قرارات العدل والمالية تكشف مساراً انتقائياً لرد بعض الملكيات المصادرة
في مشهد يعكس الطابع الجزئي والانتقائي الذي تتبعه الإدارة الانتقالية في معالجة إرث الانتهاكات العقارية لنظام الأسد، صدرت خلال شهري أيار وحزيران 2025 سلسلة من القرارات الوزارية، ومرسوم رئاسيي، المتصلة بإلغاء بعض مفاعيل الأحكام القضائية التي سبق وأصدرتها محاكم خاصة وتضمنت مصادرة الأملاك. ورغم أن هذه الخطوات تستند في ظاهرها إلى الإعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية، فإنها اتسمت بمحدودية النطاق، وافتقرت إلى إطار تشريعي عام، فتم الاكتفاء بقرارات تخص أسماء محددة دون غيرهم، مما يكرّس غياب المساواة أمام القانون.
هذا المقال يتتبع بالتسلسل تلك القرارات، ويقارب مضمونها القانوني والإجرائي، انطلاقاً من قرار وزارة العدل رقم 682/ل، مروراً بقرار وزارة المالية رقم 100/تا، وصولاً إلى المرسوم الرئاسي رقم 121 وما تبعه من قرارات تنفيذية لاحقة.
قرار وزارة العدل 682/ل
في 12 أيار 2025 أصدرت وزارة العدل السورية قرارها رقم 682/ل، الذي نصّ على إلغاء مفاعيل الأحكام التي جرى بموجبها مصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة لبعض المحكوم عليهم، من قبل المحاكم الاستثنائية. وأورد القرار لائحة بأسماء هؤلاء المحكومين، لكنه لم يحدد سبب اختيار هؤلاء دوناً عن غيرهم. رغم أن القرار رقم 682 لم يُنشر رسمياً، فإن المعلومات المسرّبة، ولا سيما التفاصيل التي أوضحها لاحقاً قرار وزارة المالية رقم 100، تسلّط الضوء على مضمونه ونطاقه.
القرار 682/ل، احتوى على بعض الثغرات والتجاوزات القانونية. اذ خصّ القرار مفاعيل الأحكام الصادرة عن المحاكم الاستثنائية، وهي محاكم لا تلتزم بالأصول القانونية في محاكماتها كمحكمة الإرهاب. لكنه، في اللائحة التي أوردها، أدرج أسم بعض المحكومين أمام محكمة الجنايات مثل عائلة العنزروتي. ومحكمة الجنايات ليست استثنائية، وإنما محكمة عادية تتبع الأصول الإجرائية المنصوص عنها في قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري رقم 112 لعام 1950.
كما أن عملية إلغاء مفاعيل الأحكام الصادرة عن المحاكم الاستثنائية، لا تكون بإصدار قرارات وزارية لمعالجة حالات أشخاص محددين، من دون تبرير خصوصيتهم. إذ أن هناك آلاف المحكومين أمام محكمة الإرهاب، لم يشملهم القرار رقم 682/ل. وبذلك، يشكل القرار إخلالاً بمبدأ المساواة أمام القانون، بترك حالات مماثلة دون حلول، ما قد يضطر المحكومين إلى اللجوء للمحسوبيات لإصدار قرارات خاصة بهم. كما لا يجوز أن تصدر بقرار، بل بقانون عن السلطة التشريعية بعد انتخابها، وذلك بموجب الإعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية. إذ أن القانون هو الآلية الأساسية لتطبيق المبادئ الدستورية، التزاماً بمبدأ التدرج التشريعي، من الدستور إلى القوانين ثم القرارات واللوائح، وذلك بهدف عدم حدوث تناقض بين القوانين والقرارات وتحقيق الاستقرار القانوني.
يُظهر المثال الأبرز على هذا الانتقائية ما تعرضت له عائلة العنزروتي التي حُشرت في قائمة المحاكم الاستثنائية رغم أنّ حكمها صادر عن محكمة الجنايات.
