ماروتا وباسيليا؛ جبر الضرر وحدود الإنصاف
الكاتب: مازن عزي
صدر المرسوم 66 لعام 2012 بوصفه أداة لإعادة تنظيم مناطق واسعة من السكن المخالف والعشوائي في دمشق، لكنه تحول، خلال أكثر من عقد، إلى أحد أكثر ملفات الملكية والسكن حساسية في سوريا. فالمشكلة لم تعد محصورة في مخطط عمراني أو تأخر إداري، بل في مسار طويل غيّر شكل الحق نفسه: من عقار مباشر إلى أسهم تنظيمية، ومن مسكن قائم إلى وعد بسكن بديل، ومن ملكية قابلة للاستعمال اليومي إلى حق يحتاج إلى إثبات وتقدير وتخصيص وتمويل وانتظار. وبذلك، صار المرسوم اختباراً لطريقة إنتاج الحقوق داخل مشروع إعادة إعمار قبل أن يكون اختباراً للقدرة على تنفيذ الأبنية والطرق والبنى التحتية.
بعد سقوط نظام الأسد، عاد الملف إلى الواجهة من موقع جديد. لم تعد ماروتا وباسيليا مشروعين معلقين يمكن التعامل معهما كمنطقتين خاويتين، بل صارتا واقعاً قانونياً وعمرانياً ومالياً تشكّل فعلاً. نشأت أسهم، وتداولت حقوق، ودخل مشترون ومقاولون وشركات، وبدأت أعمال بناء في بعض المقاسم، في حين بقي السكن البديل متعثراً، وبدلات الإيجار متآكلة، وملفات بعض المستحقين معلقة بسبب الغياب أو التهجير أو الإشارات الأمنية والقانونية. لذلك، وجدت محافظة دمشق نفسها أمام ملف مزدوج: مشروع يصعب تفكيكه من دون نزاعات جديدة، وضرر اجتماعي وحقوقي يصعب تجاوزه بمجرد الاستمرار في التنفيذ.
تكشف حزمة الإجراءات التي أعلنتها محافظة دمشق في 5 أيار 2026 عن اتجاه المقاربة الرسمية في هذه المرحلة. المحافظة لم تذهب إلى تعليق المرسوم أو إعادة صياغته قانونياً، بل إلى تصحيح بعض آثاره من داخل بنيته القائمة: رفع بدلات الإيجار، إعادة فتح ملفات مستبعدين، زيادة المساحات الطابقية المخصصة لأصحاب الحقوق السهمية، وتمويل أبراج للسكن البديل وتخفيف كلفته على المستحقين. بهذا المعنى، لم يأتِ جبر الضرر كبديل عن المشروع، بل كآلية لجعل استكماله ممكناً بعد الاعتراف بجزء من الأضرار التي تراكمت خلال سنوات التطبيق السابقة.
تكمن أزمة المرسوم 66 في الآليات التي حوّلت التنظيم العمراني إلى مسار طويل لإعادة تعريف الملكية والسكن والقدرة على التفاوض. فالملكية بقيت معترفاً بها قانونياً، لكنها صارت أسهماً على الشيوع تمر عبر لجان وتقديرات وتخصصات وشركات أو مزادات. والسكن البديل بقي حقاً منصوصاً عليه لبعض الفئات، لكنه صار مشروطاً بالإثبات، والإقامة، والقدرة على التمويل، وانتظار التنفيذ. ومع حاجة المحافظة إلى تسييل موارد المشروع لتمويل البنى التحتية والسكن البديل، أصبحت العلاقة بين الحق والتخطيط والاستثمار أكثر تعقيداً من معادلة تعويضية بسيطة.
تتحدد حدود التصحيح هنا بقدرته على معالجة ضرر نشأ من داخل آليات المشروع نفسها، لا من أخطاء تطبيقية لاحقة فقط. فرفع بدل الإيجار أو إعادة بعض الحقوق المستبعدة يخففان جزءاً من الخسارة، لكنهما لا يكفيان لمعالجة قضايا التقييم، وحصة أصحاب الحقوق، وتمثيل المتضررين، وشفافية الموارد والعقود، ومصير أصحاب الحصص الصغيرة ومستحقي السكن البديل. كما تضيف الملاحقة القضائية لبعض ممثلي المتضررين بعداً آخر إلى الملف، لأنها تجعل جبر الضرر مرتبطاً بالمبالغ والقرارات من جهة، وبمساحة الاعتراض والتنظيم والتفاوض من جهة أخرى.
تتحدد المسألة، إذن، في قدرة حزمة جبر الضرر على التحول من تسوية جزئية تسمح باستكمال ماروتا وباسيليا، إلى مدخل لإعادة ضبط العلاقة بين التنظيم والحقوق. ويظهر ذلك عبر ثلاثة مستويات مترابطة: انتقال المقاربة الرسمية من مراجعة المرسوم إلى تصحيح آثاره، الآليات القانونية والعمرانية التي حوّلت الملكية والسكن إلى أسهم واستحقاقات مؤجلة، ثم حدود التسوية الممكنة في مشروع صار قائماً، لكنه ما زال يفتقر إلى ثقة جزء مهم من أصحاب الحقوق.
