في ذكراه الثالثة عشر: حكايا المتضررين من المرسوم 66
في أيلول 2012 أصدر الرئيس السابق بشار الأسد، المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012 القاضي بإحداث منطقتين تنظيميتين في نطاق محافظة دمشق ضمن المصور العام لمدينة دمشق؛ الأولى المعروفة باسم ماروتا سيتي بمساحة 214 هكتار وتضم أجزاءً من المنطقتين العقاريتين مزة – كفرسوسة، والثانية المعروفة باسم باسيليا سيتي بمساحة 900 هكتار وتضم أجزاءً من المناطق العقارية المزة، كفرسوسة، قنوات بساتين، داريا والقدم.
وبحسب المرسوم 66 لعام 2012 تتشكل سبع لجان رئيسية تضطلع بالمهام الأساسية في عملية التنظيم العمراني للمنطقتين. دور هذه اللجان يتمحور حول إدارة مختلف مراحل العملية التنظيمية، من حصر العقارات وتقدير قيمتها، إلى حل النزاعات وتوزيع الحصص، وصولاً إلى الإشراف العام. وأيضاً بحسب المرسوم 66/2012، يستحق من كان يملك مسكناً مرخصاً أسهماً تنظيمية في المنطقة بعد تنظيمها. في حين أن أصحاب الأراضي الزراعية المبني عليها بشكل غير مرخص فيحصلون على سكن بديل، وأصحاب الأراضي الزراعية غير المبني عليها يحصلون على تعويض مالي، بينما أصحاب المساكن غير المرخصة فيحصلون على بدل إيجار مؤقت وأفضلية للتسجيل في السكن البديل.
بالنسبة إلى أصحاب الحقوق في المنطقتين التنظيميتين، التنظيم لم يكن عمرانياً للعشوائيات، بل تغييراً جذرياً لحياتهم، حيث يعاني الآلاف من هدم منازلهم، وتهجيرهم منها، وما تبع ذلك من تقليص حقوقهم والمظالم الكثيرة التي عاشوها.
بحسب أرقام حصلت عليها سيريا ريبورت من رابطة “إسقاط المرسوم 66 الظالم” التي تشكلت بعد سقوط نظام الأسد، فقد استحوذت محافظة دمشق، المسؤولة عن تنفيذ المشروعين عبر مديرية تنفيذ المرسوم 66 وشركة دمشق الشام القابضة، على أكثر من 83 بالمئة من مساحة كل منطقة تنظيمية، لتنفيذ البنى التحتية والمقاسم الاستثمارية التي استملكتها المحافظة، بحيث لم يبقَّ لأصحاب الحقوق الأصليين سوى أقل من 17 بالمئة من المساحة الأصلية لكل منطقة تنظيمية. الرابطة قالت بأن المحافظة هدمت أكثر من 12,000 وحدة سكنية وهُجِّرت نحو 30,000 من سكانها في منطقة تنظيم ماروتا. بينما هدمت أكثر من 20,000 وحدة سكنية وهجّرت نحو 100,000 من سكانها في منطقة تنظيم باسيليا.
بعد سقوط نظام الأسد نهاية العام 2024، تجددت آمال الأهالي في استرجاع ممتلكاتهم. لكن محافظة دمشق الجديدة التفّت على وعودها بتعويض أصحاب الحقوق “ولو على حساب حصتها الاستثمارية” بحسب ما قاله رضوان الغفير مؤسس رابطة “إسقاط المرسوم 66 الظالم” لسيريا ريبورت. ويؤكد الغفير أن مطالب الأهالي واضحة، ألا وهي: إلغاء المرسوم 66، ومحاسبة المسؤولين عن تنفيذه، وتأمين سكن بديل مجاني وفوري لكل عائلة هُدم بيتها وهُجِّرت، وإعادة رسم المخططات التنظيمية وفق قانون جديد عادل يعيد الحقوق إلى أصحابها ويراعي الحقوق المكتسبة لمن اشترى واستثمر بحسن نية.
