فصائل محلية موالية للإدارة الانتقالية تستولى على أراضٍ زراعية في ريف اللاذقية الشرقي
منذ الحملة العسكرية التي نفذتها قوات وزارتي الدفاع والداخلية في آذار 2025، يشهد ريف اللاذقية الشرقي سلسلة من الانتهاكات ذات الطابع الطائفي، تراوحت بين القتل، سلب الممتلكات، والاستيلاء على الأراضي الزراعية. وقد تركزت هذه الانتهاكات في قرى العلويين، ونُفّذت من قبل فصائل مسلحة موالية للإدارة الانتقالية، عاد أفرادها إلى المنطقة بعد سقوط النظام.
يستند بعض المستولين إلى روايات ملكية قديمة تعود إلى ما قبل صدور قانون الإصلاح الزراعي عام 1958، في حين أن الواقع القانوني الراهن يؤكد أن تلك الأراضي تحوّلت منذ عقود إلى ملكيات مسجلة باسم المنتفعين. ويؤكد أصحاب هذه المطالبات أن أراضيهم صودرت بشكل غير عادل في الخمسينيات والستينيات، في حين يرى المنتفعون الحاليون أنهم اكتسبوا حقوقاً بحكم تسجيل الأرض بأسمائهم واستثمارهم الطويل فيها.
وفي ظل ضعف الثقة الحالي بمؤسسات الدولة، والخوف من الانتقام، يعجز كثير من المتضررين عن استرداد حقوقهم أو تقديم شكاوى. وقد تواصلت “سيريا ريبورت” مع وزارة الزراعة في الإدارة الانتقالية للاستفسار عن وضع هذه الأراضي والنزاع القائم حولها، لكنها لم تتلق أي رد.
في ريف اللاذقية الشرقي هناك تنوّع واختلاط طائفي، بين قرى سنية وأخرى علوية، وهناك قرى مختلطة. المناطق السنية انتفضت ضد نظام الأسد وتعرضت لقمع شديد، وصل ذروته في حزيران 2012، مع اقتحام قوات النظام مدينة الحفة ذات الغالبية السنيّة ما قاد إلى نزوح غالبية سكان المدينة ومحيطها من القرى ذات التركيبة السكانية المماثلة. بعد سقوط نظام الأسد، عاد نازحوا ناحية الحفة، وبينهم مقاتلون وقياديون في صفوف المعارضة المسلحة، وبينهم إسلاميون متطرفون. وأجّج ذلك موجة عنف طائفي في آذار 2025، شملت انتهاكات جماعية بحق العلويين، من قتل وخطف وسلب واستيلاء على الممتلكات، والأراضي الزراعية.
ورغم صعوبة الحصول على أرقام دقيقة، لكن الشهادات المتقاطعة التي جمعتها سيريا ريبورت، تشير إلى أن قادة تلك الفصائل السنيّة استولوا على مئات الهكتارات، خاصة في ناحية الحفة، وطردوا أصحابها بالقوة وتحت تهديد السلاح.
في قرية المختارية العلوية في ناحية الحفة، التي شهدت إحدى أكبر الانتهاكات خلال الحملة العسكرية في شهر آذار، يروي أحد السكان لمراسل سيريا ريبورت، أنه فقد مصدر رزقه الوحيد، بالإضافة إلى خسارته لأبنائه الخمسة. ويشير إلى تلقيه رسائل تهديد من المستولين على أرضه، يؤكدون فيها أنهم “استعادوا ما كان حقاً لهم، ولن يتراجعوا عن ذلك”. في قرية جبريون المجاورة، فيتحدث شاهد آخر عن استيلاء أحد قادة الفصائل، المنحدر من منطقة الحفة، على أرضه الزراعية ومنزله الذي بناه فيها. يقول: “نحن لم نستولِ على أي ملك ليس لنا. ورثت هذه الأرض عن أبي، والذي بدوره ورثها عن جدي. ليس هناك أي مرجعية قانونية لما قاموا به. هم فقط هددونا بالسلاح، وأخرجونا من أرضنا ومورد رزقنا الوحيد.” يضيف الشاهد أن الأهالي لا يحصلون على أي دعم من مؤسسات الدولة، ولا يجرؤون على تقديم شكوى خوفاً من عمليات انتقام، قد تعيدهم إلى ما واجهوه في آذار الفائت.
