عمليات الهدم في الحيدرية تثير احتجاجات بسبب مخاوف تتعلق بالملكية والحقوق
طلق مجلس مدينة حلب في أواخر أكتوبر أولى مراحل تنفيذ مشروع التطوير العقاري في حي الحيدرية، أكبر مناطق العشوائيات في حلب الشرقية، في خطوة قُدّمت كفاتحة لمشاريع إعادة الإعمار. لكن بدء عمليات الهدم المفاجئ أثار احتجاجات ومخاوف بين السكان الذين طالبوا بضمانات واضحة لحقوقهم، في ظل غياب بيانات رسمية حول آليات التعويض أو أسماء المستفيدين.
نشأت الحيدرية مطلع السبعينيات على أراضٍ زراعية خاصة شمال شرقي حلب، وتحولت تدريجياً إلى عشوائية كبيرة تضم وافدين إلى حلب من مناطق مختلفة. منذ أواخر السبعينيات خضعت المنطقة لعمليات استملاك متتابعة لإقامة مشاريع سكن اجتماعي، رافقها وضع متعهدي البناء وضباط أمن يدهم على أجزاء من الأراضي المستملكة وبيعها كمحاضر للبناء غير المرخص. ومع مطلع الألفية بدأت بلدية حلب بإنذارات الإخلاء تمهيداً لتنظيم المنطقة ضمن المخطط العام عام 2004، ثم أُدرجت في عام 2011 كمنطقة تطوير عقاري بموجب القانون رقم 15 لعام 2008، على مساحة 118 هكتاراً لبناء نحو عشرة آلاف وحدة سكنية. توقّف المشروع خلال الحرب، ثم أُعيد تفعيله بعد عام 2016 في إطار قانون تخطيط وعمران المدن رقم 23 لعام 2015، وقانون الاستملاك رقم 20 لعام 1983، ما أتاح للبلدية هدم الأبنية واستعادة الأرض دون وضوح في مصير المالكين المهجّرين أو آلية تثبيت حقوقهم في السكن البديل أو التعويض.
بلغ عدد سكان الحيدرية عام 2011 حوالي 60 ألف نسمة، وهم خليط من العرب والتركمان والأكراد، من العمال والحرفيين محدودي الدخل. خلال سنوات الحرب، نزح معظمهم إلى ريف حلب الشمالي، ادلب، الرقة وتركيا. وبعد سيطرة قوات نظام الأسد على حلب الشرقية في العام 2016 شهدت الحيدرية عودة جزئية للسكان، لكن العدد الأكبر من النازحين عاد بعد سقوط النظام نهاية العام 2024. ومع ذلك، لا يتجاوز عدد سكان الحي حالياً 10 آلاف بحسب تقديرات محلية، بسبب الدمار الكبير الذي لحق بمناطق واسعة منه.
مشروع تنظيم الحيدرية كمنطقة تطوير عقارية، خضع للتعديل بعد العام 2016، وبات يقتصر على مساحة27 هكتاراً لتسهيل التعامل معه وتسريع إنجازه. المشروع المعدل يتضمن بناء 19 مبنى سكنياً متعدد الطوابق تضم 608 وحدات سكنية بمساحات متنوعة، إلى جانب مرافق خدمية ومساحات خضراء، لإسكان حوالي 3 آلاف شخص. وبحسب معلومات حصلت عليها سيريا ريبورت، فإن مجلس المدينة الحالي اعتمد على هذا المشروع المعدل. ولم يتمكن مراسل “سيريا ريبورت” من الحصول على معلومات رسمية من محافظة حلب أو من مجلس المدينة بشأن طبيعة المشروع أو خطته التنفيذية، حتى وقت نشر هذا المقال.
وكان محافظ حلب عزام الغريب قد وضع حجر الأساس لتنفيذ المشروع في آب 2025، مؤكداً أنه يشكّل “بوابة لنهضة عمرانية شاملة” تعيد تنظيم المدينة على أسس حديثة. صفحة محافظة حلب في فيسبوك، نشرت في 21 أكتوبر، خبراً عن جولة قام بها محافظ حلب في الحيدرية، برفقة نائبه فواز هلال، ورئيس مجلس المدينة محمد علي عزيز، لمتابعة أعمال مشروع تنظيم المنطقة، بهدف “تأمين مساكن للعائلات العائدة من المخيمات وتحسين الواقع الخدمي في الحي، ضمن خطة المحافظة لإعادة تأهيل المناطق المتضررة وتعزيز التنمية العمرانية”.
