مشاريع التطوير العقاري الكبرى في سوريا؛ نحو إطار يربط الاستثمار بحماية الملكيات والشاغلين وضمان الاعتراض والتعويض
الكُتّاب: مازن عزي، محمد منار حميجو
ملخص تنفيذي
تتعامل هذه الورقة مع مشاريع التطوير العقاري الكبرى بوصفها اختباراً لطريقة إدارة إعادة الإعمار في سوريا، لا بوصفها مشاريع استثمارية أو عمرانية فقط. فحين تصبح الأرض والعقارات مدخلاً لجذب التمويل وإعادة تشغيل الأصول، تصبح حماية حقوق السكن والأرض والملكية شرطاً لازماً لمنع تحوّل الاستثمار إلى أداة لإعادة توزيع المكان والقيمة خارج مسار حقوقي واضح.
تنبع المخاطر من فجوة بين سرعة طرح المشاريع وبطء معالجة آثار الحرب على الملكية والتوثيق والإشغال. وتظهر هذه الفجوة في مشاريع مثل “دمشق الجديدة” والبصة الساحلية، حيث تتوفر معلومات استثمارية وعمرانية أوسع من المعلومات الحقوقية المتعلقة بنطاق الأراضي، وضعها القانوني، أصحاب الحقوق، الشاغلين، ومسارات الاعتراض والتعويض. كما يزيد الدور المركزي للصندوق السيادي في تجميع الأصول وطرحها للاستثمار الحاجة إلى شفافية أكبر حول مصدر هذه الأصول، طريقة تقييمها، والحقوق القائمة عليها.
تقترح الورقة إطاراً مؤقتاً يسبق التعاقد والتنفيذ في مشاريع التطوير العقاري الكبرى. يقوم هذا الإطار على نشر معلومات الأراضي والعقارات، تحديد المسار القانوني لكل مشروع، إنشاء سجلات مطالبات محلية، اعتماد آلية متعددة المصادر لإثبات الحقوق، تعليق أي تصرف نهائي بالأرض قبل انتهاء الاعتراضات، وفصل الأدوار بين الجهات المالكة والمنظمة والمنفذة والمتعاقدة. من دون هذه الضمانات، قد تنتج مشاريع إعادة الإعمار غبناً عقارياً جديداً، خصوصاً بحق الغائبين، المهجرين، الشاغلين، وأصحاب الحقوق غير المثبتة رسمياً.
أولاً: المشكلة السياساتية
تواجه الإدارة الانتقالية في سوريا ملف التطوير العقاري ضمن سياق حقوقي ومؤسسي هش. فالمسألة لا تتعلق فقط بجذب التمويل الخارجي أو إطلاق مشاريع عمرانية كبرى، بل بقدرة الدولة على منع تحوّل هذه المشاريع إلى مسارات جديدة لإعادة توزيع الأرض والسكن قبل تثبيت حقوق أصحابها. وكل مشروع تطوير واسع لا يسبقه تدقيق في حقوق السكن والأرض والملكية يبقى عرضة لإنتاج نزاعات حول الملكية، الإشغال، التعويض، وحق العودة إلى المكان الأصلي.
تطرح السلطات السورية هذه المشاريع في مرحلة لا تزال فيها آثار الحرب حاضرة في بنية الملكية نفسها. فقد أدت سنوات النزوح واللجوء والدمار إلى فقدان وثائق عقارية، تعذر الوصول إلى السجلات أو العقارات، وتضرر بعض الصحائف العقارية. كما لا تزال العشوائيات، ومناطق المخالفات، قائمة على علاقات ملكية وإشغال غير موثقة في السجلات العقارية. لذلك فإن إدخال هذه المناطق في مشاريع تطوير قبل حصر الحقوق قد ينقل عبء الحرب إلى أصحاب الحقوق أنفسهم، ويجعل إثبات الملكية أو الحيازة شرطاً مسبقاً للحماية أو التعويض.