من مراجعة المرسوم إلى تصحيح آثاره
مثّل بيان محافظة دمشق في 5 أيار 2026 لحظة حاسمة في مسار التعامل الرسمي مع المرسوم 66 بعد أشهر من الغموض. فمنذ عودة الملف إلى الواجهة، عقب سقوط نظام الأسد وتصاعد اعتراضات أصحاب الحقوق في منطقتي ماروتا وباسيليا سيتي، بدا أن مستقبل المشروع مفتوح على أكثر من احتمال: مراجعة قانونية، تعديل في آليات التنفيذ، إحالة إلى مجلس الشعب، أو تجميد أوسع إلى حين التوصل إلى صيغة جديدة. غير أن الحزمة التي أعلنتها المحافظة أظهرت اتجاهاً مختلفاً، يقوم على معالجة الأضرار المتراكمة من داخل الإطار التنظيمي القائم، لا على تعليق العمل به أو إعادة بنائه من نقطة الصفر.
بدأ هذا التحول بالتشكل تدريجياً منذ خريف 2025. فقد أعلن محافظ دمشق، في 20 تشرين الأول 2025، تجميد العمل في باسيليا سيتي، في ظل تصاعد الانتقادات الموجهة إلى طريقة تطبيق المرسوم خلال عهد نظام الأسد، وما رافقها من شكاوى تتعلق بتقدير الحقوق، والسكن البديل، وبدلات الإيجار، واستبعاد بعض المالكين والمستحقين لأسباب أمنية أو إدارية. وبعد ذلك، أصدرت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، في 4 كانون الأول 2025، قراراً بتشكيل لجنة خاصة لمراجعة مراحل تنفيذ المرسوم 66، والتثبت من تمثيل الحقوق، ودراسة التظلمات، ورفع المقترحات والتوصيات المتعلقة بالمشروع. وقد ضمت اللجنة ممثلين عن وزارات الإدارة المحلية والعدل والإسكان، ومحافظة دمشق، وشركة دمشق الشام القابضة التابعة لمحافظة دمشق والمفوضة بإدارة أملاكها، ونقابتي المحامين والمهندسين، إضافة إلى خبير تقييم عقاري وخبيرين يمثلان المالكين في المنطقتين التنظيميتين.
أعطى تشكيل اللجنة، في حينه، انطباعاً بأن الملف خرج من كونه شأناً إدارياً محصوراً بمحافظة دمشق ومديرية تنفيذ المرسوم 66، وبات موضوع مراجعة أوسع داخل مؤسسات الإدارة الانتقالية. كما عكس اعترافاً ضمنياً بأن الإشكالات التي تراكمت حول ماروتا وباسيليا تجاوزت الأخطاء التقنية أو الإدارية، ومَسّت بنية العلاقة بين أصحاب الحقوق والجهات التي أدارت المشروع. لذلك، اتسعت مطالب المتضررين من تحسين شروط التعويض إلى إعادة النظر في تمثيلهم داخل اللجان، وآليات التقييم والتخصيص والتداول، ومصير السكن البديل الذي تحول، بفعل التأخير وارتفاع التكاليف، إلى أحد أكثر وجوه الملف حساسية.
لكن إجراءات أيار 2026 نقلت النقاش من مستوى مراجعة المسار إلى مستوى تصحيح آثاره. فقد ركزت المحافظة على ملفات تظلم محددة، وإعادة حقوق كانت معلقة أو مستبعدة، وتحسين بدلات الإيجار، وزيادة المساحات الطابقية للمستحقين، وتمويل السكن البديل وتخفيف كلفة تنفيذه على المستحقين.
تعكس هذه الحزمة محاولة واضحة لإعادة بناء علاقة أقل توتراً مع أصحاب الحقوق، عبر الاعتراف ببعض الأضرار التي نتجت عن التطبيق السابق للمرسوم، وخصوصاً تلك المرتبطة بالتأخير، وحرمان بعض المستحقين، وتآكل قيمة بدلات الإيجار بفعل الانهيار النقدي. وهي، بهذا المعنى، تحمل أهمية عملية بالنسبة إلى مستحقين انتظروا سنوات طويلة للحصول على سكن بديل، أو بدل إيجار معقول، أو تثبيت حقوق كانت معلقة.
تكشف الحزمة نفسها حدود المقاربة الرسمية. فالمحافظة لم تطرح مراجعة شاملة لأسس التقييم العقاري، ولا لطريقة احتساب الحصص السهمية، ولا للعلاقة المالية والإدارية بين مديرية تنفيذ المرسوم 66 وشركة دمشق الشام القابضة، ولا للعقود الاستثمارية التي أُبرمت خلال السنوات الماضية. كما أنها لم تقدم إطاراً واضحاً لمشاركة أصحاب الحقوق في اتخاذ القرار، خارج لجان الاعتراض والتظلم والمسارات الفنية والقانونية التي تشرف عليها. لذا، فقد بقيت المعالجة أقرب إلى تصحيح اختلالات محددة داخل المشروع، منها إلى إعادة فتح المنظومة التي حكمت إنتاج الحقوق وتوزيع الأعباء والعوائد داخله.