قصتان عن النزوح القسري والخسارة
أيمن فتوح، ابن بساتين الرازي، كان قد ورث أرضاً مساحتها نصف دونم عن جده، وبنى عليها بيتاً مساحته 150 متراً مربعاً، قبل تنظيم المنطقة. لكن ذلك البيت لم يكن مجرد بناء غير مرخص على أرض مصنفة زراعية يُمنع البناء عليها. يقول أيمن: “استغرق بناء ذلك البيت 15 عاماً، وجنى عمري”. أيمن اشترى محلاً تجارياً مجاوراً من طابقين، بمساحة 47 متراً مربعاً، خصصه لبيع الحواسيب والموبايلات.
في العام 2012، حين صدر المرسوم 66، لم يدرك أهالي المنطقة خطورته، بحسب أيمن، ولم يتوقعوا البدء بتنفيذه في ظل عدم الاستقرار الأمني واستمرار العمليات الحربية في محيط دمشق. لكن، سرعان ما بدأت المحافظة بتنفيذه عبر أسلوب التضييق التدريجي على السكان لدفعهم لإخلاء المنطقة، حتى قبل توزيع إنذارات الاخلاء. إذ قطعت مؤسسة المياه والصرف الصحي الماء عن المنطقة، ما اضطر الأهالي للاعتماد على الآبار. يقول أيمن: “بقينا هكذا طوال هذه الأشهر بلا مياه نظامية، ومع ذلك ظل الناس متمسكين ببيوتهم”. لاحقاً، فككت شركة الكهرباء المحولات الرئيسية التي تغذي المنطقة، “كانت رسالة واضحة أن الحياة هنا صارت مستحيلة”، بحسب أيمن. وفقط في أكتوبر 2016 وزعت المحافظة إنذارات الإخلاء لسكان بساتين الرازي، بعد سلسلة من أعمال الهدم في بساتين المزة وكفرسوسة. يتذكر أيمن فتوح تلك اللحظة قائلاً: “كان وقع الإنذار كالصاعقة، فالجميع يعلم أن معناه الخروج الحتمي من البيت”.
المحافظة حددت موعداً لهدم منزل أيمن، في آذار 2017، لكنه تلقى اتصالاً من جيرانه يخبرونه فيه أن البيت هُدم فوق رؤوس أبنائه الثلاثة، ما تسبب بإصابات متعددة جرى نقلهم على إثرها إلى مستشفى المواساة. ابن أيمن الأكبر، وكان عمره حينها 12 عاماً، أصيب بكسر في الجمجمة مع إصابة دماغية خطيرة، وابنه الأوسط تعرض لكسر متبدّل في الساق. يوضح أيمن: “منفذو عملية الهدم هربوا على الفور، سواء سائق الجرافة أو المهندس المسؤول، وتركوا الأولاد تحت الأنقاض. أهل الحارة هم من أنقذوهم”. في المشفى، وبينما كان ابنه الأكبر يخضع للعلاج، جاءه اتصال آخر يعلمه أن الجرافات دخلت الحارة وهدمت المحلات، ومن بينها محله الذي انهار سقفه فوق البضاعة، فتحولت أجهزة الكمبيوتر إلى غبار. يصف أيمن تلك اللحظة: “هكذا فقدت كل شيء”.
أمام خطورة إصابة ابنه الأكبر، اضطر أيمن إلى بيع عشرة ملايين سهم، بسعر ليرة وربع للسهم، من أصل أربعة وعشرين مليون سهم يملكها. أيمن، لم يجد وقتاً ولا مجالاً للتفاوض، إذ باع تلك الأسهم عند باب المستشفى العام ليتمكن من نقل ابنه إلى مشفى خاص. هناك أجرى الطفل عملية جراحية استغرقت تسع ساعات، لكنه خرج منها مشلولاً ويحتاج إلى علاج فيزيائي طويل الأمد. يقول أيمن: “بدأنا رحلة علاج تجاوزت ألفاً وخمسمئة جلسة علاج فيزيائي، ومع كل جلسة كنت أشعر أنني أدفع ثمن البيت مرة أخرى”.