تزداد هذه المخاطر مع الدور الذي بدأ يأخذه الصندوق السيادي في طرح الأصول والعقارات للاستثمار. فالصندوق يُقدَّم بوصفه قناة مركزية لإعادة تشغيل الأصول العامة وغير المستثمرة، لكنه يحتاج إلى قواعد علنية تحدد طريقة اختيار العقارات، تقييمها، نقلها إلى الاستثمار، ومعالجة الحقوق القائمة عليها. ومن دون هذا الإفصاح، قد يتحول الصندوق من أداة لإدارة الأصول إلى مسار يتجاوز الضمانات التقليدية لحماية الحقوق.
وتظهر هذه الإشكالية في مشاريع مثل “دمشق الجديدة” ومشروع البصة الساحلي. فالمعلومات المتاحة تشير إلى مشاريع واسعة ذات وظائف إدارية وسكنية وتجارية، لكنها لا تكشف بما يكفي عن حدود الأراضي، وضعها القانوني، طبيعة الملكيات القائمة عليها، أو مصير الشاغلين وأصحاب الحقوق المحتملين. ولا تسمح هذه المعطيات بالجزم بوجود انتهاكات محددة، لكنها تكفي لإظهار فجوة بين حجم الطرح الاستثماري وضآلة المعلومات الحقوقية المنشورة.
ولا تنفصل هذه الفجوة عن التخطيط العمراني والمسار القانوني للمشاريع. فالمخطط التنظيمي يحدد استخدام الأرض، قيمتها، مصير الأبنية القائمة، وحصة أصحاب الحقوق في أي مشروع لاحق. كما يحدد المسار القانوني للمشروع الجهة المسؤولة، طريقة تأمين الأرض، وآليات الاعتراض والتعويض. لذلك لا يكفي عرض المشروع كفرصة استثمارية قبل توضيح ما إذا كان سيُحدث كمنطقة تطوير واستثمار عقاري، أم سيُدار كاستثمار مباشر، أم عبر صيغة شراكة خاصة.
بناءً على ذلك، تتمثل المشكلة السياساتية الأساسية في غياب إطار انتقالي يربط أي مشروع تطوير عقاري كبير بتدقيق مسبق في حقوق السكن والأرض والملكية. ويقتضي هذا الإطار نشر نطاق المشاريع قبل التعاقد، إعلان الوضع القانوني للأراضي قبل عرضها على المستثمرين، حصر حقوق الملكية والإشغال والانتفاع، فتح باب الاعتراض قبل التنفيذ، وتحديد أسس التعويض قبل تغيير استخدام الأرض أو إعادة توزيع قيمتها. ومن دون هذه الشروط، قد يتحول التطوير العقاري من مدخل لإعادة الإعمار إلى أداة لإنتاج غبن عقاري جديد، خصوصاً بحق الغائبين والمهجرين والشاغلين وأصحاب الوثائق غير المكتملة.
ثانياً: مشاريع التطوير العقاري ومناطق المخاطر
تكشف المشاريع العقارية الكبرى التي عرضها مسؤولو الصندوق السيادي خلال منتدى الاستثمار السوري–الإماراتي، الذي عُقد في دمشق في 11 أيار 2026، عن انتقال تدريجي من الحديث العام عن جذب الاستثمارات إلى البحث عن أراضٍ ومناطق قابلة للتحويل إلى مشاريع عمرانية وسكنية وتجارية واسعة. ورغم أن المنتدى لم ينتهِ بتوقيع اتفاقيات استثمارية أو مذكرات تفاهم، فقد أظهر دور الصندوق في تجميع الأصول العقارية وطرحها أمام المستثمرين. وتكمن حساسية هذا التحول في أن الأرض نفسها تصبح موضوع الاستثمار، بما تحمله من ملكيات خاصة، أملاك عامة، إشغالات، حقوق انتفاع، استعمالات مختلفة، ونزاعات مؤجلة منذ سنوات الحرب. لذلك لا يمكن تقييم هذه المشاريع من زاوية التمويل أو التصميم العمراني فقط، بل من زاوية أثرها المحتمل على حقوق السكن والأرض والملكية.