عائلة العنزروتي
خصّ قرار وزارة العدل رقم 682/ل، في مادته رقم 84، كلاً من محمود، بسام، باسم، أحمد، ووسيم العنزروتي، وألغى عنهم “مفاعيل الأحكام الصادرة عن المحاكم الاستثنائية”. هؤلاء هم أولاد محمد رسلان العنزروتي، من والدتين مختلفتين. وقد بدأت قصة الحجز الاحتياطي على أموال عائلة العنزروتي، المالكة لشركة كتاكيت، منذ العام 2013 حين تم تجميد أصول محمود العنزروتي بتهم “دعم الإرهاب ومحاولة زعزعة الاستقرار وإثارة الفتنة”.
وهنا يمكن لفت الانتباه إلى أن قرارات الوزارات لا تتضمن عادة هذا العدد الكبير من المواد، على عكس القوانين، ولكن قرار وزارة المالية في معرض نقده لقرار وزارة العدل استخدم مصطلح “المادة 84”.
وقد جرت عملية إلقاء الحجز الاحتياطي على أملاك محمود العنزروتي، المنقولة وغير المنقولة، إلى جانب 3 أشخاص بموجب “ثبوت تورطهم في الأعمال الإرهابية التي استهدفت القطر” بحسب قرار وزارة المالية رقم 1508/و المنشور ضمن العدد 29، الجزء 2، تموز 2017 من الجريدة الرسمية. في كانون الثاني 2019 أعيد إلقاء الحجز الاحتياطي ليشمل جميع أفراد العائلة، بمن فيهم بسام، باسم، أحمد ووسيم، بالإضافة إلى زوجاتهم وأبنائهم، كما طال شركاتهم داخل سوريا وخارجها، بما فيها “كتاكيت” و”إخوان العنزروتي”.
وغالباً ما استخدمت في عهد نظام الأسد، تهم الإرهاب أو الذرائع الإدارية، لتصفية الحسابات أو السيطرة على الشركات المربحة، دون إمكانية حقيقية للدفاع القانوني بسبب فساد الجهاز القضائي وخضوعه التام للسلطة. وهذا يفسر وجود أحكام متعددة بالحجز الاحتياطي، ثم الغائها، بموجب تفاهمات واتفاقيات أو رشاوى.
ولسد هذا الخلل أقدمت وزارة المالية على خطوة تالية، عارضت فيها وزارة العدل، وأوضحت فيها حدود صلاحياتها التنفيذية.
قرار وزارة المالية رقم 100/تا
وفي محاولة لتدارك الخطأ الذي وقعت فيه وزارة العدل في قرارها رقم 682/ل، بتسمية عائلة العنزروتي ضحية للمحاكم الاستثنائية، أصدرت وزارة المالية قرارها رقم 100/تا، في 29 حزيران 2025، الذي أشار إلى أن الفقرة 84 من قرار وزارة العدل رقم 682/ل، التي تشمل إلغاء أحكام مصادرة الممتلكات عن أسماء كل من محمود، بسام، باسم، أحمد، ووسيم العنزروتي، هي لأحكام صادرة عن محكمة الجنايات الأولى، برقم الدعوى 25505 لعام 2022، والتي تمّت بموجبها مصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة، بما في ذلك شركاتهم وأبرزها شركة كتاكيت لتنمية الصناعات الغذائية، وعدد من العقارات والأملاك المسجّلة باسم العائلة.
قرار وزارة المالية رقم 100/تا أشار أيضاً إلى أن وزارة المالية، هي من كانت تتولى إدارة واستثمار الأموال المصادرة بموجب قانون التصرف في الأموال المنقولة وغير المنقولة المُصادرة بموجب حكم قضائي مبرم رقم 26 لعام 2023، لذلك هي التي تضمن الالتزام بتنفيذ مضمون قرار وزارة العدل رقم 682/ل بإلغاء مفاعيل أحكام مصادرة الممتلكات للأشخاص المحددين باللائحة الاسمية. القانون 26\2023 يختص بإدارة واستثمار ونقل، ملكية الأموال المنقولة وغير المنقولة للمحكوم عليهم، التي تمت مصادرتها بحكم قضائي مبرم صادر عن أي محكمة كانت، مختصة بالجنايات أو الإرهاب، بموجب مختلف القوانين السابقة عليه.
