عقارات الدروز في ريف دمشق: البيع بغرض النزوح
منذ نيسان 2025، بدأت حركة بيوع عقارية نشطة في مناطق انتشار الدروز في ريف دمشق، في أعقاب تصاعد الخطاب التحريضي الموجّه ضدهم وما تلاه من هجمات مسلحة قادتها قوات وزارتي الدفاع والداخلية وقوى عشائرية نهاية نيسان ومطلع أيار شملت أجزاءً من محافظة السويداء. وبعد أحداث السويداء الدامية في تموز الماضي، زادت العقارات التي يعرضها دروز ريف دمشق للبيع. الملفت أنه في الوقت الذي تحافظ فيه سوق العقارات في تلك المناطق على أسعارها المعتادة، فإن عقارات الدروز هي وحدها من تشهد انخفاضاً في أسعارها. وهذا يشير إلى أن سوق العقارات ليست مجرد انعكاس لعملية اقتصادية بحتة، بل قد تلعب دور مرآة للعلاقات المتوترة بين المكونات الاجتماعية والسلطة.
يجب هنا التوضيح بأن أغلب البيوع العقارية التي يتحدث عنها هذا المقال، تتم بطرق غير رسمية، عبر عقود بيع خارجية موثقة لدى الكاتب بالعدل، ولكنها غير موثقة في السجلات العقارية أو المحاكم. إذ أن توثيق البيوع العقارية للعقارات المرخصة في المناطق المنظمة، بشكل رسمي، ما زال أمراً مربكاً. إذ أن هناك كثير من التعاميم والقرارات الإدارية لوزرات العدل والإدارة المحلية والمالية، التي توالى صدورها منذ سقوط النظام لحد اليوم، تبطئ عملية التسجيل وأحياناً تعطلها.
صحنايا وأشرفية صحنايا
مراسل سيريا ريبورت في المنطقة ينقل عن أصحاب مكاتب عقارية، وأصحاب عقارات، أن تراجع أسعار عقارات الدروز بريف دمشق، تتراوح بين 20-30 في المئة، عن الأسعار الرائجة في سوق العقارات في المناطق نفسها. وهذا لا يعود إلى الوضع الاقتصادي العام، أو تقلّبات سعر صرف الليرة السورية، بل يرتبط بشكل مباشر بالمضايقات التي يتعرض لها أبناء الطائفة الدرزية والمخاوف التي تدفعهم لبيع أملاكهم والانتقال إلى مناطق أكثر استقراراً وأمناً. إذ يفضل أولئك، خاصة العائلات بينهم، الانتقال إلى بلدات ذات غالبية درزية مثل عرنة وحضر في جبل الشيخ، أو إلى السويداء، فيما اختار آخرون الهجرة إلى لبنان، فيما يشبه نزوحاً جزئياً صامتاً.
أحد السماسرة في صحنايا، قال لسيريا ريبورت، أن انخفاض أسعار العقارات التي يعرضها الدروز للبيع، يعود إلى عامل أساسي؛ زيادة المعروض نتيجة رغبة عدد كبير من المالكين في البيع، سواء بدافع الحاجة المالية أو بسبب قرارات الانتقال إلى مناطق أخرى أكثر أماناً. يصف أحد السكان حالته بالقول: “في أحيائنا ومناطقنا لم نعد نملك حرية التنقل، فالحاجز يتمركز عند مدخل الحارة، وأصبح منظر المسلحين الملثمين عليه كفيلاً بإثارة القلق.” ويضيف: أنه باع بيته، وينتظر فتح الطريق لينتقل إلى السويداء، بينما يؤكد أن من بين جيرانه من هاجر خارج البلاد وآخرون قصدوا جبل الشيخ.
بينما ينقل سكان من صحنايا وأشرفيتها، المتجاورتين، بأن الحياة اليومية باتت مرهونة بالتوتر المستمر، وغالباً ما يُسمع إطلاق نار متكرر بين الحارات، من قبل القوى العسكرية المسيطرة عليها التابعة للأمن العام، من دون مبرر ما يزيد من حدة القلق. ويتعرض الوجهاء ونشطاء المجتمع المدني الدرزي في المنطقة، لتضييق سياسي متواصل، عبر منع أي مبادرات للتضامن مع السويداء المحاصرة، والضغط عليهم لإصدار بيانات تبرؤ من مواقف مرجعيات دروز السويداء.
في حين نقل المراسل عن شخص درزي باع منزله في أشرفية صحنايا، بأن أسعار البيوت تنخفض مهما كانت حالتها، بمجرد أن يعلم المشتري أن البائع من الطائفة الدرزية. في حالات كثيرة يتراجع المشترون من دون أي تبرير. ويضيف: “ثمة قناعة لدى بعض المشترين أن بإمكانهم الحصول على هذه البيوت مجاناً تقريباً، فلماذا يدفعون ثمنها؟”.