تستند المحافظة في هذا الخيار إلى حجة واقعية يصعب تجاهلها. فبعد أكثر من عقد على صدور المرسوم 66، تحولت أجزاء من المشروع، خصوصاً في ماروتا، إلى واقع عمراني واستثماري قائم، دخلت فيه حقوق جديدة ومراكز قانونية متداخلة: مالكون أصليون، مكتتبون على السكن البديل، مشترون للأسهم، مقاولون، شركات، ومستثمرون تعاقدوا مع شركة دمشق الشام القابضة أو مع أصحاب مقاسم تنظيمية. كما أُنجزت أجزاء من البنى التحتية، وبدأت أعمال البناء في العديد من المقاسم، في حين بقيت أجزاء أخرى معلقة أو متعثرة. ضمن هذا الواقع، يحمل التراجع الكامل عن المشروع كلفة قانونية ومالية كبيرة، لأنه قد يفتح بدوره سلسلة جديدة من النزاعات حول العقود، والأسهم المتداولة، والمقاسم المخصصة، والحقوق التي نشأت بعد التنظيم.
من هنا، تبدو محافظة دمشق كأنها تحاول الموازنة بين مطلبين متعارضين. فمن جهة، هناك حاجة إلى الاعتراف بالأضرار التي لحقت بأصحاب الحقوق، وخصوصاً من حُرموا سابقاً من السكن البديل أو التعويضات أو تثبيت الملكية لأسباب أمنية، أو بسبب الغياب والتهجير وضياع الوثائق. ومن جهة أخرى، هناك رغبة واضحة في الحفاظ على استمرارية المشروع، باعتباره إطاراً تنظيمياً وعمرانياً متقدماً يصعب تفكيكه من دون كلفة قانونية ومالية كبيرة.
يفسر هذا الخيار التوتر الذي أعقب إعلان الحزمة. فبالنسبة إلى المحافظة، تمثل الإجراءات الجديدة اعترافاً بالضرر وخطوة عملية نحو الإنصاف، من دون التضحية بما تحقق عمرانياً أو فتح الباب أمام فوضى قانونية جديدة. أما بالنسبة إلى قسم من المتضررين، فإن تحسين بدل الإيجار، أو زيادة المساحات الطابقية، أو إعادة بعض الحقوق المستبعدة، لا يكفي لمعالجة الخلل الأعمق المتعلق بالتقييم، والتمثيل، وحصة المالكين من العوائد، ودور المحافظة كشريك إداري ومالي في المشروع.
تكشف إجراءات أيار 2026 عن محاولة لإعادة تثبيت المشروع بشروط جديدة، عبر تخفيف كلفة الضرر الاجتماعي والمالي الذي تراكم خلال السنوات الماضية. غير أن نجاح هذه المقاربة سيبقى مرتبطاً بقدرتها على تجاوز منطق التسويات الجزئية، نحو معالجة أكثر شفافية لملفات التقييم، والسكن البديل، والعقود الاستثمارية، وتمثيل أصحاب الحقوق. فالمشكلة التي تواجه ماروتا وباسيليا اليوم لا تتعلق فقط بكيفية استكمال مشروع تنظيمي متعثر، بل بكيفية تحويل هذا الاستكمال إلى مسار يرمم الثقة بالحقوق، بدلاً من أن يعيد إنتاج الشكوك التي رافقت تطبيق المرسوم منذ بداياته.
الإطار القانوني والعمراني: من الحقوق المباشرة إلى الأسهم التنظيمية والسكن البديل
يقوم المرسوم 66 لعام 2012 على فكرة تنظيمية واضحة: إعادة تخطيط مناطق واسعة من السكن المخالف والعشوائي ضمن مدينة دمشق، وتحويلها إلى منطقتين تنظيميتين وفق مخططات عمرانية جديدة. وقد شملت المنطقة الأولى أجزاء من المزة وكفرسوسة، التي عُرفت لاحقاً باسم ماروتا سيتي، بينما شملت المنطقة الثانية جنوبي المتحلق الجنوبي من مناطق المزة وكفرسوسة وقنوات بساتين وداريا والقدم، التي عُرفت باسم باسيليا سيتي. المرسوم قُدّم حينها كأداة قانونية لتطوير مناطق كانت تعاني من ضعف الخدمات، وانتشار البناء المخالف، مع لحظ حقوق لأصحاب العقارات والشاغلين المستحقين، كل بحسب وضعه القانوني.
بموجب هذا الإطار، لا يحتفظ صاحب الحق بعقاره السابق كما هو، ولا يحصل مباشرة على عقار بديل محدد. فالمرسوم يحوّل أملاك المنطقة التنظيمية إلى ملكية على الشيوع بين أصحاب الحقوق، كلٌّ بحسب القيمة المقدرة لملكيته أو حقه العيني قبل التنظيم. وبهذا ينتقل الحق من أرض أو بناء أو محل سكن محدد، إلى حصة سهمية في المقاسم التنظيمية المعدة للبناء بعد إنجاز المخطط.
