عشوائية الأنصاري الغربي في حلب
على عكس معظم عشوائيات مدينة حلب الواقعة في أحيائها الشرقية، تقع عشوائية الأنصاري الغربي جنوب غربي المدينة، وتتصل بأحيائها الشرقية في منطقة الكروم جنوباً. كما تصل هذه العشوائية بين ما كان يعرف بقرية الأنصاري، وأحياء حي صلاح الدين، وسيف الدولة والزبدية، في مدينة حلب. وقد اتخذت قوات النظام من عشوائية الأنصاري أحد مواقع تجميع سكان حلب الشرقية، قبل تهجيرهم قسرياً مطلع العام 2016. في هذا المقال، يرصد الخبير العمراني د. معن كفا، تاريخ هذه العشوائية، وأبرز ملامحها.
في الأصل، معظم أراضي العشوائية أملاك خاصة زراعية يمنع البناء عليها، ما عدا عقارين مساحتهما حوالي 6% من كامل العشوائية، أحدهما ملك للأوقاف والآخر ملك لبلدية حلب يستخدم كمكب للنفايات. منذ مطلع السبعينيات بدأ بعض متعهدي البناء شراء مساحات من الأرض في المنطقة وتقسيمها إلى محاضر، والبناء عليها بشكل مخالف من دون ترخيص. متعهدو البناء خططوا المنطقة ونظموها، وشقوا فيها شوارع بعرض 6-8 أمتار أحياناً، وبمقاطع أصغر في أحياناً أخرى. في العام 1973 بلغت مساحة المنطقة المبنية في الأنصاري الغربي 6.7 هكتاراً، وفي العام 1980 بلغت حوالي 35 هكتاراً، بحسب رسالة دكتوراة لسلوى صقال من جامعة باريس السابعة في العام 1984.
وبنى المتعهدون أبنية طابقية بعضها يصل إلى 7 طوابق، في كل منها شقق متعددة، تتراوح مساحاتها ما بين 60-150 متراً مربعاً. القليل من المباني مؤلف من طابق واحد أو طابقين. سكان الحي هم خليط من مناطق وخلفيات عرقية وثقافية مختلفة، معظمهم من أرياف حلب والرقة وإدلب.
في العام 2006 كلّف مجلس مدينة حلب، الوحدة الهندسية في كلية الهندسة المعمارية بجامعة حلب، إجراء دراسة حديثة للمنطقة، لمعالجة ما وصفه بـ”المخالفات السكنية الجماعية فيها”، عبر تطبيق قانون مخالفات البناء رقم 1 لعام 2003 الساري حينها. قانون مخالفات البناء الأخير رقم 40 لعام 2012 ألغى العمل بقانون مخالفات البناء رقم 59 لعام 2008 الذي ألغى العمل بدوره بالقانون 1\2003.
الدراسة أنجزت في العام 2009. وفقد وجدت أن مساحة المنطقة بلغت حوالي 134 هكتار، يقطنها حوالي 54 ألف نسمة، أي بمعدل كثافة سكانية مرتفع بلغ 403 شخص في الهكتار الواحد. وبحسب الدراسة، 10% من السكان هم مستأجرون بموجب عقود إيجار، معظمها غير مسجل في البلدية، للتهرب من دفع الضرائب. بينما 90% من السكان يملكون منازلهم، وهي بمعظمها شقق طابقية في أبينة غير مرخصة. معظم وثائق الملكية لدى السكان هي عقود شراء، وكالات غير قابلة للعزل، وضع يد، سجلات المالية، إشارات دعاوى، فواتير ماء وكهرباء، بيان اشغال، أو صورة عن السجل العقاري المؤقت، وبيان قيد بالملكية. ويمكن تفسير حيازة بعض السكان لوثائق رسمية صادرة عن السجل العقاري المؤقت أو بيان قيد الملكية، أن بعض المباني خاصة التي تشكل امتداداً لحي صلاح الدين، هي أبنية مرخصة في منطقة منظمة، وفيها مخالفات بناء بزيادة عدد الطوابق.
وقدمت الدراسة حلولاً مقترحة، تمحورت حول توسيع الشوارع إلى عرض 12 متراً من طرف واحد، ودمج المقاسم الصغيرة، وتأمين الخدمات. كما اقترحت الدراسة هدم أبنية مخالفة في مواقع متعددة، لتأمين التشميس والتهوية، في معرض التخطيط للمجموعات السكنية والأحياء. واقترحت الدراسة توحيد نظام ضابطة البناء في المنطقة، باعتماد خمسة طوابق لكل بناء وهدم الطوابق الإضافية، واعتماد 3 وجائب بمسافة 6 أمتار لكل منها.