أيمن قرر اللجوء إلى القضاء، ورفع دعوى على المهندس المسؤول عن الهدم، وعلى محافظة دمشق، وعلى مؤسسة الإسكان التي أشرفت على المشروع. لكنه ما لبث أن تلقى تهديدات مباشرة من متنفذين في النظام السابق والاعتقال والملاحقة الأمنية إن واصل مسعاه القانوني. عندها أدرك أن طريق العدالة مغلق تماماً أمامه، وأن الثمن سيكون حياته ومستقبل أطفاله. فاضطر لبيع ما تبقى من حصته السهمية وإنفاقها لمتابعة علاج أبنائه.
اليوم تعيش عائلة أيمن فتوح في ألمانيا، بعدما حصلت على حق اللجوء الإنساني، بفضل التقارير الطبية لحالة أبناءه، وضبط الشرطة، وصور الإصابات. لكنه رغم نجاته الجسدية من دائرة الخطر، لا يزال يحمل ندوباً نفسية عميقة تمنعه حتى الآن من العودة إلى المنطقة أو رؤية عقاراته المهدمة.
وفي حين ما زال أيمن يتقاضى بدل إيجار سنوي قيمته 490 ألف ليرة، ويصفه بأنه “مبلغ رمزي لا يساوي شيئاً اليوم”، فهذا المبلغ كان كافياً في العام 2016 لاستئجار بيت في المزة القديمة حيث اختار محمد خليل قادري أن ينزح. إذ أجبر محمد على إخلاء منزله في شارع المصطفى في بساتين الرازي في أيلول 2015، ضمن أول حارة في المنطقة تطالها عمليات الهدم. يروي: يقول محمد: “بتنا ننتقل بين بيوت أبعد وأسوأ حالاً وأغلى إيجاراً. منذ لحظة الإخلاء صار كل شيء يتدهور: البيت، العائلة، المجتمع، وحتى أحلامنا”.
يصف محمد ما جرى بأنه سلسلة متكررة من الخطوات: “إنذار، إخلاء، هدم”. لكن الفواصل الزمنية بين مراحل تنفيذ المشروع راحت تطول شيئاً فشيئاً، حتى صار الناس يعيشون سنوات في حالة ترقّب وقلق دائم. في كل مرحلة رافقتهم مشكلة مختلفة، بدايةً كانوا يحصلون على بدل الإيجار سنوياً، ثم أصبح يتأخر، وتقل قيمته الفعلية مع تراجع سعر صرف الليرة، إلى أن فقد قيمته أمام موجات التضخم. يضيف: “البيت الذي بنيته لأسرتي بين البساتين لم يعد موجوداً، وجدنا أنفسنا في بيوت أصغر وأقل جودة. صارت المشاكل العائلية أكبر، وفقدنا قسراً العائلة والأقارب والجيران والمجتمع كله”.
مع غلاء الإيجارات وتكاليف المعيشة، بدأ الأهالي ببيع أسهمهم بأسعار زهيدة بليرة وليرة ونصف للسهم الواحد. يقول محمد: “أنا شخصياً خسرت أموالي بهذه الطريقة. صرت أبيع الأسهم لتغطية الإيجار أو المعيشة”. ويضيف: “عندما سكنّا المنطقة عام 2002 كانت الأحلام أكثر من وردية. كنا نفكر بتوسيع بيتنا الذي كان محاطاً بالبساتين الزراعية، لكن ما حصل بعد 2015 قلب كل شيء. بدل أن نخطو إلى الأمام عدنا إلى الوراء وخسرنا كل شيء”.