لكن سكان الحي تفاجأوا يوم 30 أكتوبر بدخول آليات ثقيلة وجرافات تتبع لورشات من مجلس المدينة، لتبدأ عمليات هدم المساكن. هذا التدخل المفاجئ دفع عشرات السكان إلى التجمّع وقطع الطرق للمطالبة بوقف الأعمال إلى حين تقديم ضمانات واضحة بشأن حقوقهم السكنية. وسرعان ما تدخلت السلطات المحلية لاحتواء الموقف، فعقد معاون محافظ حلب علاء حمادين اجتماعاً مع مختار الحي عمر أبو معاذ، ومدير المشروع فرحان العويس، وعدد من وجهاء المنطقة، في محاولة لطمأنة الأهالي بأن المشروع لن يمسّ بحقوق المالكين الأصليين، وأن أي عملية هدم ستقترن بخطة تعويض أو إسكان بديل.
وبحسب مراسل سيريا ريبورت، فإنّ اللقاءات التي تلت الاحتجاجات شملت أيضاً رئيس الإدارة السياسية في المحافظة إبراهيم إبراهيم، ورئيس كتلة الحي أحمد عبدالناصر ترمانيني، اللذين سعيا لتهدئة المخاوف وشرح أهداف المشروع بوصفه جزءاً من خطة شاملة لإعادة إعمار أحياء حلب الشرقية. ومع ذلك، ظلّت الشكوك حاضرة بين الأهالي الذين استعادوا تجربة العام 2009، حين أُعلن المشروع للمرة الأولى. وتعمل الإدارة السياسية في المحافظات تحت إشراف الأمانة العامة للشؤون السياسية، وهي جهة أنشأتها السلطات الانتقالية للإشراف على النشاط السياسي في عموم سوريا وتنسيقه عبر فروع محلية. أما مصطلح “كتلة الحي” فيشير إلى واحدة من خمس مناطق إدارية جديدة في حلب أنشأها المحافظ عزام الغريب في أكتوبر 2025، يرأس كل منها مسؤول مكلّف بتنسيق عمل المؤسسات الحكومية ضمن نطاق الكتلة، ويعمل كحلقة وصل بين المجتمع المحلي والمحافظة.
وتشير بيانات اللجنة الهندسية في محافظة حلب، التي شكلت بالتعاون بين المحافظة ومجلس المدينة ومديرية الشؤون الاجتماعية والعمل، إلى أن عدد المتضررين الموثّقين الذين جرى هدم عقاراتهم يبلغ نحو 1813 شخصاً. وليس مفهوماً لماذا أشارت بيانات اللجنة إلى عدد المتضررين لا إلى عدد المساكن المهدومة. وأشار مراسل سيريا ريبورت إلى أن ما يجري حالياً هو هدم الأبنية في المنطقة الممتدة ما بين شارع الأربعين، مستديرة الحيدرية، وصولاً إلى دوار بعيدين.
غير أن بدء الهدم يثير في المقابل جملة من التساؤلات حول آليات تحديد المستفيدين وضمانات حماية الملكية، ولا سيما مع غياب قاعدة بيانات دقيقة لأصحاب الحقوق الأصليين. وليس واضحاً كيف ستُجرى عمليات المسح الاجتماعي التي يفترض أن تحدد المستحقين للتعويض أو السكن البديل. ويخشى ناشطون محليون أن يؤدي غياب هذه الضمانات إلى نزاعات لاحقة وإلى إقصاء كثير من السكان السابقين. وبينما تُروّج السلطات للمشروع على أنه مخصص للعائلات العائدة من المخيمات، يرى أهالي الحيدرية أن نجاحه لن يتحقق ما لم يُبنَ على قاعدة إنصاف حقيقية تضمن عودة السكان إلى أراضيهم وبيوتهم السابقة.