أحد الأشخاص قال في شهادته لسيريا ريبورت، إن عرض منزل عائلته، ومساحته 120 متراً مربعاً (ثلاثة غرف وصالون)، في أشرفية صحنايا مؤخراً للبيع بسعر 40 مليون ليرة (حوالي 3,500 دولار)، وهو سعر أقل أصلاً من أسعار السوق، لأنه مضطر للسفر تخوفاً من الوضع الأمني والسياسي. لكن بعد عدة محاولات فاشلة للبيع، السعر الأفضل الذي عُرضَ عليه كان 25 مليون ليرة (حوالي 2,200 دولار)، ويتابع: “نظراً لأننا دروز حاولوا أن يبخسوا سعر العقار.”
في المقابل، يوضح أحد السماسرة، بأن سوق العقارات في الأحياء ذات الغالبية غير الدرزية في صحنايا، لم تشهد تراجعاً يُذكر بأسعار العقارات، باستثناء الانخفاض الطفيف المرتبط بارتفاع قيمة الليرة السورية مقابل الدولار. ويشير إلى أن أسعار العقارات باتت تُثبَّت بالدولار بشكل شبه كامل، ما حدّ من تأثرها بالتقلبات الأخيرة. ويضرب السمسار مثالاً؛ منزل جاهز للسكن، مؤلف من غرفتين وصالون في صحنايا، يُباع حالياً بسعر يقارب 35 ألف دولار، وهو مستوى قريب من الأسعار الرائجة المنطقة.
جرمانا
بحسب سمسار محلي في جرمانا، فقد تراجعت أسعار العقارات وسطياً بنسبة 30 في المئة، ووصلت في بعض الحالات إلى 50 في المئة، تبعاً للموقع وطبيعة العقار. ويصف السمسار الوضع بأنه “مشكلة مركّبة”، موضحاً أن جرمانا كانت لسنوات إحدى الوجهات التي اعتُبرت آمنة نسبياً، ما أدى إلى “فورة عقارية” وارتفاع كبير في الأسعار. لكن التطورات الأخيرة غيّرت المعادلة، فتراجع الطلب تدريجياً، قبل أن تسرّع أحداث السويداء من وتيرة الانخفاض.
ويشير السمسار إلى أن معظم الراغبين في البيع اليوم هم من أبناء الطائفة الدرزية الذين قرروا السفر أو الانتقال إلى مناطق أخرى، بينما يفضّل مالكو العقارات من الطوائف الأخرى الاحتفاظ بممتلكاتهم، ما ينعكس على حجم العرض من جهة، وعلى طبيعة الحركة السوقية ضمن أحياء جرمانا من جهة أخرى.
نسيم، من محافظة السويداء ويقيم في جرمانا مع أسرته منذ نحو ثلاثين عاماً، باع مؤخراً منزله في منطقة البلدية القديمة بقيمة 8,500 دولار (حوالي 90 مليون ليرة). أما عدنان، فيقول: “الأحداث الأخيرة سرّعت قرار بيع للبيت، إذ أن الخصوصية الطائفية للمنطقة خلقت جواً من التهديد. لذلك قررت البيع، حتى وإن كان السعر زهيداً كي أتمكن وعائلتي من مغادرة المنطقة”.
سمسار عقارات في جرمانا قال إن الأسعار المنخفضة للعقارات في جرمانا، باتت تشد انتباه شريحة جديدة من المشترين، يصفها بـ”البرجوازية البيروقراطية الصاعدة مع الإدارة الانتقالية”، قاصداً الموظفين في الحكومة الانتقالية، الراغبين بالسكن غير بعيد عن مناطق عملهم في العاصمة دمشق، وبأسعار تناسب إمكانياتهم المالية. ولذا، يتابع السمسار بالقول: يستفيد تجار العقارات الذين يعملون على “شراء البيوت بأخفض أسعار ممكنة منتهزين حاجة الناس للبيع”، لبيعها بأسعار السوق لشريحة المشترين الجدد.
في منطقة النسيم بجرمانا، باعت جمانة وهي درزية، مؤخراً شقة على العظم، مساحتها 60 متراً مربعاً، في الطابق الأرضي، بمبلغ 120 مليون ليرة سورية (حوالي 10,500 دولار)، بينما قيمتها السوقية الحقيقية لا تقل عن 250 مليون ليرة (22 ألف دولار).
صاحب مكتب عقاري في جرمانا، أوضح أن معظم من باعوا عقاراتهم عن طريق مكتبه، خلال الفترة الأخيرة، غالباً ما كان دافعهم هو السفر إلى خارج البلاد. وهذا ما جعل العديد من الصفقات تُبرم بأسعار زهيدة جداً مقارنة بالقيمة الحقيقية للعقارات.
خاتمة
توضح تجربة صحنايا وجرمانا أن العقارات لم تعد مجرد أصول اقتصادية، بل تحولت إلى مؤشر على هشاشة الوضع الأمني والاجتماعي. فبينما تتراجع أسعار منازل الدروز حصراً، يبقى السوق في الأحياء الأخرى مستقراً نسبياً، ما يكشف عن خلل عميق يتجاوز قوانين العرض والطلب. في ظل هذا الواقع، تتداخل حسابات الأمان مع الحاجة إلى السيولة، ويصبح قرار البيع أقرب إلى فعل اضطراري أكثر منه خياراً اقتصادياً، في صورة تعكس حجم الضغوط التي تعيشها الطائفة الدرزية في محيط العاصمة دمشق.
