فتح باب الشكاوى في حماة: تصحيح متأخر لمسار مزادات أراضي الغائبين
في 23 حزيران 2025 أصدرت الأمانة العامة لمحافظة حماة تعميماً بفتح باب الشكاوى لتقديم الطلبات المتعلقة بإنهاء استثمار الأراضي الشاغرة للغائبين من النازحين والمهجرين قسرياً، التي جرت بين عامَي 2021 و2024. إذ درجت الأمانة العامة للمحافظة خلال تلك الفترة على طرح تلك الأراضي للاستثمار عبر المزادات العلنية.
وتقبل حالياً الأمانة الشكاوى، من دون تحديد مهلة زمنية، عبر الديوان العام، حيث يتم تسجل الشكاوى وإحالتها إلى “لجنة ملف الاستثمار الزراعي” في الدائرة القانونية، للتدقيق الشكلي والقانوني، والبحث عن عقود الاستثمار، بحسب ما قاله المكتب الإعلامي لمحافظة حماة لمراسل سيريا ريبورت.
ويُشترط أن يتقدم بالشكوى مالك العقار أو وكيله الرسمي بموجب إحالة من المحكمة، مع تفويضٍ قانوني إذا كان اسم مقدم الطلب غير مذكور في عقد الاستثمار. ويقتصر عمل اللجنة على دراسة الشكاوى والبحث عن عقود الاستثمار المطلوبة. وبالتالي، فاللجنة ليست جهة قضائية تفصل في النزاع وتقرر التعويض.
ولا يطلب من مقدم الشكوى رفع دعوى قضائية، ولكن يبقى لأصحاب الأراضي حق مقاضاة المستثمرين الذين وقعوا العقود مع الجهة الرسمية آنذاك، للمطالبة بالتعويض عن المحاصيل والأضرار. ويستند ذلك إلى بطلان عقود الاستثمار، نتيجة صدورها من جهة افتقرت إلى سند قانوني يبيح التصرف بالأملاك، عملا بقاعدة “ما بني على باطل فهو باطل”، بحسب ما قاله المكتب لمراسل سيريا ريبورت.
أما الأراضي المستثمرة خارج المزادات، فتخرج عن اختصاص اللجنة، ويبقى طريقها عبر القضاء المختص لإثبات الحقوق بالوسائل القانونية.
كيف جرت المزادات؟
منذ العام 2020 تدرج نظام الأسد باتباع سياسة منظمة لاستثمار أراضي الغائبين والمهجرين قسراً من خلال مزادات علنية. بدأت العملية عبر لجان مكانية وفنية للإحصاء والجرد بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية. هذه اللجان حددت الأراضي التي تعود ملكيتها لأشخاص خارج مناطق سيطرتها، خصوصاً أراضي الفستق الحلبي والزيتون ذات القيمة العالية، وطلبت من أصحاب الأراضي المقيمين في مناطق سيطرة نظام الأسد إثبات ملكيتهم بإبراز سندات ملكية لاستثناء أراضيهم من المزادات.
تم الإعلان عن المزادات عبر الأمانة العامة لمحافظة حماة، وأيضاً في إدلب، وحلب. المزادات قسمت إلى قسمين من حيث طبيعة الأراضي؛ أراض مشجرة والأراضي السليخ. آلية الاستثمار اعتمدت على تقديم طلبات الاستثمار لدى النافذة الواحدة في المحافظة، مع تقديم إضبارة فنية، براءة ذمة مالية، وموافقة أمنية. وحدد سعر المزايدة حسب نوع الأرض، ويلزم المستثمر بدفع تأمين أولي لكل هكتار، ثم تأمين نهائي يعادل 10 في المئة من قيمة العرض النهائي الفائز، وفرضت عقوبات وصلت إلى حد الحجز الاحتياطي على من يتخلف عن دفع التأمينات.