يبرز مشروع “دمشق الجديدة” بوصفه المثال الأوضح على هذا الاتجاه. فقد قُدّم المشروع ضمن حزمة المشاريع العمرانية الكبرى المطروحة للاستثمار، على جانبي طريق دمشق–بيروت، من أوتوستراد المزة حتى منطقة الصبورة في ريف دمشق، على مساحة 3,300 هكتار. ولا يُطرح المشروع كامتداد عمراني عادي، بل كمدينة جديدة مختلطة الاستخدامات، تضم أحياء سكنية وتجارية، مرافق تعليمية وصحية وترفيهية، وبنى تحتية واسعة. كما تشير المعطيات المنشورة إلى أنه قد يشمل وظائف دبلوماسية ومالية وسكنية، مع تخصيص مقاسم لمستثمرين خاصين، فيما قُدّرت متطلبات الاستثمار فيه بين 40 و50 مليار دولار، بينها 7.6 مليار دولار للبنية التحتية. وهذا الحجم يجعل تحديد الوضع القانوني للأراضي الداخلة في المشروع، وأصحاب الحقوق والشاغلين، وآلية تحويل الأرض إلى مقاسم وفرص استثمارية، شرطاً سابقاً على أي تعاقد. وتزيد المعطيات المعروضة حول مصير السكان الحاليين داخل نطاق المشروع من أهمية المسار الحقوقي السابق للتنفيذ. فقد طُرحت آليات تعويض تقوم على مسارين: يحصل شاغلو الأراضي التابعة لأملاك الدولة على تعويض مالي مقابل إخلاء الأرض، فيما يُمنح مالكو الأراضي ومن بينها مناطق في دمر الغربية والمعضمية والمزة وأجزاء من ضاحية قدسيا، خيار الحصول على أسهم في المشروع الجديد أو تعويض مالي. ويشمل هذا المسار نحو 700 عقار. ويحوّل ذلك التعويض من سؤال عام إلى ملف يحتاج إلى تفصيل قانوني، يتعلق بأساس التمييز بين الشاغلين والمالكين، وطريقة تقييم التعويض، وآلية احتساب الأسهم، وحقوق الورثة والغائبين والمستأجرين وأصحاب الوثائق غير المكتملة.
ويمتد الضغط العمراني في محيط طريق دمشق–بيروت إلى مشاريع أصغر حجماً. فقد طُرح أيضاً مشروع مجمّع تلال دمشق في منطقة الديماس بريف دمشق، على الجهة الغربية من الطريق، لتطوير مبانٍ سكنية ومدارس على مساحة 284 هكتاراً، وبقيمة استثمارية تقديرية تبلغ 384 مليون دولار. ولم تتوفر معلومات عن الوضع القانوني للأرض أو الجهة المالكة أو وجود شاغلين وحقوق قائمة. لذلك تكمن أهمية المثال في أنه يكشف اتجاهاً إلى التعامل مع محيط الطريق كحزام استثماري متعدد المشاريع، ما يستدعي تدقيقاً حقوقياً على مستوى المنطقة كلها، لا داخل حدود مشروع “دمشق الجديدة” وحده.
في المقابل، صار مشروع البصة الساحلي أكثر تبلوراً من الناحية الاستثمارية، لكنه بقي غامضاً من الناحية الحقوقية. فقد قُدّم المشروع باسم Laodicea Ad Mare، ويمتد على أكثر من 10 كيلومترات بين البصة والصنوبر في الريف الجنوبي لمدينة اللاذقية، على مساحة 1,150 هكتاراً، وبقيمة استثمارية تقديرية تتراوح بين 20 و30 مليار دولار. ولا يقتصر المشروع على منشآت سياحية، بل يجمع بين مجمعات سكنية، مرافق سياحية، مراكز تسوق، وملعب غولف. وهذا يجعله أقرب إلى مشروع لإعادة تشكيل شريط ساحلي واسع ومتعدد الوظائف، لا إلى استثمار سياحي محدود. غير أن اتساع المعلومات العمرانية والاستثمارية عن المشروع لا يقابله وضوح مماثل في المعلومات الحقوقية. فالمعطيات المتاحة لا توضح الوضع القانوني للأراضي الواقعة بين البصة والصنوبر، ولا تبين ما إذا كانت تضم ملكيات خاصة، أملاك دولة، إشغالات قائمة، مساكن، منشآت، أو حقوق انتفاع. كما لا تتوفر معلومات عن آلية حصر أصحاب الحقوق أو تعويضهم أو تمكينهم من الاعتراض. لذلك قد يتحول المشروع إلى نموذج واضح للفجوة بين تفصيل المشروع كفرصة استثمارية، وغموضه كمسألة حقوق سكن وأرض وملكية.