ويبرر قادة الفصائل استيلائهم على الأراضي، بحسب ما يتسرب من أحاديثهم لأصحاب الأراضي المستولى عليها، بأن ملكية تلك الأراضي تعود تاريخياً لعائلاتهم، قبل صدور قانون الإصلاح الزراعي لعام 1958. لكن هذه الأراضي كانت قد سُجّلت لاحقاً باسم المنتفعين منها، بعد مرور عشرين عاماً على انتفاعهم، وتحولت إلى ملكيات قانونية مسجلة في المصالح العقارية.
قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 الصادر في عام 1958 خلال عهد الوحدة السورية المصرية، كان أول قانون يقيّد الملكية الزراعية بسقوف محددة. ووفقاً للقانون، تستولي الدولة على كل ما يزيد عن الحد الأقصى المحدد من الملكية الخاصة للأرضي الزراعية، مقابل تعويض. الدولة تصبح مالكةً لتلك الزيادات المستولى عليها، وتقوم بتوزيع حق الانتفاع بها على صغار الفلاحين. وينبغي أن يدفع الفلاح المنتفع من الأرض الموزعة عليه، ثمنها، على مدار أربعين عاماً. وبالتالي الدولة هي المالكة لحق رقبة الأرض، في أراضي الإصلاح الزراعي، بينما يكون للفلاح حق الانتفاع فقط. ولا يجوز للفلاح الذي وُزّعت الأرض عليه، أن يتصرّف بها، قبل دفع ثمنها كاملاً. وسمح القانون للمستفيدين من عملية التوزيع الزراعي بتسجيل الأراضي بأسمائهم في السجلات العقارية، بعد حصولهم على موافقة مؤسسة الإصلاح الزراعي، شرط مرور عشرين عاماً على الانتفاع.
الخوف من الانتقام ولا جدوى المسارات القانونية يدفع كثير من المتضررين للصمت. كثيرون ممن فقدوا أراضيهم، أو طُردوا منها تحت التهديد، لا يثقون بحيادية أو عدالة مؤسسات الدولة الحالية، ويخشون من أن تقديم شكوى قد يعرّضهم لعمليات انتقامية، تعيدهم إلى أجواء العنف التي عاشوها خلال الحملة العسكرية في آذار. ومن المهم الإشارة إلى أن لجنة التحقيق الرسمية في أحداث الساحل السوري لم تأتِ في تقريرها النهائي، بحسب المؤتمر الصحفي الذي أعلنت فيه نتائجها، على ذكر عمليات الاستيلاء على المنازل والأراضي الزراعية، ولم توصِ بتقديم تعويضات عادلة للمتضررين والنازحين.
يقول أسعد، من قرية براشبو، لسيريا ريبورت، انه تمكن من الوصول لما وصفه بضابط ذي رتبة عالية من الفصيل المسلح الذي استولى على أرضه، وقدم له الأوراق الرسمية التي تؤكد ملكيته. أسعد أكد أن الضابط ردّ عليه بالقول: “هذه الأمور يقررها الشيخ”، من دون أي معلومات إضافية. يقول أسعد، أن “الشيخ” بات السلطة الفعلية في المنطقة، وهو يتدخل في كل شيء من الحق في الأرض، إلى منح أوراق رسمية بوفاة القتلى في المجازر الأخيرة.
كما يتداول الشهود ممن تحدثت إليهم سيريا ريبورت، بالإضافة إلى “الشيخ” وسلطته الواسعة، الحديث عن “لجنة غنائم الحرب” تابعة لهيئة تحرير الشام هي من تدير عملية توزيع الأراضي المستولى عليها، بين قادة الفصائل المسلحة المسيطرة على المنطقة.
بدل اللجوء إلى مسار قانوني لحل مشكلة الأراضي المتنازع اليوم عليها، تستند الفصائل المسلحة إلى القوة، وتوظيف رموز دينية وعسكرية موازية للدولة، مثل “الشيخ” و”لجنة غنائم الحرب”. وبينما يواجه المتضررون الجدد عجزاً قانونياً وخوفاً اجتماعياً، تغيب أي مؤشرات على نية رسمية لمعالجة الانتهاكات، أو حتى الاعتراف بها.