في عام 2022، أصدر مجلس الوزراء القرار رقم 12011، مستنداً لكتاب وزارة الزراعة رقم 291. القرار نظم استثمار الأراضي الزراعية الشاغرة، وحدد آليات الإعلان والطلبات، مع الاستناد لقانون الأحوال الشخصية رقم 59 لعام 1953 لتحديد الورثة، حتى لو لم يكن المالك الأصلي متوفى.
ومن حيث الأشخاص، اتيح استثمار الأراضي عبر أقارب الغائبين: الدرجة الأولى مباشرة (والد، والدة، زوجة، أبناء) بشرط تقديم وثائق قرابة وموافقة أمنية، أما الدرجات الثانية والثالثة فتخضع للاتفاق فيما بينهم مع خصم 10 في المئة من قيمة العرض النهائي. هذا أدى لنزاعات بين العائلات، خاصة في الأراضي المشتركة، وساهمت في توسيع الشرخ الاجتماعي على مستوى المنطقة وكذلك ضمن البلدة الواحدة.
لاحقا، تم إسناد جميع المزادات العلنية للقانون 51 لعام 2004، ما أتاح توفير استفادة مالية لخزينة الدولة، إذ أعلن محافظ حماة مطلع 2024 أن عائدات موسم واحد بلغت 32 مليار ليرة سورية، تم تسديد 22 مليار منها لخزينة الدولة.
لماذا يعد مسار الشكاوى الحالي مهما؟
بحسب ما قاله المكتب الإعلامي لمحافظة حماة لمراسل سيريا ريبورت، فإن توثيق العقود والأدلة عبر سجلات الديوان العام ولجنة ملف الاستثمار، وتسليم مقدّمي الشكاوى نسخ العقود الأصلية أو بياناتها، يمنحهم مدخلاً قانونياً لأي تقاضٍ لاحق. كما أن حصر نطاق اختصاص اللجنة بعقود المزادات الرسمية داخل المحافظة يوفر وضوحاً إجرائياً، بينما حالات الاستثمار خارج المزادات تُحال للقضاء المختص مباشرة.
إعلان محافظة حماة اتاح تنظيم الصفة القانونية، حينما اشتراط الإحالة القضائية من المحامي العام بحماة، والتوكيل الرسمي أو التفويض القانوني عند اختلاف الأسماء عن مستند العقد الأساسي، ما يضمن ضبط الصفة وتمييز صاحب المصلحة الحقيقية.
بالإضافة إلى أن تثبيت بطلان الأساس القانوني للعقود القديمة يمهد لمطالبات التعويض عن المحاصيل والأضرار تجاه المستثمرين المتعاقدين آنذاك، ريثما تحسم المسؤولية النهائية قضائياً.
تمثل هذه الإجراءات بداية مسارٍ إداري لإعادة الملفات إلى إطارها القانوني، لكنها تبقى غير كافية ما لم تستكمل بمسارين متوازيين:
المسار القضائي: لإقرار بطلان العقود غير المشروعة، تحديد المسؤوليات، وجبر الأضرار، خاصة في الحالات التي جرت خارج إطار المزادات الرسمية ولا تدخل ضمن صلاحيات اللجنة.
المسار التنظيمي: لمراجعة آثار المزادات العلنية لاستثمار أملاك الغير، وضمان تحصين حقوق الملكية ومنع إعادة إنتاج الآلية ذاتها تحت مسميات أخرى أو عبر صيغ استثمارية غير شفافة.
يشكل التعميم الصادر في 23 حزيران 2025 خطوة إجرائية لازمة لضبط ملفات المزادات التي مثّلت انتهاكات ممنهجة لحقوق ملكية النازحين والمُهجّرين. إلا ان نجاح المسار الحالي مرهون باستكمال ثلاثة شروط: ضبط إداري دقيق للوثائق والعقود، وتمكين قضائي فعال لجبر الضرر ومحاسبة المتسببين، وإصلاح مؤسساتي يمنع تحول أراضي الغائب إلى مورد مالي سريع على حساب الحقوق.