تعود أهمية هذه المشاريع أيضاً إلى السياق الذي عُرضت فيه. فقد أظهر المنتدى انفتاحاً على شراكات خليجية محتملة في مشاريع التطوير العقاري، لكنه لم ينتهِ بتوقيع اتفاقيات استثمارية أو مذكرات تفاهم، ما يبقي هذه المشاريع في مستوى الطرح والبحث عن شراكات أكثر من انتقالها إلى التنفيذ. لذلك ينبغي التعامل معه بوصفه نافذة على طريقة عرض الأراضي والمشاريع أمام المستثمرين، لا بوصفه إطاراً وحيداً لفهم مسار التطوير العقاري في سوريا. فالخطر الحقوقي لا ينتج من جنسية المستثمر، بل من غياب المعلومات المسبقة عن الأراضي المشمولة، والحقوق القائمة عليها، والضمانات التي تسبق التعاقد والتنفيذ.
وتتجاوز أهمية هذه المشاريع حالتي دمشق الجديدة والبصة. فقد أعلن مسؤولو قطاع التطوير العقاري في الصندوق أن الصندوق يملك أكثر من 7,000 هكتار من الأراضي المخصصة للتطوير العقاري في 47 موقعاً داخل سوريا. وهذا الرقم يجعل المسألة أوسع من مشروع أو مشروعين، ويفرض التعامل مع مشاريع التطوير العقاري الكبرى كسياسة عامة محتملة لإعادة استخدام الأرض، لا كمبادرات استثمارية منفصلة. وبقدر ما يوسّع هذا الحجم قدرة الصندوق على جذب المستثمرين، فإنه يوسّع أيضاً الحاجة إلى تدقيق حقوق السكن والأرض والملكية قبل إدخال أي موقع جديد في الاستثمار.
وتزداد أهمية هذا السؤال مع غياب إعلان واضح عن المسار القانوني لكل مشروع. فالمعطيات المتاحة لا توضح ما إذا كانت “دمشق الجديدة”، أو البصة، أو غيرهما من المواقع المطروحة، ستُحدث كمناطق تطوير واستثمار عقاري، أم ستُطرح كاستثمار مباشر على أصول عقارية يديرها الصندوق، أم ستُنفذ عبر عقود شراكة مع مطورين ومستثمرين. وهذا الغموض لا يخص الشكل الإداري وحده، بل يمس حقوق السكن والأرض والملكية مباشرة، لأن كل مسار يرتب نتائج مختلفة على حصر الحقوق، التعويض، السكن البديل، الاعتراض، الإفراز، والتسجيل العقاري.
تبدأ المخاطر قبل الوصول إلى مرحلة التنفيذ. فكل مشروع واسع يفترض قدرة مسبقة على تحديد الوضع القانوني للأرض والعقارات الداخلة فيه، وهي قدرة ما زالت محدودة بفعل آثار الحرب على الوثائق والسجلات وإمكانية الوصول إلى الملكيات. ورغم إطلاق مسارات لترميم الصحائف العقارية وأتمتة السجل العقاري، فإن معالجة هذه الفجوة تحتاج إلى وقت أطول من إيقاع الطرح الاستثماري. لذلك قد يؤدي إدخال الأراضي في مشاريع تطوير قبل استكمال حصر الحقوق إلى نقل النزاع إلى ما بعد التعاقد، ووضع أصحاب الحقوق أمام عبء إثبات متأخر وأضعف.