تبدأ هذه العملية بحصر العقارات وتوصيفها. فتُعدّ الجداول العقارية، وتُكشف العقارات القائمة، وتُسجّل الأبنية والإنشاءات والأشجار والمزروعات والشاغلون والحقوق المدعى بها. في هذه المرحلة، يُطلب من المالكين وأصحاب الحقوق تقديم وثائقهم أو التصريح بحقوقهم، بينما تُحال المنازعات والاعتراضات إلى لجنة حل الخلافات. لذلك، لا يدخل الجميع إلى مرحلة الأسهم بالطريقة نفسها؛ فمن يملك وثائق واضحة وحضوراً قانونياً يكون موقعه أقوى من الغائب أو المهجر أو صاحب الحق المتنازع عليه.
بعد ذلك، تأتي مرحلة التقدير. فلا تُحسب الحقوق على أساس مساحة العقار وحدها، بل على أساس قيمة تقديرية تراعي الموقع، ووضع العقار، ونوع الملكية، والصفة التنظيمية، وما عليه من أبنية أو حقوق عينية. ثم تُقدَّر قيمة المقاسم التنظيمية الجديدة بعد إعداد المخطط، وتُقارن بقيمة الحقوق الأصلية داخل المنطقة. وعلى أساس هذه المقارنة، تُحتسب حصة كل صاحب حق في الملكية الشائعة، وتتحول إلى أسهم تنظيمية ضمن المقاسم المخصصة لأصحاب الحقوق.
لكن الحصول على الأسهم لا يعني امتلاك مقسم محدد أو القدرة فوراً على البناء. فالسهم هو حصة شائعة داخل المشروع، وتحويله إلى منفعة فعلية يحتاج إلى خطوات لاحقة: إما تجميع أسهم كافية للتخصص بمقسم، أو الدخول في شركة مع مالكين آخرين، أو بيع الأسهم أو المقسم بالمزاد عند تعذر التجميع أو الشراكة. هنا تظهر الفوارق بين أصحاب الحقوق. فصاحب الحصة الكبيرة يستطيع التفاوض أو التخصص أو الشراكة من موقع أقوى، بينما يجد صاحب الحصة الصغيرة نفسه أقرب إلى البيع أو القبول بترتيبات لا يتحكم بشروطها.
هذه الآلية تفسر جانباً مهماً من الاعتراضات على المرسوم. فالملكية بقيت معترفاً بها قانونياً، لكنها لم تعد علاقة مباشرة بعقار يمكن استعماله، بل أصبحت حقاً سهمياً يمر عبر لجان وتقديرات وجداول وتخصصات وشركات ومزادات. وكلما طال الزمن بين تقدير الحق الأصلي وتحويل السهم إلى مسكن أو عائد، اتسعت الفجوة بين الاعتراف القانوني بالحق والقدرة الفعلية على الاستفادة منه، خصوصاً بالنسبة إلى أصحاب الحصص الصغيرة، والغائبين، والمهجرين، ومن تعرقلت ملفاتهم بسبب نقص الوثائق أو الإشارات القانونية أو الأمنية.
يقود هذا التمييز إلى الركن الثاني في بنية المرسوم: السكن البديل. فبينما يحصل مالكو العقارات المرخصة أصولاً وأصحاب الحقوق العينية المعترف بها على أسهم تنظيمية في المقاسم السكنية المعدة للبناء، لا تدخل فئات أخرى في المسار نفسه، بل تُحال إلى مسار الاكتتاب على السكن البديل غير المجاني. وتشمل هذه الفئات، خصوصاً، أصحاب المساكن غير المرخصة، ومن كانوا يملكون أرضاً زراعية داخل المنطقة التنظيمية وبنوا عليها عقاراً سكنياً أو تجارياً، إضافة إلى بعض شاغلي أملاك الدولة، في حال توفر فائض من المساكن البديلة لدى محافظة دمشق.
هذا التمييز أساسي لفهم المرسوم 66 وتميزه عن أدوات تنظيمية أو استملاكية أخرى تجاهلت أوضاع سكان العشوائيات والمخالفات. فالأسهم التنظيمية تعويض عن ملكية أو حق عيني معترف به، أما السكن البديل فهو مسار مخصص لفئات فقدت مسكناً أو إشغالاً ضمن شروط محددة. ويحصل مستحقو السكن البديل على بدلات إيجار مؤقتة إلى حين التسليم، لكن السكن البديل نفسه ليس تعويضاً مجانياً، بل مسكن يكتتب عليه المستحق ويدفع تكلفته وفق أقساط وشروط تحددها الجهات العامة المعنية. وهذا ما جعل السكن البديل، رغم أهميته كاعتراف بوضع سكان المخالفات والعشوائيات، واحداً من أكثر ملفات المرسوم حساسية مع تأخر التنفيذ وتراجع قيمة بدلات الإيجار.
وتحوّل السكن البديل، مع مرور الوقت، من ضمانة اجتماعية موعودة إلى مصدر إضافي للتوتر. فقد تأخر تنفيذ الأبراج لسنوات طويلة، وبقي آلاف المستحقين خارج مساكنهم، يعتمدون على بدلات إيجار فقدت قيمتها الفعلية مع انهيار الليرة وارتفاع أسعار السكن في دمشق. كما أن كلفة الاكتتاب والتخصيص والأقساط أصبحت أثقل على المستحقين، خصوصاً بعد سنوات من النزوح أو تراجع الدخل أو فقدان العمل. وبذلك، لم تعد المشكلة محصورة في موعد التسليم، بل امتدت إلى قدرة المستحقين أنفسهم على تمويل السكن البديل الذي يفترض أن يعوضهم عن خسارة مساكنهم الأصلية.
