قوات النظام تؤجر المسامك الشاغرة في سهل الغاب من دون مزادات علنية
منذ أربع سنوات، تواصل محافظة حماة، عرض أراضي الغائبين الزراعية، للاستثمار عبر المزادات العلنية، بطريقة رسمية وروتينية، بغرض تحقيق عائدات مالية لخزينة المحافظة. وأغلب أولئك الغائبين هم من المُهجّرين قسرياً إلى مناطق سيطرة المعارضة شمال غربي سوريا. على العكس من ذلك، الأراضي التي تضم أحواض تربية السمك “المسامك” المنتشرة شرقي سهل الغاب، لا يتم عرضها في المزادات العلنية للاستثمار. إذ يُفضّلُ من يستولي حالياً عليها من ضباط الأجهزة الأمنية والعسكرية منح تلك المسامك، بشكل مباشر لمستثمرين، مقابل منافع شخصية لا تدخل خزينة المحافظة. معظم أولئك الضباط من شعبة الأمن العسكرية ومليشيا الدفاع الوطني المسيطرتين على المنطقة.
وقد أوضح مقال نشرته صحيفة البعث الرسمية، في 29 حزيران 2024، أن بعض مربي الأسماك انتقلوا من حيّ كازو شمال غربي مدينة حماة، إلى سهل الغاب، بغرض استثمار المسامك الشاغرة. وحي كازو من أحياء المدينة البعيدة نسبياً، قليلة العمران، فيه أراضي زراعية واسعة كان بعضها يستخدم كمسامك يشتغل فيها كثير من سكانه. إلا أن نقص الماء الجوفية، وهي مصدر الماء لتلك المسامك، تسبب بتدهور أعمال مسامكهم. مراسل سيريا ريبورت في المنطقة، أشار إلى أن توجه مربي الأسماك لاستثمار المسامك الشاغرة في سهل الغاب، يعود لأسباب منها؛ وفرة ماء الينابيع والتي تسمى “المياه السرح” ما يقلل الحاجة إلى المضخات ويخفض تكاليف الإنتاج، وكذلك توفر أحواض المسامك الشاغرة التي هُجّر أصحابها منها، والتي تحتاج إلى صيانة بسيطة لتعود إلى العمل.
المقال أشار إلى أن انتقال مربي الأسماك من حي كازو إلى مسامك سهل الغاب الشاغرة، جاء فقط بعد موافقة ما وصفه بـ”الجهات المعنية”. وغالباً ما يطلق وصف الجهات المعنية على الأجهزة الأمنية، وفي حالات قليلة على بعض المؤسسات الرسمية. وفي حالة المسامك، يُفترضُ أن الهيئة العامة للثروة السمكية التابعة لوزارة الزراعة والإصلاح الزراعي هي الجهة الرسمية التي تدير المسامك وتتابع عملها وتضبط المخالفات فيها.
يتركز انتشار المسامك شرقي سهل الغاب، خاصة في الشريط الممتد ما بين مدينة قلعة المضيق حتى بلدتي الحويز والحمرا. قبل العام 2011، كان في سهل الغاب مسامك تمتد على مساحة 110 هكتارات تابعة للهيئة العامة للثروة السمكية، كانت انتاجها السنوي يبلغ حوالي 600 طن من مختلف أنواع الأسماك. بالإضافة إلى ذلك، كان هنالك في سهل الغاب 518 مسمكة خاصة قبل العام 2011، منها مسامك لأهالي قلعة المضيق تمتد على نحو 200 هكتار في ريف المدينة وصولاً إلى الحويز والحمرا. وحالياً هناك فقط 25 هكتاراً من تلك المسامك يستثمرها أصحابها، بينما هُجِرَت بقية المسامك ونزح أصحابها إلى مناطق المعارضة، واستولى عليها ضباط قوات النظام والأجهزة الأمنية.
ويشير المراسل إلى أن هذه المنطقة تصنف حالياً على أنها منطقة استقرار أولى، لأنها قريبة من خطوط التماس، وبالتالي فالكلمة الأولى والأخيرة فيها للجيش والأجهزة الأمنية. ضمن هذه المنطقة مئات المسامك التي استولت عليها قوات النظام في العام 2020.
حسن، أحد المُهجّرين قسرياً إلى مخيمات شمال إدلب، يملك وعائلته مسامك مؤلفة من 10 أحواض ممتدة على نحو 15 هكتاراً في قلعة المضيق، مساحة الحوض الواحد تتراوح بين 5-10 دونمات. يقول حسن لمراسل سيريا ريبورت، أن ضابطاً من الأمن العسكري، سبق ووضع يده على المسامك خاصتهم، قد منحها مطلع العام 2024 لمستثمرين من منطقة كازو، مقابل 4 ملايين ليرة للحوض الواحد، مهما كانت مساحته.
العديد من مربي الأسماك السابقين في قلعة المضيق، مثل حسن، أكدوا للمراسل أن منح تلك المسامك لا يتم عبر أي مزادات علنية، ولا ضمن أي أنشطة معلنة من محافظة حماة، ولا تحت أي قرار خاضع لأحكام القانون رقم 51 لعام 2004 الخاص بنظام عقود الجهات العامة والذي اعتمدته محافظة حماة منذ العام 2021، كمستند قانوني لتشريع المزادات العلنية لاستثمار أراضي الغائبين. وذلك، على عكس الحال في استثمار أراضي الغائبين الشاغرة المزروعة بالفستق الحلبي او الزيتون او السليخ، التي تنظم بشكل علني من قبل الأمانة العامة لمحافظة حماة.
الملفت أن قوات النظام لا توفر أي حماية لمستثمري المسامك، رغم أن المنطقة قريبة جداً من خطوط التماس مع المعارضة. كما لا تقدم لهم قوات النظام أي ميزات. أحد أصحاب المسامك المُهجّرين، قال للمراسل إن أي شخص يمكنه استثمار المسامك، من دون أي اثبات أو موافقة أمنية، ولكن فقط بالاتفاق مع الضباط المستولين عليها. عدا ذلك، قد يواجه مربي السمك، مصير محمد، الذي صادر الأمن العسكري كامل إنتاجه من سمك الكارب، والبالغ 10 أطنان، والتي كان يربيها في مسامك تعود ملكيتها لأقربائه المقيمين خارج مناطق سيطرة قوات النظام.
ويصل سعر كيلو الكارب في أسواق مدينة حماة إلى ما يقارب 80 ألف ليرة، بينما سعر كيلو سمك المشط يتراوح بين 75 و95 ألف ليرة سورية، بحسب حجم السمكة.