وتتصل هذه المخاطر أيضاً بعدم تحديث المخططات التنظيمية في مناطق مدمرة أو متضررة، وبالسؤال عن كيفية التعامل مع العشوائيات التي توسعت خلال سنوات الحرب. وتواجه المجالس المحلية إشكالية تسوية أوضاع هذه المناطق من الناحية القانونية، في حين تبدو اللجان الإقليمية شبه غائبة، ولم تُستشر نقابة المهندسين حتى الآن في المشاريع العقارية المطروحة. لذلك لا تكفي دراسة الجدوى الاقتصادية أو الإعلان عن مشاريع جديدة لتقييم قابليتها للتنفيذ. فكل مشروع تطوير عقاري واسع يحتاج، قبل إطلاقه، إلى معالجة واضحة لمسائل إثبات الملكية، تحديث المخططات، دور المجالس المحلية، مشاركة الجهات الفنية، وضمانات قانونية تتيح الاعتراض وتسوية النزاعات قبل أن تتحول الأرض إلى موضوع استثماري.
ثالثاً: مخاطر الإطار القانوني والمؤسسي
تبدأ المخاطر القانونية والمؤسسية من الجهة التي ستقود طرح الأراضي والعقارات في مشاريع التطوير. فقد أُحدث الصندوق السيادي بموجب المرسوم رقم 113 لعام 2025 كمؤسسة عامة ذات طابع اقتصادي، ترتبط برئاسة الجمهورية، وتتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري. وتمنحه هذه الصيغة موقعاً مركزياً في إدارة الأصول الحكومية غير المستثمرة وتحويلها إلى مشاريع تنموية وإنتاجية. ويصبح هذا الموقع حساساً في ملف التطوير العقاري، لأن الصندوق لا يتعامل مع أموال سائلة فقط، بل مع عقارات وأراضٍ قد ترتبط بحقوق ملكية أو إشغال أو انتفاع أو نزاعات لم تُحسم بعد.
يضاف إلى ذلك أن مشاريع التطوير العقاري لا تتحرك في فراغ قانوني. فبعد إلغاء قانون التطوير والاستثمار العقاري رقم 15 لعام 2008، أصبحت مشاريع التطوير والاستثمار العقاري مشمولة بقانون الاستثمار رقم 18 لعام 2021 المعدل بالقانون رقم 2 لعام 2023، وانتقلت صلاحيات الهيئة العامة للتطوير والاستثمار العقاري إلى هيئة الاستثمار السورية. كما نظّمت التعليمات التنفيذية للقانون رقم 2 لعام 2023 إحداث مناطق التطوير والاستثمار العقاري، والبرنامج التخطيطي، وتأمين الأراضي، والتعاقد مع المطورين، وتنفيذ البنى التحتية، والإفراز، والتسجيل، والعلاقة بين المطور العقاري والجهة الإدارية المسؤولة.
لكن هذا الإطار نفسه يطرح مخاطر حقوقية ومؤسسية. فقد صدرت التعليمات التنفيذية بقرارين منفصلين، 1575 و1576، مع تداخل في نطاق التطبيق وفي تحديد العلاقة بين الجهة العامة والمطور العقاري. كما أن إدماج التطوير العقاري ضمن قانون الاستثمار عزز منطق الجذب الاستثماري والتسهيلات، من دون أن يبدد التوتر بين سرعة طرح الأرض للاستثمار وبطء حصر الحقوق وتسوية النزاعات. لذلك يصبح السؤال الأساسي هو ما إذا كانت المشاريع المطروحة ستخضع فعلاً لمسار مناطق التطوير والاستثمار العقاري، بما يتضمنه من قرارات إحداث ومخططات وجهات مسؤولة، أم ستُعامل الأراضي والعقارات كأصول استثمارية قابلة للتعاقد قبل استكمال حصر الحقوق وتسوية وضعها القانوني. وفي الحالتين، لا يكفي إعلان المشروع أو عرض الأرض على المستثمرين قبل توضيح وضعها القانوني، وحقوق الشاغلين والمالكين، وآلية الاعتراض والتعويض.