وكان الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار 2025 قد نصّ صراحة على إلغاء مفاعيل الأحكام الصادرة عن محكمة الإرهاب، بما في ذلك رد الممتلكات المصادرة بموجب تلك الأحكام، وهو ما يمكن اعتباره الأساس الدستوري الذي تستند إليه القوانين والقرارات لوضع آليات تنفيذية لرد الحقوق المصادرة.
مع ذلك ظل الإطار القانوني العام غائباً إلى أن صدر المرسوم 121 الذي حاول نقل المعالجة من حالات فردية إلى لجنة قضائية مركزية.
المرسوم 121
في 23 حزيران 2025، أصدر رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع المرسوم رقم 121، بناء على أحكام الإعلان الدستوري، كلّف فيه وزارة العدل بإعادة تشكيل لجنة قضائية سابقة مختصة بالنظر في اعتراضات المتضررين من مفاعيل الأوامر والقرارات العرفية بالاستيلاء على الأموال المنقولة وغير المنقولة في ظل نفاذ حالة الطوارئ خلال عهد نظام الأسد.
وهذه اللجنة سبق وتشكلت بموجب المرسوم التشريعي رقم 56 لعام 2011 للنظر في اعتراضات المتضررين من مفاعيل الأوامر والقرارات العرفية التي قضت بالاستيلاء على الممتلكات خلال فترة الطوارئ المعلنة بموجب المرسوم التشريعي رقم 51 لعام 1962. وقد رُفعت حالة الطوارئ في سوريا بموجب المرسوم التشريعي رقم 161 لعام 2011، الصادر في 21 نيسان 2011.
في مطلع تموز 2025، أصدرت وزارة العدل بياناً توضح فيه خلفية إصدار المرسوم رقم 121 لعام 2025، مشيرة إلى أن نظام الأسد استغل حالة الطوارئ لإصدار أوامر وقرارات عرفية أدت إلى الاستيلاء على عقارات المواطنين “لصالح قوى النفوذ وعائلات رجال السلطة”، وأن محاولات النظام بعد ثورة العام 2011، لتشكيل لجان للنظر في الاعتراضات “كانت شكلية ولم تعمل باستقلالية”. وبناء على شكاوى المتضررين الذين لم يتمكنوا سابقاً من تقديم اعتراضاتهم، صدر المرسوم لتكليف وزارة العدل بإعادة تشكيل اللجنة القضائية المختصة، مع منحها صلاحية إعادة النظر في القرارات السابقة عند تقديم أداة جديدة “استجابة لشكاوى المتضررين، وتصحيحاً لحرمانهم من آليات اعتراض فعالة”. وأضاف البيان أن هذا الإجراء يأتي ضمن خطة الوزارة لإزالة المفاعيل الجائرة لأوامر النظام البائد، وضمن خطوات إصلاحية تشمل “إصلاح المؤسسة القضائية، مساءلة القضاة المتورطين، رفع القيود عن استقلالية النيابة العامة، وإلغاء آثار قرارات المحاكم الاستثنائية”.
ولضمان نفاذ المرسوم بسرعة أعادت وزارة العدل تشكيل اللجنة محددة أسماء أعضائها وصلاحياتهم.
قرار وزارة العدل 975/ل
وعليه أصدرت وزارة العدل القرار رقم 975/ل، في 30 حزيران 2025، الذي نصّ على إعادة تشكيل هذه اللجنة القضائية، على النحو التالي: نائب رئيس محكمة النقض رئيساً للجنة، وعضوية مستشارين من محكمة النقض ومجلس الدولة السوري. وبالتالي أضحى بإمكان جميع الأشخاص المتضررين، الذين تم الاستيلاء على ممتلكاتهم، تقديم طلبات إلى اللجنة المذكورة لاستعادة ممتلكاتهم المصادرة، دون حصرها بحالات خاصة كما فعل قرار وزارة العدل القرار 682/ل.
