، ويعزلون أنفسهم عن بقية السكان في أحياء المدينة الشرقية، ومناطقهم لم تتعرض لأي شكل من أشكال الدمار لا خلال الحرب ولا أثناء الزلزال. محمد يقول بأن السلطات السورية، تتوقع من أولئك التجار والصناعيين، أن يتكفلوا بتأمين السكن البديل للمتضررين من الزلزال. ويضيف بأن كثيراً منهم لم يوافقوا على تلك الخطط، لأنهم يخشون أن تذهب تبرعاتهم لجيوب المسؤولين، ولن ينتج عنها بناء أي مشروع جدّي لإسكان المتضررين.
سلمى امرأة أربعينية، تعمل في القطاع العام، وتعيش مع زوجها وأولادها الأربعة في حي بستان الباشا. وقد انهار مسكنهم في زلزال 6 شباط، بعد هروبهم مباشرة منه. سلمى تقول أنها كانت محظوظة، لأن هناك من لقى حتفه من الجيران. تقول سلمى أنهم بعد أيام من البقاء في الشارع، توجهوا إلى أحد مراكز الإيواء في حلب، ولكنهم لم يتحملوا البقاء فيه أكثر من ليلة واحدة بسبب اكتظاظه وسوء الخدمات فيه وغياب النظافة. العائلة نزحت الى مدينة حمص، كما غيرها من المتضررين في حلب، وسكنت في بيت غير منجز بلا إكساء “على العظم” على أطراف المدينة. المنزل الجديد في منطقة عشوائية لا شوارع معبدة فيها، وشبكة الصرف الصحي غير مكتملة.
تقول سلمى أن السكن في منزل على العظم كان أهون عليهم من البقاء في مركز الإيواء.
تقول سلمى، أنهم في البداية تلقوا الكثير من المساعدة من الأهالي المتعاطفين في حمص، من أغطية وفرشات وأموال وطعام. لكن، بعد ذلك بدأت تلك المساعدات الأهلية بالتراجع حتى توقفت تماماً. العائلة كانت قد سجلت نفسها في لوائح المتضررين، لكنها لم تحصل على معونات من الجهات الرسمية إلا في الشهور الأولى بعد الزلزال.
العائلة ما زالت تقطن حالياً في البيت على العظم في حمص، برفقة العديد من العائلات الحلبية النازحة. ولا يوجد أي أنباء لدى العائلة عن إمكانية حصولها على أي سكن مستقبلي، أو أي تعويض مالي. تقول سلمى إنها لا تعرف كيف ستمضي العائلة هذا الشتاء في منزل لا شبابيك أو أبواب له.