وتبرز خطورة هذا الإطار خصوصاً في المناطق التي تختلط فيها الملكية الموثقة بالإشغال غير المسجل، والبناء المرخص بالمخالفات، والأراضي الخاصة بأراضٍ زراعية مستخدمة سكنياً أو بأملاك دولة. فالتعليمات التنفيذية لعام 2023 أعادت فتح باب إحداث مناطق التطوير والاستثمار العقاري ضمن المخططات التنظيمية أو خارجها، وضمن مناطق العشوائيات، لكنها لم تبدد الفوارق بين المالك المسجل، والشاغل، وصاحب البناء غير المرخص، وصاحب الأرض التي تغيّر استعمالها الفعلي من دون تعديل وضعها القانوني. ومن أكثر النقاط حساسية حصر حق الشاغلين المخالفين فوق أملاك الدولة بأخذ أنقاض أبنيتهم، مقابل تخصيصهم بمساكن بديلة غير مجانية بسعر الكلفة، مما يتوفر داخل المنطقة أو خارجها. وهذا يعني أن اختيار المسار القانوني للمشروع قد يحدد عملياً ما إذا كان الشخص سيُعامل كمالك، أو صاحب حق سكن، أو شاغل يحتاج إلى تسوية، أو مخالف له تعويض محدود وسكن بديل مشروط.
ولا يتحرك الصندوق السيادي منفرداً داخل بنية إعادة الإعمار. فإلى جانبه برز صندوق التنمية، المحدث بالمرسوم رقم 112 لعام 2025، كقناة لتمويل مشاريع البنى التحتية والخدمات الأساسية، ودعم الوحدات الإدارية في تأهيل المناطق المتضررة وإزالة الأنقاض وترميم المساكن. كما تشير المعطيات المتاحة إلى أن صندوق التنمية، وهيئة الاستثمار، والصندوق السيادي، تعمل ضمن مظلة المجلس الأعلى للتنمية. ويجعل ذلك ملف التطوير العقاري جزءاً من بنية مؤسسية أوسع تجمع بين التمويل، الاستثمار، إدارة الأصول، التخطيط، وإعادة الإعمار. لذلك لا تكفي مساءلة دور الصندوق السيادي وحده، بل يجب توضيح العلاقة بين هذه الجهات، وحدود صلاحيات كل منها، والمسار الذي يمنع انتقال مشاريع السكن والبنية التحتية من منطق الدعم العام إلى منطق الاستثمار العقاري من دون ضمانات حقوقية مسبقة.
ويطرح دور الصندوق في مشاريع التطوير العقاري مشكلة إضافية تتصل بتداخل الأدوار. فالصندوق قد يجمع، في الوقت نفسه، بين إدارة الأصول، طرح الأراضي والعقارات، التفاوض مع المستثمرين، والإشراف على التنفيذ، في ظل إعادة ترتيب أوضاع شركات التطوير العقاري القائمة وعلاقتها بهيئة الاستثمار. وفي مشاريع تمس حقوق السكن والأرض والملكية، قد يؤدي هذا التداخل إلى إضعاف الشفافية إذا لم تُفصل بوضوح صلاحيات مالك الأرض، الجهة المنظمة، الجهة المتعاقدة، والجهة التي تتلقى اعتراضات أصحاب الحقوق.