زاد القرار رقم 112 لعام 2015، الصادر عن وزير الإسكان والناظم لاستحقاق السكن البديل، من تعقيد الملف، لأنه لم يربط الاستحقاق بمجرد وجود مسكن داخل المنطقة التنظيمية، بل بسلسلة شروط إثبات. فالشاغل كان عليه أن يثبت أنه أقام فعلياً في العقار منذ صدور المرسوم 66 وحتى لحظة الإخلاء، وأن يثبت صفته في الإشغال أو الملكية، وأن يقدم الوثائق التي تسمح بإدخال ملفه في جداول المستحقين. وبذلك، لم يعد السكن البديل مرتبطاً فقط بخسارة المسكن، بل بالقدرة على إثبات هذه الخسارة وفق مسار إداري دقيق. هذا الشرط اصطدم بواقع الحرب والملاحقة الأمنية والنزوح والخروج من البلاد، إذ غادر كثيرون مساكنهم قبل الإخلاء الرسمي، أو فقدوا وثائقهم، أو عجزوا عن توكيل من يتابع ملفاتهم، فتحول شرط الإقامة المستمرة من أداة ضبط إداري إلى سبب لاستبعاد قسم من المتضررين.
من هنا تأتي أهمية الإجراءات الجديدة لمحافظة دمشق. فإعادة فتح ملفات مستحقين استُبعدوا سابقاً من السكن البديل أو بدل الإيجار تعني عملياً أن المحافظة تقر بأن آليات التطبيق السابقة حرمت أشخاصاً كان يمكن أن يدخلوا ضمن الاستحقاق لولا شروط الإقامة أو نقص الوثائق أو الإشارات الأمنية والقانونية. كما أن رفع بدلات الإيجار، وتمويل أبراج جديدة للسكن البديل، وتقسيط الكلفة، وخفض النسبة المحتسبة من تكاليف التنفيذ، تنقل الملف من مجرد الاعتراف بالاستحقاق إلى سؤال القدرة الفعلية على الوصول إلى المسكن. فالمستحق لا ينتظر التخصيص فقط، بل يواجه أيضاً سعر المتر، ومدة التقسيط، والدفعات المطلوبة عند التخصيص أو التسليم، وموقع الأبراج قياساً بالمنطقة التي خرج منها. لذلك، لا يُقاس حل ملف السكن البديل بعدد الملفات المعاد فتحها وحده، بل بقدرة هذه الإجراءات على تحويل الاستحقاق من قيد إداري وبدل إيجار مؤقت إلى مسكن قابل للتمويل والاستلام.
تكشف آليتا الأسهم التنظيمية والسكن البديل أن الإشكال في المرسوم 66 لا يقتصر على فكرة التنظيم العمراني نفسها. فإعادة تخطيط مناطق مخالفة وعشوائية، وتوفير طرق وبنى تحتية ومساحات عامة، يمكن أن يشكل مدخلاً لتحسين المدينة. كما أن تحويل الملكيات المتداخلة إلى ملكية على الشيوع ثم إلى أسهم تنظيمية قد يكون وسيلة قانونية لتوزيع الحقوق في مشروع لا يمكن تنفيذه مع الإبقاء على البنية العقارية السابقة كما هي. لكن هذه الآليات لا تنتج إنصافاً تلقائياً. فهي تنقل الحق من علاقة مباشرة بعقار أو مسكن إلى مسار من التقدير، والتخصيص، والتجميع، والتقسيط، والانتظار.
الحق المعترف به قانونياً قد يبقى ضعيف الأثر إذا لم يستطع صاحبه تحويله إلى مقسم، أو شركة، أو عائد، أو مسكن بديل قابل للتمويل. لذلك، لا يتساوى أصحاب الحقوق داخل الآلية نفسها: من يملك حصة كبيرة ووثائق واضحة وقدرة مالية يكون أقرب إلى الاستفادة من التنظيم، بينما يواجه أصحاب الحصص الصغيرة، والغائبون، والمهجرون، ومستحقو السكن البديل، مساراً أطول وأكثر كلفة وأكثر اعتماداً على قرارات اللجان والجهات الإدارية.
بهذا المعنى، تبدو أزمة المرسوم 66 أزمة إدارة للحقوق بقدر ما هي أزمة قانون أو عمران. فقد جمع المشروع بين هدف تنظيمي واسع ومنظومة تنفيذية معقدة، تتداخل فيها صلاحيات محافظة دمشق، ومديرية تنفيذ المرسوم 66، وشركة دمشق الشام القابضة، ولجان الحصر والتقدير والتوزيع وحل الخلافات. وكلما طال التنفيذ، أو غابت الشفافية، أو ضعف تمثيل أصحاب الحقوق في مراجعة الأرقام والقرارات، تحولت الآلية التنظيمية نفسها إلى مصدر للغبن، حتى عندما تبقى الملكيات أو الاستحقاقات معترفاً بها من حيث المبدأ.
