عودة المُهجّرين إلى مضايا مؤجلة حتى تحسن الخدمات
في 30 ديسمبر 2024، أتيحت لمراسل سيريا ريبورت، فرصة العودة من تركيا لزيارة بلدته مضايا بريف دمشق، للمرة الأولى منذ تهجيره قسرياً عنها في العام 2017. والانطباع الأول له كان ايجابياً لجهة أن البلدة بشكل عام لا زالت على حالها، تقريباً، مع وجود بؤر دمار متناثرة، على عكس مدينة الزبداني المجاورة لها والتابعة لها إدارياً بريف دمشق.
الدمار ضمن مضايا، يتركز على مداخلها التي شهدت معارك عنيفة على مراحل متقطعة، أثناء حصار قوات النظام لها، بعد سيطرة المعارضة عليها في العام 2013. في العام 2017 وافقت المعارضة في البلدة على اتفاق مع قوات النظام، تهجّر بموجبه أغلب أهالي البلدة، وكانوا بحدود 6 آلاف شخص، إلى شمال غرب سوريا. والقلة القليلة التي بقيت في البلدة هم من موالي النظام، أو ممن أجروا عمليات تسوية ومصالحة مع قوات النظام. وعُرِفَ ذلك الاتفاق حينها باسم “المدن الأربعة”، ونتج عنه تهجيّر متبادل لسكان الزبداني ومضايا بريف دمشق، وكفريا والفوعة بريف إدلب.
وبحسب مشاهدات المراسل فإن دماراً جزئياً أو كاملاً طال الفلل الفارهة المنتشرة في أكثر من موقع حول البلدة. ارتفاعها وقربها من سلسلة جبال لبنان الشرقية على الحدود السورية اللبنانية، وطقسها البارد صيفاً، دفع بكثير من أبناء المنطقة، وأيضاً أثرياء عرب وسوريين، لبناء فلل فخمة فيها، لتكون بمثابة مصايف لهم. وتتركز تلك الفلل في عدة مواقع حول البلدة أبرزها كروم مضايا شرقاً، الشرفة والبراق غرباً، وهي بمعظمها غير مأهولة منذ العام 2012.
وبحسب شهادات عيان، فإن بعض تلك الفلل كانت قد تعرضت للقصف من قوات النظام خلال فترة تواجد المعارضة، ما تسبب بأضرار فيها. لكن الأضرار الحقيقية وقعت بعد التهجير، إذ تعرضت تلك الفلل لعمليات تعفيش ممنهجة، على مدار السنوات الماضية، قامت بها مجموعات مسلحة من ميليشيات الفرقة الرابعة والدفاع الوطني والأمن العسكري، التي تناوبت السيطرة على البلدة بعد العام 2017 وحتى سقوط النظام .وشمل التعفيش حديد البناء، ما يفسر التدمير الكبير في بعض المواقع.
كما تعرضت تلك الفلل لعمليات تعفيش مكثفة، قامت فيها مجموعات محلية عشية سقوط النظام السوري، وفي الأيام القليلة التي تبعته، قبل أن تتظافر الجهود المحلية بالتنسيق مع قوات إدارة العمليات العسكرية بقيادة هيئة تحرير الشام، لوقف التعفيش، وإعادة ما أمكن من مسروقات.
بعد سقوط النظام عاد بضعة مئات من المُهجّرين واللاجئين إلى البلدة. أبو أسامة، 45 عاماً، المهُجر وعائلته إلى إدلب، قال لمراسل سيريا ريبورت، أنه كان من أوائل الواصلين من الشمال إلى البلدة، بعد سنين من الغياب القسري عنها. ورغم عدم تضرر منزله بالأعمال القتالية أو بالتعفيش، إلا أن أعواماً من تركه على حاله، جعلته بحاجة لإعادة تأهيل ليصبح قابلا للسكن من جديد. وأعمال الصيانة في ظل الغلاء الكبير لأسعار مواد البناء، هو عائق جدي.
أبو أسامة أشار إلى صعوبة البقاء في ظل الواقع الخدمي المتردي، خاصة لعدم توافر الماء عبر الشبكة، وغياب الكهرباء لفترات طويلة، وغلاء المحروقات ومواد التدفئة بشكل مبالغ فيه، بالمقارنة مع الشمال السوري .البرد القارس في البلدة، يشكل فعلياً تحدياً لمن يريد البقاء في ظل انقطاع الكهرباء وعدم توفر وسائل التدفئة.
بسبب كل تلك العوامل، قرر أبو أسامة العودة إلى الشمال السوري مؤقتاً، وربما حتى الصيف حتى يعتدل الطقس، مع التمني بتحسين الواقع الخدمي، وتوافر المحروقات، ومواد البناء بأسعار معقولة. وحال أبو أسامة مشابه للعشرات، ممن فضلوا بعد زيارة سريعة إلى مضايا، العودة إلى الشمال السوري، أو تركيا، ريثما يتحسن الوضع في البلدة، وتستقر الأمور الخدمية.
محمود حمادة، وعضو الهيئة الطبية التابعة للمعارضة في مضايا بين العامين 2011-2017، وصل إلى البلدة قبل أيام، بإجازة مؤقتة من عمله في تركيا. قال محمود أنه لا يفكر بالاستقرار كلياً في هذه المرحلة في سوريا، خصوصاً وان من أبنائه من يدرس في الجامعة في تركيا، وأنه لا يريد زعزعة وضع عائلته حالياً، بعد كل ما عانوه خلال السنوات الماضية من الحصار والحرب والتهجير.
وفي ظل هذه الرغبة بالعودة، لكن الخوف من التحديات المتعلقة بالاستقرار وغياب الخدمات، دفعت المراسل للتواصل مع أحد أعضاء مجلس بلدة مضايا، لسؤاله عن توقعاتهم بخصوص هذه القضايا بعد سقوط النظام. ويبدو بحسب المراسل أن أعضاء البلدية يحاولون البقاء على رأس عملهم، في الوقت الراهن لتقديم ما يمكن من مساعدة للعائدين من الأهالي. الموظف أشار إلى أن البلدية تعاني من نقص في التمويل منذ شهور طويلة، وأنها تواصلت مع المحافظ الجديد لريف دمشق المعين من قبل الحكومة المؤقتة. المحافظ أقر بأن الميزانية ليست كافية لدعم البلديات حالياً، وأن على البلديات السعي لتمويل الخدمات بدعم المجتمع المحلي أو العمل الشعبي، على حد وصفه.
