كيف تحولت الأراضي التي استصلحها الفلاحون في السويداء منذ عقود إلى أملاك دولة؟
تُعَدُّ مشكلة تسجيل الأراضي الزراعية في قرى سالة والحقف والسالمية ونمرة ورشيدة بمحافظة السويداء من القضايا الإشكالية الكبيرة التي ما زالت تلقي بظلالها على حقوق السكن الارض والملكية. إذ يطالب المزارعون بحقوقهم التاريخية في هذه الأراضي التي امتلكوها وزرعوها لعقود طويلة قبل عمليات التحديد والتحرير لها. هذه القضية ليست مجرد نزاع إداري، بل تمتد تأثيراتها إلى النواحي الاقتصادية والاجتماعية وحتى البيئية.
السبب الرئيسي لتحول هذه الأراضي إلى أملاك دولة يكمن في آلية عمل فرق التحديد والتحرير، في نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات، والتي كانت تشوبها الكثير من الأخطاء الفردية والجهل بالقوانين ومهل الاعتراض، وضعف التواصل مع المجتمعات المحليّة. يضاف إلى ذلك، عدم وجود وثائق تثبت ملكية تلك الأراضي لأصحابها، بشكل رسمي، ومعظمهم كانوا قد ورثوها عبر الأجيال، أو استثمروها واستصلحوها وعملوا بها. لذا، في حالات كثيرة اعتبرت لجان التحديد والتحرير، تلك الأراضي غير مستعملة، وسجلتها باسم الدولة. وفي بعض الحالات، تأثرت هذه العملية بغياب الفلاحين عن حضور جلسات التحديد، أو بعدم إدراكهم لأهمية تقديم اعتراضات في الوقت المحدد.
مثلاً، في قرية نمرة، سُجلت 4 آلاف دونم كأملاك دولة خلال التحديد والتحرير في التسعينات، بحجة عدم امتلاك الفلاحين وثائق رسمية، رغم تأكيد اللجان الفنية زراعتها بالأشجار المثمرة. أما في الحقف والسالمية، فتم تسجيل 6 آلاف دونم في الفترة ذاتها، رغم أن المزارعين توارثوها منذ الخمسينات، بسبب غياب الوثائق الرسمية. وفي قرية رشيدة، تم تسجيل 10 آلاف دونم كأملاك دولة خلال التحديد والتحرير عام 1988، رغم تقديم الفلاحين ما في حوزتهم من عقوداً عرفية سائدة في ذلك الوقت، حيث اعتُبرت الأراضي غير مستعملة رغم أنها كانت مزروعة.
نظام التحديد والتحرير، الصادر بالقرار رقم 186 لعام 1926، يخص مسح المناطق التي لم توثّق بعد في السجل العقاري. وينتج عن العملية برمتها، افتتاح صحف عقارية للعقارات في المنطقة المعنية، وتخصيص أرقام لها، وتسجيلها بأسماء المالكين لها، في المصالح العقارية.
ويقوم رئيس فرقة المساحة التابعة لدائرة المساحة في مديرية المصالح العقارية، بأعمال التحديد والتحرير، بمرافقة مختار المنطقة، و أصحاب الحقوق، وبحضور ممثل مديرية أملاك الدولة. ويتم تحديد الأراضي المستعملة بأسماء المتصرفين بها، كأراضي أميرية. بينما الأراضي البائرة، غير المزروعة، والقابلة للاستعمال، تُسجّلُ كأملاك الدولة، ونوعها الشرعي أميري. في حين أن الأراضي البائرة غير القابلة للاستعمال، تسجل أملاك دولة، نوعها الشرعي “متروكة مرفقة”. وأخيراً، الأراضي الحراجية، تسجل أملاك دولة، نوعها الشرعي أميري.
نظام التحديد والتحرير يتيح إمكانية محدودة للاعتراض على نتائجه، قبل أن يصدر القاضي العقاري قراره باختتام العملية، وبعدها تنتقل إمكانية الاعتراض إلى القضاء المدني خلال مهلة 15 عاماً. وبالإضافة إلى قوانين التحديد والتحرير، استند تسجيل تلك الأراضي كأملاك دولة، إلى قانون أملاك الدولة لعام 1959. وأيضاً، المادة 775 من القانون المدني التي تنصّ على أن حق التصرف في الأراضي الأميرية يسقط بعدم حراثة الأرض، أو بعدم استعمالها مدة خمس سنوات، ويعني ذلك استردادها لتعود من أملاك الدولة.
تحوُّل هذه الأراضي إلى أملاك دولة أثّر بشكل كبير على أصحابها الفلاحين، إذ لم يعد بإمكانهم بيعها أو توريثها. كما فرضت عليهم وزارة الزراعة أن يستأجروها لاستثمارها، ما شكّل عبئاً اقتصادياً إضافياً على كاهلهم. ومن دون وثائق ملكية رسمية، فقد الفلاحون حقهم في الحصول على تعويضات زراعية، أو دعم حكومي، أو قروض زراعية، أو حتى وثيقة التنظيم الزراعي، ما جعل وضعهم أكثر هشاشة من الناحية الاقتصادية. كما أدى غياب الاعتراف القانوني بملكيتهم للأراضي إلى عرقلة تنفيذ مشاريع البنية التحتية، حيث امتنعت الجهات المعنية عن شق طرق زراعية تخدم هذه المناطق.
بحسب مصادر سيريا ريبورت، فإن مديرية المصالح العقارية في السويداء، ترى أن دورها في هذه القضية إداري بحت، فهي تنفذ القوانين السارية ولا تملك صلاحية إعادة النظر في هذه الملفات دون وجود تشريع جديد يسمح بذلك. أما وزارة الزراعة، فتؤكد أن الحل الوحيد المتاح للفلاحين هو استئجار هذه الأراضي من أملاك الدولة، كما هو الحال في بعض المناطق الأخرى التي سُمح فيها للفلاحين بالاستثمار مقابل دفع بدل سنوي.
لم تقتصر تداعيات هذه القضية على الجانب القانوني والاقتصادي، بل امتدت لتشمل التأثيرات الاجتماعية والبيئية أيضاً. فقد تسببت هذه الأزمة في إضعاف النسيج الاجتماعي في القرى المتضررة، حيث يشعر الفلاحون بالإحباط من فقدانهم لحقوقهم التاريخية. ومن جهة أخرى، فإن القيود المفروضة على استثمار الأراضي أدت إلى تراجع الإنتاج الزراعي في بعض المناطق، مما ساهم في انتشار التصحر بشكل متزايد، خاصة مع تناقص معدلات الأمطار.
من بين الحلول الممكنة لهذه المشكلة، يمكن النظر في تجارب سابقة، حيث جرت محاولات لنقل ملكية بعض الأراضي من أملاك الدولة إلى الوحدات الإدارية، ما أتاح إعادة بيعها للمزارعين وفق شروط محددة. كما أن بعض الفلاحين تمكنوا من استئجار الأراضي التي فقدوا ملكيتها، ما سمح لهم بالاستمرار في زراعتها رغم القيود القانونية المفروضة عليهم. لكن الحل الأكثر استدامة لهذه الأزمة يكمن في إصدار قانون خاص يعيد توزيع هذه الأراضي على الفلاحين الذين استصلحوها منذ عقود. حتى ذلك الحين، يظل الفلاحون في السويداء عالقين في معركة طويلة لإثبات حقهم في أراضٍ يعتبرونها جزءاً من إرثهم وهويتهم.