لذلك، لا تكفي قراءة الحزمة الجديدة التي أعلنتها محافظة دمشق في 5 أيار الماضي من زاوية التعويضات المباشرة. فرفع بدل الإيجار، وزيادة المساحات الطابقية، وتمويل السكن البديل، وإعادة فتح بعض الملفات، كلها إجراءات تخفف جزءاً من الضرر. لكنها لا تكفي وحدها لتحويل الحق داخل المشروع من سهم أو قيد أو وعد بسكن بديل إلى منفعة فعلية يستطيع صاحبها الدفاع عنها والاستفادة منها. ومن دون مراجعة أوضح لآليات التقييم، والتخصيص، والتقسيط، والتمثيل، ستبقى الحزمة تصحيحاً مهماً داخل المسار، لا إعادة ضبط كاملة لقواعد العدالة فيه.
جبر الضرر وحدود التسوية
أعادت حزمة 5 أيار 2026 تحديد موقع الخلاف حول ماروتا وباسيليا. فبعد أشهر من النقاش حول احتمال مراجعة المرسوم أو تجميده أو تعديل مساره، اختارت محافظة دمشق معالجة الملف من داخل المشروع نفسه. فتحت ملفات تظلم، ورفعت بدلات الإيجار، وأعادت النظر في بعض الاستبعادات السابقة، وطرحت تمويلاً جديداً للسكن البديل، وزادت المساحات الطابقية المخصصة لأصحاب الحقوق السهمية. بهذه الخطوات، جعلت المحافظة جبر الضرر جزءاً من مسار استكمال المشروع، لا مدخلاً إلى تعليقه أو إعادة تأسيسه.
منحت هذه المقاربة الحزمة طابعاً مزدوجاً. فهي من جهة تعترف بأن التطبيق السابق أنتج أضراراً فعلية: مستحقون حُرموا من السكن البديل أو بدلات الإيجار، حقوق بقيت معلقة بسبب إشارات أمنية أو قانونية، بدلات فقدت قيمتها، وسكن بديل تأخر سنوات. ومن جهة أخرى، أبقت إدارة التصحيح داخل البنية الإدارية والمالية نفسها التي أدارت المشروع: محافظة دمشق، مديرية تنفيذ المرسوم 66، اللجان الفنية والقانونية والمالية، وشركة دمشق الشام القابضة. لذلك، انتقل الاعتراض بعد الحزمة من قيمة التعويضات وحدها إلى الجهة التي تحتسب الضرر، وتقرر طريقة جبره، وتراقب تنفيذ الحل.
هنا يظهر التمثيل كآلية أساسية في النزاع، لا كتفصيل تنظيمي. فالمحافظة تقول إن اللجان التي شكلتها بعد بيان 5 أيار مهمتها استقبال الاعتراضات، ومعالجة الإشارات، وتعديل بعض المخططات، وتثبيت الحقوق، وصرف المستحقات. في المقابل، يطالب قسم من المتضررين بأن يجري التفاوض عبر لجان منتخبة أو مفوضة من أصحاب الحقوق أنفسهم، لا عبر أطر إدارية تشكلها الجهة صاحبة القرار. الفارق بين المسارين كبير: لجان الاعتراض تستقبل الملفات ضمن قواعد موضوعة مسبقاً، أما لجان التمثيل الأهلي فتسعى إلى مراجعة القواعد نفسها، من التقييم والحصص إلى السكن البديل والعوائد وآليات التنفيذ.
ويتصل الخلاف على التمثيل بموقع محافظة دمشق داخل المشروع. فالمحافظة طرف إداري ومالي وتنفيذي أساسي، وليست جهة تحكيم خارجية بين أصحاب الحقوق والمستثمرين. فهي تدير التنظيم، وتمثل الشخصية الاعتبارية للمنطقة التنظيمية، وتمتلك شركة دمشق الشام القابضة، وتحتاج في الوقت نفسه إلى موارد لاستكمال البنى التحتية والسكن البديل وبدلات الإيجار. هذا التداخل لا يجعل أي إجراء تصحيحي موضع رفض تلقائي، لكنه يفرض مستوى أعلى من الشفافية، لأن الجهة التي تعلن جبر الضرر هي نفسها الجهة التي تدير موارد المشروع وتحدد أوجه صرفها.
من هنا يخرج النقاش من حدود التعويضات إلى بنية تمويل المشروع كما صاغها المرسوم 66 نفسه. فالمشروع لا يقوم فقط على توزيع المقاسم بين أصحاب الحقوق، بل يلحظ أيضاً اقتطاع مقاسم وموارد لمصلحة الجهة الإدارية والتنفيذية، تُستخدم في تغطية نفقات التنظيم وتجهيز البنى التحتية وتمويل السكن البديل وبدلات الإيجار. وتستند المحافظة إلى هذه الآلية في تبرير تسييل بعض المقاسم واستثمار موارد المشروع، على اعتبار أن العوائد مخصصة للطرق والحدائق والخدمات والسكن البديل، وليست حصة نقدية مباشرة توزع على المالكين. في المقابل، يرى متضررون أن هذه العوائد نتجت أصلاً من تنظيم أراضٍ كان لها مالكون وشاغلون وسكان، وأن إخراجها من النقاش يحصر جبر الضرر في مبالغ وملفات محددة، بينما تبقى القيمة العقارية الأكبر خارج المراجعة.