تزداد هذه الحساسية مع إعلان الصندوق السيادي امتلاكه أو إدارته محفظة عقارية تضم نحو 2,000 عقار بقيمة تقديرية تصل إلى 2.5 مليار دولار. فالمشكلة لا تتعلق بحجم هذه المحفظة وحده، بل بغياب معلومات منشورة عن طبيعة العقارات التي تضمها، مواقعها، وضعها القانوني، طريقة تقييمها، والحقوق القائمة عليها. وتزداد أهمية ذلك لأن الأصول المطروحة للاستثمار لا تقتصر بالضرورة على عقارات عامة بالمعنى الضيق، بل قد تشمل أصولاً تابعة للدولة، أو أصولاً انتقلت إلى الصندوق عبر مسارات مصادرة أو تسوية أو نقل ملكية لم تُنشر تفاصيلها. وفي حالات كهذه، لا يكفي توصيف الأصل كفرصة استثمارية، بل يجب تحديد مصدره القانوني والحقوق السابقة أو القائمة عليه قبل إدخاله في أي عقد أو شراكة.
وتظهر هنا حدود الرقابة المالية على الصندوق. فحتى إذا وُجد تدقيق في الإيرادات والنفقات، فإنه لا يكفي لحماية حقوق السكن والأرض والملكية، ما لم يشمل أيضاً مصدر العقارات المطروحة، وضعها القانوني، والحقوق أو النزاعات القائمة عليها. لذلك لا تُقاس حوكمة الصندوق بقدرته على جذب الاستثمار فقط، بل بقدرته على منع تحويل الأصول العقارية إلى فرص تعاقدية قبل استكمال التدقيق الحقوقي.
وتضاف إلى ذلك مشكلة الضمانات القانونية المتاحة للمستثمرين وأصحاب الحقوق معاً. فضعف الثقة بالمنظومة القضائية لا يبطئ الاستثمار فقط، بل يضعف قدرة المالكين، الشاغلين، الورثة، أصحاب العقود غير المسجلة، والنازحين أو الغائبين، على حماية حقوقهم قبل بدء التنفيذ. وفي مشاريع بهذا الحجم، لا يكفي وجود مسار إداري داخل الجهة المنفذة أو المالكة للأصل، بل يجب أن يتوفر مسار اعتراض مستقل وفعّال قبل أن تصبح الأرض جزءاً من مشروع استثماري واسع.
بناءً على ذلك، تكمن المخاطر المؤسسية في احتمال تركز وظائف متعددة داخل مسار واحد: إدارة الأصول، عرض الأرض على المستثمرين، التفاوض، التخطيط، والإشراف على التنفيذ. وقد يسرّع هذا التركيز إطلاق المشاريع، لكنه يضعف قدرة أصحاب الحقوق على معرفة ما سيحدث بأراضيهم أو الاعتراض عليه. لذلك تحتاج مشاريع التطوير العقاري الكبرى إلى فصل أوضح بين الجهات المالكة والمنظمة والمتعاقدة، وربط أي طرح استثماري مسبقاً بتدقيق حقوقي ومسار اعتراض وتعويض.
رابعاً: خيارات السياسة العامة
تحتاج الإدارة الانتقالية إلى إطار خاص بمشاريع التطوير العقاري الكبرى، لا يكتفي بتنظيم العلاقة مع المستثمرين، بل يعيد ترتيب العلاقة بين الاستثمار والحقوق. ويقوم هذا الإطار على نقل تدقيق حقوق السكن والأرض والملكية من مرحلة لاحقة للتنفيذ إلى مرحلة سابقة للتعاقد. فالمسألة ليست تقنية فقط، بل تتعلق بتحديد ما إذا كانت الأرض ستدخل الاستثمار بوصفها أصلاً خالياً من النزاعات، أم بوصفها مساحة عليها ملكيات وإشغالات وحقوق تحتاج إلى تسوية مسبقة.
يقوم الخيار الأول على جعل الشفافية شرطاً لتصنيف المشروع نفسه. فقبل تحديد كلفة المشروع أو شكل الشراكة، يجب أن يكون واضحاً ما إذا كانت الأرض ستخضع لمسار منطقة تطوير واستثمار عقاري، أم ستُطرح كاستثمار مباشر، أم ستدار عبر صيغة شراكة خاصة. ويحدد هذا التصنيف الجهة المسؤولة، طريقة تأمين الأرض، قواعد الإفراز والتسجيل، وحدود حقوق المالكين والشاغلين وأصحاب الانتفاع. لذلك لا تكفي المعلومات العمرانية والاستثمارية ما لم تقترن بمعلومات حقوقية وقانونية عن نطاق المشروع والأرض الداخلة فيه.
