قذائف وألغام من مخلفات الحرب تحوّل دون عودة المهجرين إلى مناطق التماس السابقة
مع سقوط النظام وانهيار جبهات القتال، بدأت تتكشف مخاطر مخلفات الحرب من ألغام مزروعة أو قذائف تركتها قوات النظام أو المعارضة، في مناطق التماس العسكري سابقاً في أرياف إدلب وحماة واللاذقية وحلب. مخلفات الحرب تلك بدأت تشكل عائقاً حقيقيا يحول دون عودة كثير من المهجرين عن تلك المناطق، إلى منازلهم وأراضيهم.
وبحسب إحصائية نشرها فريق استجابة سوريا، في معرفاته في وسائل التواصل الاجتماعي، فقد قُتل 109 أشخاص منذ 8 ديسمبر 2024 وحتى 10 يناير 2025، نتيجة انفجار الألغام والذخائر العنقودية، في 108 مواقع في عموم الأراضي السورية. من آخر تلك الحوادث مقتل 3 مدنيين في 7 يناير الجاري، بانفجار مخلفات حرب في منطقة الطلحية وآفس شرقي إدلب.
وتتكرر هذه الحوادث بشكل شبه يومي خاصة ضمن الأراضي المزروعة بالألغام المتنوعة، بحسب ما قاله المسؤول في الدفاع المدني السوري “الخوذ البيضاء” حسن الحسان، لسيريا ريبورت. ما بين 8 ديسمبر 2024 وحتى 3 يناير 2025، تمكن الدفاع المدني من تحديد 117 حقلاً ونقطة تنتشر فيها ألغام في محافظات حلب، إدلب، حماة، اللاذقية وديرالزور، بحسب الحسان، وقد وضع الدفاع المدني، علامات تحذيرية وأشرطة حولها، وقطع الطرق إلى بعضها.
في نهاية ديسمبر 2024 قُتل أنور الشايب، 40 عام، بانفجار لغم مضاد للأفراد كان مزروعاً في أرضه في قرية جدار معرة موخص، قرب مدينة كفرنبل جنوبي إدلب. الشايب مدني، عاد إلى أرضه المزروعة بالزيتون، بعد غياب عنها لسنوات لأنها كانت تقع ضمن خطوط التماس التي تسيطر عليها قوات النظام. أبو صبحي، قال لمراسل سيريا ريبورت، إنه منذ مقتل شقيقه أنور، لم يعد يرغب بالعودة إلى بلدته المدمرة وأرضه الخطرة، مُفضلاً البقاء في مخيمات مدينة حارم. يقول أبو صبحي، أن الألغام في كل مكان في أرضه، والدخول إلى المنطقة يعني “انتحاراً”. ويضيف أن فرقاً من الدفاع المدني، مسحت المنطقة، ووضعت إشارات تحذيرية فيها، ولكن قوات النظام تتحمل كامل المسؤولية لأنها حولتها إلى حقول مزروعة بالألغام، بطرق يصعب كشفها وملاحظتها.
ويشير مراسل سيريا ريبورت في إدلب، إلى أن بعض الخبراء وأصحاب المعرفة بالأسلحة، يعملون على تفكيك الألغام والتخلص منها، بجهود فردية، أو بمساعدة فصائل المعارضة ولكن بصورة غير منظمة. أغلب أولئك الخبراء سبق وخضعوا لتدريبات على الأسلحة والألغام خلال خدمتهم العسكرية الإلزامية في الجيش السوري قبل ثورة العام 2011، أو ممن اكتسبوا خبرة في هذا المجال في صفوف فصائل المعارضة. المراسل أشار إلى استخدام أولئك الخبراء كاسحة ألغام، سبق وتركتها قوات النظام خلفها، في تفجير ألغام ضمن الأراضي الزراعية في محيط مدينة سراقب.
وبحسب المراسل، فإن الألغام المضادة للدروع واضحة بالعين المجردة ومنتشرة ضمن أراضي زراعية حددها الدفاع المدني ووضع إشارات تحذيرية منها في ريف إدلب الجنوبي. وأضاف بناء على مشاهداته، بأن الطريق بين مدينة كفرنبل وبلدة البارة، مليئة بالألغام، بوصفها منطقة تماس سابقاً، وقوات المعارضة والنظام مسؤولة عن زرع الألغام فيها.
وتقسم مخلفات الحرب إلى ثلاثة أنواع رئيسية؛ الذخائر غير المنفجرة، والألغام، وما يسمى بالأسلحة المرتجلة وهي تضم شريحة واسعة من العبوات الناسفة والمفخخات والذخائر في المستودعات. وتتعامل فرق الدفاع المدني، بحسب ما قاله الحسان، بشكل رئيسي مع الذخائر غير المنفجرة، ولديهم المعدات المناسبة والعناصر المدربة للتعامل معها. بينما الألغام فهي تشكل تحدياً أكثر صعوبة، ولا يتم التعامل إلا مع أنواع معينة منها، وفي حالات خاصة جداً، لأنها تحتاج إلى أدوات وتجهيزات خاصة وتدريب مخصص للكوادر. النوع الثالث من مخلفات الحرب أقل انتشاراً، ولكنها صعبة الكشف وبحاجة إلى معالجة خاصة.
يمكن تقسيم مناطق التلوث بمخلفات الحرب، بحسب كثافتها، إلى ثلاثة مناطق أساسية؛ الأولى شديدة التلوث، وتشمل جميع خطوط التماس وهي الأخطر، وتمتد من جرابلس شمال شرق سوريا وحتى جبال اللاذقية غرباً. والثانية متوسطة التلوث، وتشمل المناطق المدمرة التي كانت تحت سيطرة قوات النظام، مثل مدينة خان شيخون، وريف حماة الشمالي، وكذلك بعض أحياء مدينة حمص وديرالزور. المستوى الثالث، الأقل تلوثاً، يشمل مناطق أخرى لم تشهد عمليات عسكرية كثيفة، لكن تنتشر فيها ذخائر أو مستودعات عسكرية.
الدفاع المدني أتلف آلاف الذخائر غير المنفجرة، خلال السنوات الماضية، ومن ضمنها أكثر من 23 ألف ذخيرة عنقودية. ورغم ذلك، ليس لدى الدفاع المدني خرائط لحقول الألغام، وحتى إن وجدت، فالمهمة معقدة جداً، بحسب الحسان، وهناك ألغام يصعب التعامل معها كالألغام الشركية، والألغام الفردية السلكية، والألغام المضادة للدروع.
وسوريا تحتاج الى مسح شامل وإزالة مخلفات الحرب، ولا بد لذلك من برنامج وطني شامل لمعالجة هذه القضية شديدة الخطورة والإلحاح، والتي تشكل خطراً جدياً على حياة الناس، وأيضاً على حقوقهم في السكن الأرض والملكية.
