عودة النازحين وتعقيدات السكن والإسكان
أدّت حالة الصراع في سوريا منذ عام 2011 إلى تهجير نحو نصف سكان البلاد، حيث أجبر ملايين السوريين على ترك منازلهم والنزوح، سواء داخل سوريا أو بحثاً عن الأمان في دول الجوار ومختلف أنحاء العالم. ومع تغيّر المشهد السياسي والأمني تدريجياً، تصدّرت مسألة عودة اللاجئين والنازحين أولويات النقاشات الإقليمية والدولية. في هذا المقال يشرح الخبير العمراني معن كفا، التحديات التي تواجه عودة النازحين إلى المناطق المتضررة بفعل الأعمال القتالية.
وبحسب تقديرات حديثة نشرتها مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين في 7 آذار الجاري، فأنه منذ سقوط نظام بشار الأسد، عاد نحو 750 ألف نازح داخلي إلى مناطقهم الأصلية، بينما لا يزال حوالي 7 ملايين شخص نازحين داخل سوريا. أيضاً، عاد 259,745 مهجر خارج سوريا، منذ نوفمبر 2024، وجاءت النسبة الأكبر من لبنان 50%، تليها تركيا 22% والعراق بنسبة 13%. في المقابل، يخطط حوالي مليون نازح داخلي للعودة خلال العام المقبل، منهم 600 ألف خلال الأشهر الستة المقبلة.
ومع ذلك، لا تزال آفاق العودة الطوعية وخططها غير واضحة، إذ ينبغي اتخاذ العديد من الإجراءات لضمان أن تكون العودة آمنة وكريمة، وللتخفيف من التحديات المرتبطة بها، وأبرزها صعوبة العثور على مأوى مناسب. هذه الأزمة الإنسانية لا تزال قائمة في ظل غياب رؤية سياسية واضحة ومستدامة للسلام وإعادة الإعمار، خاصة أن كثيراً من العائدين يواجهون منازل مدمّرة أو غير صالحة للسكن، مما يستلزم تعاوناً دولياً وجهوداً إنسانية واقتصادية وسياسية واسعة للوصول إلى حلول دائمة.
في ظل الحاجة الإنسانية الملحّة لتأمين السكن اللائق للعائدين، وغياب تقديرات دقيقة لحجم الدمار الذي لحق بالمساكن ومدى قابليتها للترميم، فإن التدخلات الإسعافية يجب أن تتماشى مع السياسات طويلة المدى. لهذا، من الضروري إعداد مسح شامل على مستوى المحافظات لتحديد المناطق المدمّرة كلياً وتلك التي يمكن ترميمها جزئياً، وتقييم الأضرار، وتصنيف المساكن وفق قابليتها للسكن. كما يتطلب الأمر وضع خطط واضحة لاستقبال العائدين، بحيث تراعي التمييز بين الحلول المؤقتة قصيرة الأمد والاستراتيجيات المتوسطة والطويلة الأجل.
تجنّب بناء مشاريع سكنية دون تخطيط أمر ضروري لمنع أزمات مستقبلية، كما حدث في شمال غرب سوريا. فقد أشار تقرير صادر عن وحدة تنسيق الدعم عام 2022 إلى أن معظم الأراضي التي أقيمت عليها المجمعات السكنية في الشمال السوري كانت أملاكاً عامة، مخصصة أصلاً لمشاريع حكومية أو مدرسية، مما يجعل البناء عليها محصوراً بجهات الدولة المختصة ووفق معايير قانونية واضحة. لذلك، فإن استقبال العائدين إلى المناطق المدمّرة بالكامل يتطلب إعداد خطط شاملة تضمن لهم أماكن سكن مؤقتة في مراكز إيواء أو وحدات سكنية مناسبة.
الاستفادة من المساكن المملوكة للدولة تمثّل إحدى الخطوات الممكنة، إذ يمكن إجراء مسح شامل للمباني العسكرية والمرافق العامة الشاغرة وتحليل وضعها القانوني، ومن ثم اتخاذ الإجراءات اللازمة لإدخال بعضها في الخدمة دون المساس بحقوق القاطنين فيها. كذلك، يمكن إعداد عقود إيجار بين العائلات المستفيدة والمؤسسات الحكومية المعنية، بحيث تكون لفترات محدودة قابلة للتجديد في حالات خاصة، من دون مقابل مالي، مع احتساب القيمة التقديرية كجزء من التعويضات المستقبلية. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي تقييم احتياجات الترميم للمباني الشاغرة الأخرى التي تمتلكها الوزارات المختلفة أو المباني المخصصة سابقاً للأحزاب والمنظمات.
التوجهات الإقليمية والدولية الداعمة للعودة الطوعية توفر فرصة يجب الاستفادة منها. يمكن التعاون مع تركيا لإعادة استخدام المنازل مسبقة الصنع التي استُخدمت كاستجابة طارئة بعد زلزال 2023، والتي أصبحت غير مستعملة حالياً. كما يمكن تشجيع المغتربين السوريين على الاستثمار في قطاع الإسكان، مقابل تأمين مساكن للعمال السوريين، ضمن إطار قانوني يضمن الحقوق والالتزامات.
دعم عمليات إعادة الإعمار بمشاركة الأهالي يُعد أمراً حيوياً، ويتطلب إعداد آليات سريعة للتحقق من الحقوق العقارية للعائلات لضمان استفادة المستحقين فقط. من الضروري دعم هيئات محلية للإشراف على تخطيط عمليات إعادة الإعمار وتوثيق الملكيات وعقود البيع، إلى جانب تمكين شبكات المهندسين المتطوعين لمساعدة أصحاب المنازل المدمّرة، بما في ذلك العشوائيات، في إعادة تخطيط أحيائهم.
إسكان العائدين ينبغي أن يكون مرتبطاً بسياسات طويلة الأمد تضمن استدامة الحلول. وضع خطط إعادة إعمار مستدامة يجب أن يحترم حقوق السكن والأراضي والممتلكات، مع ضمان عدم التعدي على الأملاك العامة أو الخاصة إلا وفق عقود موثقة قانونياً. من الضروري تجنب البناء العشوائي على الأراضي الزراعية، وفي الحالات الاستثنائية، ينبغي وضع تشريعات تحظر الاستغلال العقاري غير المنظم، للحفاظ على البيئة والزراعة. كذلك، من المهم تطوير سياسات لمعالجة مشكلة السكن العشوائي، عبر وضع معايير إنشائية وخدمية ملائمة تشمل البنية التحتية، والخدمات العامة، والأسواق، وربط هذه المشاريع بالمخططات الإقليمية.
إن سقوط نظام الأسد لا يعني انتهاء الأزمة الإنسانية في سوريا، ولا يفتح المجال تلقائياً أمام عودة اللاجئين. هناك حاجة إلى إجراءات سريعة ومؤقتة لتسهيل العودة، لكن دون أن تكون بديلًا عن التخطيط الاستراتيجي لضمان استدامة إعادة الإعمار، وتأمين المساكن، وإرساء الاستقرار الدائم.