على المستوى التنفيذي انعكس هذا المسار في قرارات مالية لاحقة لرفع الحجوزات الاحتياطية عن مجموعة رجال أعمال.
قرار وزارة المالية رقم 963
في 2 تموز 2025، أصدرت وزارة المالية قرارين متطابقين استندا إلى مجموعة من القوانين، أبرزها المرسوم رقم 16 لعام 2025 المتضمن إلغاء قرارات الحجز الاحتياطي، الصادرة بناءً على تعليمات الأجهزة الأمنية إلى وزارة المالية بين العامين 2012-2024، وفقاً لأحكام قانون سلطات الضابطة العدلية رقم 63 لعام 2012. القرار الأول حمل الرقم 963 برفع الحجز الاحتياطي الصادر بالقرار رقم 5588/و في 24 أيلول 2012، على الأموال المنقولة وغير المنقولة العائدة لـ14 شخصاً، بينهم أربعة أشقاء من أبناء محمد رسلان الخياط، ومنهم محمد معتز. ومعتز الخياط، هو رجل أعمال سوري الأصل وقطري الجنسية، يرأس مجلس إدارة شركة Power International Holding (PIH) ومجموعة UCC Holding. في 29 أيار 2025، وقّع معتز الخياط، بصفته رئيساً لمجموعة UCC، مذكرة تفاهم مع الحكومة السورية بقيمة 7 مليارات دولار لتنفيذ مشروع طاقي ضخم يتضمن إنشاء أربع محطات غازية ومحطة طاقة شمسية بقدرة إنتاجية تصل إلى 5000 ميغاواط.
القرار الثاني، صدر في اليوم ذاته، وبنفس الترويسة، ولكن من دون رقم. وشمل القرار شخصاً واحداً هو خالد المحاميد، الذي تعرضت أملاكه للحجز الاحتياطي بموجب قرار وزارة المالية رقم 5588/و في 24 أيلول 2012. والمحاميد هو رجل أعمال سوري–إماراتي، من مواليد عام 1964 وينحدر من درعا البلد، وقد شغل منصب نائب رئيس هيئة التفاوض لقوى الثورة والمعارضة السورية، ولعب دوراً مهماً في المصالحات في العام 2018 وكان مقرباً من الجانب الروسي.
نحو إطار شامل للعدالة في قضايا السكن والأرض والملكية
توضح قرارات العدل والمالية والمرسوم 121، أن الإدارة الانتقالية تتلمّس طريقها بين تصحيح انتهاكات نظام الأسد لحقوق الملكية، وبين الحفاظ على شبكات النفوذ الراسخة، فتنجز خطوات مهمّة مثل الاعتراف الدستوري بوجوب رد الممتلكات وإعادة تشكيل اللجان القضائية، لكنها تحصر المنافع في مجموعات محددة تاركة آلاف المتضررين خارج إطار الحل. النتيجة هي مسار انتقائي يكرّس اللجوء إلى العلاقات الشخصية ويقوّض مبدأ المساواة.
لذا، فإن إصدار قانون شامل، عن سلطة تشريعية منتخبة بشكل ديموقراطي حر، هو الحل أمام استعادة الثقة بالمنظومة القضائية الحالية. ويفترض أن يُصاغ هذا القانون المنتظر ضمن مسار تشاركي حقيقي يَشمل المتضررين ومنظمات المجتمع المدني، تأكيداً على البعد الحقوقي واستعادة الثقة العامة.
ما لم تُستبدَل هذه المعالجات الجزئية بإصلاح تشريعي متكامل يضبط صلاحيات اللجان ويضع معايير موضوعية وشفافة لرد الحقوق المصادرة، ستبقى الملكية العقارية في سوريا رهينة تفاهمات ظرفية ومحسوبيات، وسيظل الخوف من الاستيلاء أو الحجز سيفاً مصلتاً على رؤوس المستثمرين والسكان على حد سواء، بما يقوّض فرص التعافي الاقتصادي والاجتماعي التي تتطلّب قواعد قانونية مستقرة وعادلة.