لهذا السبب، يتجاوز الخلاف حدود الأرقام المعلنة إلى طريقة إنتاجها. مثلاً، تقول المحافظة إن حصة أصحاب الحقوق السهمية في ماروتا تعادل وسطياً نحو 98 بالمئة من مساحة أملاكهم قبل التنظيم. لكن هذه النسبة يصعب قبولها كما هي، لأنها لا تنسجم مع آلية المرسوم التي تقوم على تحويل الحقوق إلى أسهم على الشيوع، وتوزيع المقاسم التنظيمية وفق علاقة قيمية لا مساحية مباشرة. كما أن المحافظة لا توضّح طريقة حساب النسبة. لذلك، تبدو نسبة 98 بالمئة أقرب إلى رقم دفاعي في خطاب المحافظة، منه إلى معطى كافٍ لقياس حصة المالكين أو عدالة التوزيع.
في المقابل، تطرح البيانات الأهلية المسألة من زاوية مختلفة، حين تطالب برفع حصة المالكين في ماروتا سيتي من 17 بالمئة إلى 25 بالمئة. وهذه النسبة، مثل رقم 98 بالمئة الذي تطرحه المحافظة، تبقى بحاجة إلى توضيح طريقة احتسابها. لكنها تكشف انتقال الاعتراض من مساحة التعويض إلى حصة المالكين من المشروع وقيمته والعوائد التي أنتجها التنظيم. فالنزاع هنا لا يتعلق بفارق بين رقمين، بل بتعارض بين طريقتين في قياس الحق: طريقة رسمية تركز على المساحات الطابقية المخصصة لأصحاب الحقوق، وطريقة أهلية تربط العدالة بحصة المالكين من القيمة العقارية الجديدة الناتجة عن المشروع. في الحالتين، يبقى أساس الاحتساب غير موضح بما يكفي، خصوصاً في ضوء الاقتطاعات، وحصة المحافظة، والقيمة العقارية الجديدة، وآليات تمويل المشروع من موارده. ويزداد هذا الخلاف حساسية لأن جزءاً من قيمة المشروع وموارده يُستخدم، وفق منطق المرسوم والمحافظة، في تمويل البنى التحتية والسكن البديل وبدلات الإيجار، لا كحصص لأصحاب الحقوق.
يزيد تاريخ التنفيذ من تعقيد هذه التسوية. فالضرر تراكم عبر الزمن، لا في لحظة واحدة يمكن تعويضها بقرار إداري. تأخر السكن البديل، وانهارت قيمة بدلات الإيجار، وتغيرت قيمة الأسهم، ودخل مشترون ومقاولون وشركات، واضطر بعض أصحاب الحقوق إلى بيع أسهم أو حقوق تحت ضغط الحاجة أو الغياب أو طول الانتظار. لذلك، تحتاج معالجة هذه الخسائر إلى أكثر من إعادة فتح بعض الملفات أو تحسين بعض البدلات. فهناك حقوق بقيت قائمة على الورق، لكنها تغيرت عملياً بفعل الزمن والسوق والاضطرار.
في المقابل، يطرح مطلب إلغاء المرسوم بالكامل تعقيدات عملية كبيرة. فالمشروع تجاوز مرحلة المخطط على الورق. خلال السنوات الماضية نشأت أسهم متداولة، ومقاسم مخصصة، وعقود، وعمليات بيع وشراء، وأعمال بناء، والتزامات مع مقاولين وشركات ومستثمرين. لذلك، يضطر حتى الخطاب المطالب بإسقاط المرسوم إلى التمييز بين إلغاء الإطار القانوني القديم، وبين التعامل مع الحقوق والعقود والأوضاع القانونية التي نشأت بعده. مركز النزاع الفعلي صار أقرب إلى المفاضلة بين استمرار مشروط بمراجعة عميقة، واستمرار إداري يكتفي بتصحيح بعض النتائج.
زاد انتقال الخلاف إلى المسار القضائي من هشاشة الثقة. فتوقيف بعض الوجوه المرتبطة بحراك المتضررين، ثم إخلاء سبيلهم مع استمرار الملاحقة، أدخل الاعتراضات في منطقة أكثر حساسية. وبصرف النظر عن نتيجة القضية، فإن أثرها السياسي والحقوقي واضح: بناء تسوية مستقرة يصبح أصعب عندما يشعر المتضررون أن نقد قرارات المحافظة أو التشكيك في أرقامها قد يتحول إلى ملف جزائي. فملف يتعلق بالسكن والملكية والتعويض يحتاج إلى مساحة آمنة للاعتراض والتنظيم والتفاوض، لا إلى علاقة يختلط فيها وعد الإنصاف بالخوف من الملاحقة.