أما الخيار الثاني فيتمثل في التعامل مع التخطيط العمراني كأداة لتثبيت الحقوق، لا كمرحلة فنية منفصلة. فالمخطط التنظيمي يحدد استخدام الأرض وقيمتها وحصة أصحاب الحقوق في المشروع، وقد يحوّل الملكيات والإشغالات القائمة إلى تعويضات أو أسهم أو وحدات بديلة. لذلك ينبغي أن يسبق أي تعديل تنظيمي تدقيق في الملكيات والحيازات والاستعمالات الفعلية، خصوصاً في المناطق المدمرة، والعشوائيات، والأراضي المستخدمة سكنياً خارج التوثيق الكامل.
ويقوم الخيار الثالث على فصل وظائف الدولة داخل المشروع. فالجمع بين إدارة الأصل، وطرح الأرض، والتفاوض مع المستثمرين، والتخطيط، والنظر في الاعتراضات داخل مسار واحد يسرّع التعاقد، لكنه يضعف حماية أصحاب الحقوق. لذلك يحتاج أي إطار سياساتي إلى توزيع واضح للأدوار بين الجهة المالكة أو المديرة للأصل، والجهة الناظمة للاستثمار، والجهة الفنية المسؤولة عن التخطيط، والجهة التي تستقبل الاعتراضات وتبت في التعويض. بهذا المعنى، يصبح الاعتراض والتعويض جزءاً من تصميم المشروع، لا إجراءً تصحيحياً بعد بدء التنفيذ.
خامساً: توصيات تنفيذية
تترجم التوصيات التالية الخيارات السابقة إلى إجراءات محددة، موزعة بحسب الجهات المسؤولة عن الاستثمار، إدارة الأصول، التخطيط، وحماية الحقوق.
1- على الإدارة الانتقالية إصدار إطار مؤقت خاص بمشاريع التطوير العقاري الكبرى، يربط أي مشروع يمس حقوق السكن والأرض والملكية بتدقيق مسبق في الحقوق، قبل توقيع العقود أو إدخال الأراضي في أي شراكة استثمارية.
2- على هيئة الاستثمار السورية والجهات الناظمة للاستثمار تحديد المسار القانوني لكل مشروع قبل عرضه على المستثمرين، بما في ذلك ما إذا كان سيخضع لقانون الاستثمار رقم 18 لعام 2021 المعدل بالقانون رقم 2 لعام 2023 وتعليماته التنفيذية، أو لأي صيغة قانونية أخرى.
3- على الصندوق السيادي نشر بيانات الأراضي والعقارات التي سيطرحها للاستثمار، ولا سيما موقعها، مساحتها، وضعها القانوني، مصدر انتقالها إلى الصندوق، الجهة المالكة أو المديرة لها، وطريقة تقييمها.
4- على وزارة الإدارة المحلية والبيئة، بالتنسيق مع الوحدات الإدارية، إنشاء سجل مطالبات محلي في كل منطقة تدخل ضمن مشروع تطوير عقاري واسع، يتيح لأصحاب الحقوق تقديم الوثائق الرسمية والبديلة ضمن آلية تحقق واضحة.
5- على الوحدات الإدارية تعليق أي تصرف نهائي بالأرض أو تغيير في استخدامها داخل نطاق مشاريع التطوير، إلى حين انتهاء فترة الاعتراض الأولية والبت في المطالبات الأساسية.
6- على الإدارة الانتقالية فصل الأدوار المؤسسية داخل مشاريع التطوير العقاري الكبرى، بين الجهة التي تملك أو تدير الأصول، والجهة التي تنظم التخطيط العمراني، والجهة التي تتعاقد مع المستثمرين، والجهة التي تنظر في اعتراضات أصحاب الحقوق، مع ربط أي دعم دولي بمعايير حماية حقوق السكن والأرض والملكية.
