قرار أمني بتوقيف المعاملات العقارية لعائلات مرتبطة بنظام الأسد
في مراسلة داخلية في 22 نوفمبر 2025 ضمن محافظة اللاذقية، وجّه فرع المعلومات كتابه رقم 1040، إلى فرع الأمن الداخلي، يطلب منها إعادة توجيهه إلى مديرية المصالح العقارية ومديرية المالية في المحافظة، لمنع وإيقاف أية معاملة يقوم بها أفراد عائلات: الأسد، مرعي، شاليش، جقموق، جابر، كنعان، مخلوف، ديب، معروف وخير بك، التي وصفها بـ”التابعة للنظام البائد”. الكتاب 1040 طالب أيضاً مديريتي المصالح العقارية والمالية، بضرورة إحالة طلبات التصرف بالملكية العقارية لأي شخص من أفراد تلك العائلات إلى فرع المعلومات، لإجراء الدراسة الشخصية اللازمة. وبدورها، قيادة الأمن الداخلي، أرسلت كتابها رقم 973 في 24 نوفمبر، إلى مديرية المالية، مرفقاً بكتاب فرع المعلومات 1040، لتنفيذه أصولاً.
المشكلة في الكتاب 1040، أنه لم يوضح الأساس القانوني الذي استند له، كما لم يصدر من الحكومة الانتقالية أي مرسوم أو قرار يسمح لأي جهة أمنية باتخاذ إجراءات مماثلة. كما أن الكتاب يفرض إجراءً يقع بين منع التصرف بالعقارات، وبين الحجز الاحتياطي عليها، وبين اشتراط الحصول على موافقة أمنية مسبقة، من دون النص على أي من تلك الإجراءات صراحة. يلقي هذا المقال نظرة على مسار تلك الإجراءات بعد سقوط نظام الأسد، في معرض نقاش موقع الكتاب رقم 1040 منها.
الموافقة الأمنية ووثيقة “لا مانع”
يبدو كتاب فرع المعلومات رقم 1040 إشكالياً، ويستكمل المسار المتبع منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، حيث خضعت عمليات نقل الملكية العقارية إلى تقلبات إجرائية متعددة. إذ في البداية أوقفت عمليات نقل الملكية بكافة أشكالها سواء من خلال البيع المباشر في السجل العقاري (الفراغة) أو البيع القضائي بموجب دعوى تثبيت بيع، أو بموجب وكالة كاتب بالعدل. وذلك لمنع أنصار النظام السابق من التصرف بممتلكاتهم، بحسب التصريحات الرسمية. ولاحقاً تم السماح بإجراء المعاملات العقارية وأزيلت بعض الإجراءات التقييدية التي فرضتها الإدارة الانتقالية، لكن تم الإبقاء على شرط الحصول على الموافقة الأمنية، قبل أن يتم إلغاءها في تموز 2025 بموجب تعميم وزارة المالية رقم 135 الذي استبدلها بـ”وثيقة لا مانع من إتمام المعاملة العقارية” كشرط للحصول على براءة الذمة المالية اللازمة لإجراء الفراغة العقارية في السجل العقاري.
اشتراط الحصول على “وثيقة لا مانع” فُرِضَ للتأكد من عدم وجود إشارات حجز أو منع تصرف على العقار، وأن مالك العقار ليس من ضمن أنصار نظام الأسد الممنوعين من التصرف بممتلكاتهم، بحسب التبريرات الرسمية. “وثيقة لا مانع” باتت مطلوبة عند إجراء معاملة الفراغة وللحصول على براءة الذمة المالية. ولكن، هذا المسار مختلف عما تضمنه كتاب فرع المعلومات رقم 1040، بتحديد مسبق لعائلات يمنع أفرادها من إجراء أية معاملة قبل القيام بدراسة شخصية (أمنية) لهم.
الحجز الاحتياطي
لم يطلب الكتاب 1040 وضع إشارات حجز احتياطي على صحف العقارات التي يملكها أفراد تلك العائلات، ولم يستند إلى سلطات الضابطة العدلية. بينما كانت الأجهزة الأمنية في عهد نظام الأسد، تتمتع بصلاحية الطلب من وزارة المالية ومديرية المصالح العقارية، وضع إشارات الحجز الاحتياطي، بموجب قانون سلطات الضابطة العدلية الصادر بالمرسوم 63 لعام 2012. المرسوم رقم 16 الصادر في 11 أيار 2025، تضمن إلغاء قرارات الحجز الاحتياطي، الصادرة بناءً على تعليمات الأجهزة الأمنية إلى وزارة المالية بين العامين 2012-2024، وفقاً لأحكام القانون رقم 63 لعام 2012، من دون إلغاء القانون 63 بحد ذاته.
منع التصرف
كتاب فرع المعلومات رقم 1040 يبدو لوهلة مماثلاً لفرض إجراءات منع التصرف، التي تُقيّدُ صاحب العقار من القيام بأي إجراء؛ إن كان بيعاً، رهناً، هبة أو تنازلاً عن عقاره، إلا بعد الحصول على موافقة أمنية مسبقة. ولكن المعضلة هنا، أن فرض إجراء منع التصرف، يجب أن يستند إلى قوانين سابقة تتيح فرضه. مثلاً القانون رقم 39 لعام 1986 يمنع الأفراد المخصصين بمساكن في مشاريع السكن الاجتماعي، من التصرف بها، قبل مضي 15 عاماً على التخصيص، وبعد الانتهاء من سداد الأقساط المستوجبة. كذلك، قانون الحراج 39 لعام 2023، وتعليماته التنفيذية، أوجب وضع إشارة منع التصرف على العقارات الحراجية الخاصة المحروقة بحيث لا يمكن ترقين تلك الإشارة إلا بموافقة وزارة الزراعة.
الخلاصة
يعكس كتاب 1040 انزياحاً عن المنطق القانوني المعمول به حتى في ظل نظام الأسد، إذ ينتقل من استهداف الأفراد إلى استهداف العائلات كوحدة واحدة. هذا التحول يعني منطق العقوبة الجماعية التي تقوم على النسب والانتماء العائلي، لا على الفعل القانوني الفردي. ورغم أن الإدارة الانتقالية حاولت إحلال وثيقة لا مانع محل الموافقات الأمنية التقليدية، إلا أن كتاب 1040 يعيد إنتاج تلك الموافقات بصيغة أوسع وأشد، عبر وضع قوائم عائلية مسبقة ينبغي إخضاعها للدراسة الشخصية “الأمنية”.
ولكن، لا يوجد أي أساس قانوني يسمح بمعاقبة عائلات أو حرمانها من حقوق الملكية بسبب أفعال بعض أفرادها، ما يجعل الكتاب خطوة خارج الإجراءات المرتبطة بالعدالة الانتقالية. والأخطر أنه يفتح الباب لتكرار النموذج مع فئات أخرى وتوسيع نطاق العقاب إلى مستويات قد تضرب أسس المساواة أمام القانون وتعيد الأجهزة الأمنية إلى مركز إدارة الحياة المدنية. لذلك لا بد من معالجة هذه الحالة تشريعياً وقضائياً، وضمان أن أي تقييد لحق الملكية يصدر حصراً عن جهة قضائية وبناءً على مسؤولية فردية مثبتة، وليس على أساس الانتماء العائلي، أو الطائفي، المناطقي، أو التوجه السياسي.