بهذا المعنى، يختبر جبر الضرر طريقة إدارة النزاع نفسه، وليس فقط قدرة المحافظة على دفع بدلات أعلى أو فتح ملفات إضافية. فالتصحيح الفعلي يحتاج إلى آليات واضحة لتمثيل أصحاب الحقوق، ونشر الأرقام الأساسية، وتفسير طريقة احتساب الحصص، ومراجعة كلفة السكن البديل، وبيان موارد المشروع وأوجه صرفها، وحماية أصحاب الحصص الصغيرة ومن تضرروا بسبب الغياب أو التهجير أو نقص الوثائق. ومع غياب هذه العناصر، تبقى الحزمة قادرة على تخفيف بعض الأضرار، لكنها تبقى محدودة في قدرتها على إعادة بناء الثقة بالمسار الذي أنتجها.
لذلك تبدو التسوية المطلوبة أوسع من حزمة أيار، وإن كانت الحزمة مدخلاً مهماً لها. فاستكمال ماروتا وباسيليا يحتاج إلى مسار يتجنب خيارين قاصرين: تجميد كامل يتجاهل الحقوق والعقود والمراكز القانونية التي نشأت خلال السنوات الماضية، أو تنفيذ سريع يحوّل جبر الضرر إلى غطاء للاستمرار بالشروط نفسها. المسار الأكثر توازناً هو استمرار مشروط: يعترف بما نشأ من حقوق جديدة، ويفتح في الوقت نفسه ملفات التقييم، والتمثيل، والعوائد، والسكن البديل، والعقود، وحماية الفئات الأضعف داخل المشروع. عند هذا الحد فقط يمكن لجبر الضرر أن يصبح أكثر من تسوية إدارية متأخرة، وأن يتحول إلى آلية لإعادة ضبط العلاقة بين أصحاب الحقوق والجهة التي تدير التنظيم.
خاتمة: بين استكمال المشروع وإعادة بناء الثقة
يكشف مسار المرسوم 66 بعد سقوط نظام الأسد أن النزاع حول ماروتا وباسيليا تجاوز ثنائية البقاء أو الإلغاء. فالمشروع أنتج واقعاً لا يمكن تجاهله، وضرراً لا يمكن اختزاله في تأخر التنفيذ أو ضعف التعويضات. لهذا تبدو حزمة 5 أيار 2026 خطوة مهمة، لكنها محدودة بحدود المنطق الذي صدرت عنه. فهي تتحرك داخل المشروع، لا خارجه؛ تعالج ملفات محددة، ولا تعيد فتح كامل منظومة التقييم والتوزيع والتمويل؛ وتمنح المحافظة موقع الجهة المصححة، بينما تبقى المحافظة نفسها طرفاً إدارياً ومالياً وتنفيذياً في المشروع. هذا التداخل يجعل جبر الضرر مشروطاً بما هو أبعد من صرف بدلات أو تمويل أبراج، إذ يحتاج إلى توضيح طريقة حساب الحصص، ونشر آليات الصرف، ومراجعة كلفة السكن البديل، وتثبيت تمثيل فعلي لأصحاب الحقوق في متابعة القرارات التي تحدد مصيرهم.
تظهر العقدة الأساسية في المسافة بين الاعتراف القانوني بالحق والقدرة العملية على الاستفادة منه. فالسهم التنظيمي قد يبقى حقاً معلقاً إذا عجز صاحبه عن التخصص أو الشراكة أو التمويل. والسكن البديل قد يبقى وعداً إذا لم يكن قابلاً للتسليم والتقسيط بشروط يستطيع المستحق تحملها. والاعتراض قد يفقد أثره إذا بقي محصوراً في لجان إدارية أو صار مهدداً بالمسار القضائي. عند هذه النقاط، تتحول العدالة من مسألة نصوص وقرارات إلى مسألة قدرة فعلية على السكن، والتفاوض، والمراجعة، والحصول على منفعة ملموسة من الحق.
المسار المقبل سيحدد موقع المرسوم 66 داخل المرحلة الانتقالية الأوسع. فإذا استُخدمت حزمة جبر الضرر كأداة لتهدئة الاعتراضات واستكمال المشروع بالشروط نفسها، ستبقى ماروتا وباسيليا مثالاً على إعادة إعمار تنتج قيمة عقارية كبيرة من دون أن تعيد التوازن بين المشروع وأصحاب الحقوق الأصليين. أما إذا تحولت الحزمة إلى مدخل لمراجعة أعمق لآليات التقييم والتمثيل والتمويل والسكن البديل، فقد يصبح الملف نموذجاً مختلفاً: مشروعاً لا يكتفي بتصحيح بعض خسائره، بل يعيد تعريف العلاقة بين السكان والملكية والمدينة بعد سنوات من التنظيم القسري والحرب والتأجيل.
بهذا المعنى، لا تقاس المرحلة المقبلة بعدد الأبراج التي ستُبنى أو بسرعة استكمال البنى التحتية وحدها. المعيار الأهم هو قدرة المشروع على تحويل الحقوق من أسهم وقيود ووعود مؤجلة إلى حماية فعلية لأصحابها. عند هذه النقطة فقط يمكن لجبر الضرر أن يغادر موقع التسوية المتأخرة، وأن يصبح جزءاً من إعادة بناء الثقة بين أصحاب الحقوق والجهة التي تدير التنظيم.