الدراسة لم يتم تصديقها إلا في العام 2013، وذلك بسبب البطء في الإجراءات البيروقراطية، وتدخلات الأجهزة الأمنية. كما ساهم في تأخير التصديق، تضارب مصالح بعض المسؤولين، الذين عملوا على شراء عقارات في المنطقة، بغرض الاستفادة اللاحقة منها، وذلك بعد اطلاعهم على محتوى الدراسة والحلول التي اقترحتها.
ومن الملفت أنه قبل تصديق الدراسة، خضعت عشوائية الأنصاري الغربي في العام 2012، لسيطرة المعارضة المسلحة، ما دفع قوات النظام لقصفها بمختلف أنواع الأسلحة ما تسبب بحدوث دمار واسع النطاق، وخسائر بشرية كبيرة، وموجات من التهجير. ومع التدخل العسكري الروسي في العام 2015، تعرضت المنطقة لقصف جوي مكثف من الطيران الحربي، استمر حتى العام 2016، بالاتفاق على وقف إطلاق النار والتهجير القسري لجميع السكان، وبينهم جميع سكان الأنصاري الغربي.
في منتصف العام 2017، سمحت حواجز قوات النظام المنتشرة حول المنطقة بعودة بعض النازحين إلى حي الأنصاري الغربي. ترافق ذلك مع قيام بلدية الحي، باستخدام الجرافات، بفتح بعض الشوارع وإزالة الأنقاض منها. وفي العموم، يمكن التقدير بأن الحرب وعمليات التجريف في الأنصاري الغربي، تسببت بدمار حوالي 40% من مجمل المساكن.
في العام 2019 نفذت مديرية خدمات الأنصاري التابعة لمجلس مدينة حلب، حملة نظافة في الحي بالتعاون مع مديرية الخدمات المركزية، ولجنة أهالي الحي، وشملت الشوارع الرئيسية والأزقة المتفرعة عنها. وقد تشكلت لجنة أهالي الحي وفق قانون الإدارة المحلية 107 لعام 2011 برئاسة المختار، وعضوية أعضاء اختارهم المكتب التنفيذي من المقيمين الدائمين في الحي.
الملفت أنه في العام 2019، ظهرت انشاءات غير مرخصة جديدة في الحي بعدما استولى مسؤولون حكوميون وضباط من القوى الأمنية والعسكرية المسيطرة على المنطقة، على مساكن وأبنية وأراضي في حي الأنصاري، يملكها غائبون من المهجرين قسرياً والنازحين. وأشاد أولئك، من دون ترخيص، بالانطلاق من تلك العقارات المستولى عليها، طوابق إضافية عليها، أو توسعوا في البناء على حساب الجوار، أو حفروا وأشادوا طوابق تحت الأرض. كما استولى أولئك على أراضي كانت تضم أبنية هدمها مجلس المدينة باعتبارها آيلة للسقوط، حيث أشاد عليها المتعهدون أبنية جديدة غير مرخصة.
زلزال 6 شباط 2023، تسبب بانهيار العديد من المباني المتضررة وغير المتماسكة إنشائياً في العشوائية، بسبب الأضرار غير المباشرة للقصف السابق لقوات النظام وحلفائها. في أيلول 2023 أصدرت محافظة حلب الجدول الثالث المتضمن أسماء المتضررين الذين تهدمت مبانيهم وعقاراتهم السكنية والتجارية نتيجة الزلزال في منطقة الأنصاري. وبحسب الجدول، بلغ عدد المقاسم المتهدمة في الأنصاري الغربي 1081 مقسماً. والمقسم هو قطعة الأرض التي أقيم عليها مبنى مؤلف من طابق أو عدة طوابق. والضرر في تلك المقاسم كلي، وبالتالي فتلك المباني لم تعد قابلة للسكن.
وتصدر المحافظة تلك الجداول بناء على أحكام المرسوم التشريعي رقم 3 لعام 2023 وتعليماته التنفيذية المتعلق بمنح إعفاءات خاصة وحزمة من التسهيلات للمتضررين جراء الزلزال، وفقاً لمحضر اللجنة المشكلة بقرار وزير الإدارة المحلية والبيئة رقم 554 ق تاريخ 20 آذار 2023 برئاسة محافظ حلب، والمصدق عليه من قبل وزير الإدارة المحلية والبيئة.

