ضغوط واقتحامات تدفع سكان حي السومرية غرب دمشق إلى مغادرة منازلهم
تحوّل حي السومرية الذي تقطنه غالبية علوية غربي دمشق، منذ سقوط نظام الأسد، إلى ساحة صراع على السكن والملكية، تداخلت فيها الضغوط الطائفية مع تناقض المواقف الرسمية وتعدد القوى المسلحة. ومع توالي الحصار والاقتحامات والتهديدات للحي، بدا أن الغاية هي دفع السكان إلى الرحيل، وسط فشل المؤسسات الرسمية بما فيها محافظة دمشق، عن توفير حماية للسكان أو حلول بديلة لهم.
قبل عام 2011، كان حي السومرية يُعرف كمنطقة سكنية ناشئة على أطراف مدينة دمشق الغربية، ملاصقة للطريق الرئيسي المؤدي إلى معضمية الشام وداريا. تشكّل الحي تدريجياً منذ سبعينيات القرن الماضي مع إنشاء مساكن عسكرية، ظهرت إلى جوارها منطقة عشوائية. إدارياً، بقي الحي تابعاً لمحافظة دمشق. ومعظم الأرض التي أقيم عليها الحي، مستملكة لصالح الدولة، خاصة وزارة الدفاع، من أراضي معضمية الشام المجاورة التابعة لريف دمشق. والمعضمية بالأصل قرية زراعية في غوطة دمشق الغربية، قد خضعت منذ خمسينيات القرن الماضي، لموجات متلاحقة من الاستملاكات التي حوّلت مساحات واسعة من أراضيها الزراعية والخاصة إلى أملاك عامة لصالح وزارات الدفاع والداخلية ومحافظة دمشق. على هذه الأراضي المستملكة أُقيمت منشآت حيوية مثل مطار المزة العسكري ومقر المخابرات الجوية، إلى جانب مساكن الشرطة وبعض السجون التابعة لوزارة الداخلية، ومساكن السومرية للعسكريين.
خلفية المساكن والملكية في السومرية
تعتبر كامل منطقة السومرية أراض مملوكة للدولة. المنطقة المأهولة فيها، ويسكنها نحو 50 ألف شخص، تضم منطقتين متداخلتين؛ عشوائية ومنظمة، غالبية سكانهما من العلويين. المنطقة المنظمة، عبارة عن مساكن عسكرية، بدأ ظهورها في السبعينيات، كمساكن مخصصة لعناصر الفرقة الرابعة، ثم توسعت لاحقاً لتضم مساكن مخصصة للمخابرات الجوية، وأخرى للحرس الجمهوري. وبلغ عدد المساكن العسكرية نحو 5 آلاف مسكن، وهي مخصصة لصف الضباط والعناصر، وليس للضباط.
هناك نوعان للسكن العسكري، وهو من برامج السكن الاجتماعي، الأول وظيفي توفره وزارة الدفاع لبعض أفراد الجيش خلال فترة خدمتهم، مقابل بدل إيجار رمزي، وعند تقاعدهم أو إحالتهم على المعاش، يُطلب منهم إخلاؤه. والثاني، هو سكن اجتماعي توفره مؤسسة الإسكان العسكري، التابعة لوزارة الدفاع، وتبيعه للعسكريين عبر أقساط شهرية، وبعد اكتمال الدفع، يحق للمالك بيعها أو التصرف بها. ويصعب للغاية التمييز بين هذين النوعين، بسبب قلة المعلومات المتاحة من وزارة الدفاع، وأيضاً بسبب اختلاطهما، ووقوع حالات استيلاء على بعض الأبنية منها من قبل ضباط كبار، ممن كانوا يقومون ببيع الشقق فيها لحسابهم أو تأجيرها.
المنطقة الثانية هي عشوائية، وقد ظهرت إلى جانب مقاسم المساكن العسكرية، وبينها أحياناً، وتضم مباني غير مرخصة مبنية على أملاك عامة، ويقدر عددها بنحو 1700 مسكن. معظم سكان هذه العشوائية أيضاً من العلويين، وأغلبهم من الموظفين في القطاع العام ممن يعملون بدمشق وريفها.
بعد سقوط النظام
عقب انهيار نظام الأسد، انهارت الفرقة الرابعة، وهرب العناصر من مواقعهم التي كانوا يتمركزون في منطقة السومرية ومحيطها والمخابرات الجوية ومطار المزة. كما فرّ جزء كبير من العسكريين وعائلاتهم، ممن كانوا يعيشون في المساكن العسكرية في السومرية، خشية القتل أو الانتقام.
ولكن، سرعان ما سيطرت على الحي مجموعة مسلحة من معضمية الشام المجاورة. وبعض أعضاء هذه المجموعة كانوا مُنظمين سابقاً إما في صفوف الفرقة الرابعة أو الأمن العسكري خلال فترة سيطرتها على المعضمية بعد اتفاق المصالحة في العام 2016. وبحسب شهود عيان، فعندما دخلت تلك المجموعة حي السومرية، وأفرادها يطلقون النار في الهواء، سمع الأهالي هتافات تهديدية منها: “هذه أرضنا اخرجوا منها”. حينها، تعرضت بعض منازل العسكريين والمحال التجارية الفارغة للنهب والحرق.
في يناير 2025، أشيعت أنباء غير مؤكدة، عن وجود قرار صادر عن وزارة الدفاع، بإخلاء سكان المساكن العسكرية. المشكلة أن قائد مجموعة المعضمية العسكرية هو من أشاع الخبر، ولم يتمكن أحد من التأكد من صحته، ولكن تحت تأثير الخوف اضطر أغلب سكان المساكن العسكرية للمغادرة بما خفّ من ممتلكاتهم. في هذه الفترة أقيمت مفرزة أمنية للأمن العام في الحي، واستولى عناصر من هذه القوة على بعض المساكن الشاغرة.
في كتاب حمل رقم 3904 صادر عن محافظة دمشق في شباط 2025، جاء فيه إن المحافظة هي المسؤولة عن العشوائية وما عليها من مساكن، ولا يجوز اتخاذ أي إجراء إداري دون الرجوع إليها.
في تموز الماضي، شهد الحي حصاراً فرضته مجموعة مسلحة ليس واضحاً تبعيتها ولا من هم عناصرها وسط إشاعات متناقضة بأنهم من المعضمية أو من الديماس. أُغلقت هذه المجموعة المسلحة جميع مداخل السومرية، بالسواتر الترابية والأسلاك المعدنية، ولم تترك سوى منفذين للمشاة، ومنفذ للسيارات، تخضعهم لرقابة مشددة. وتسبب ذلك بشح حاد في المواد الغذائية والدوائية، إذ مُنع إدخال حتى الخبز والخضار. وانتشر ملثمون مسلحون في المنطقة، افتعلوا مشاكل متعددة مع النساء والشباب. بحسب شهادات محلية، فإن ضبط أحدهم وبحوزته مشروباً كحولياً كانت كفيلة بسجنه شهراً كاملاً لدى الأمن العام، إضافة إلى ما يمكن أن يتعرض له من ضرب وإهانات طائفية.
الضغط المتواصل دفع الأهالي للاحتجاج، فتوجه وفد منهم في 8 تموز الماضي، إلى مبنى المحافظة، وإلى القصر الجمهوري، لتقديم مطالبهم بحقهم في البقاء في مساكنهم، ورفض التخلي عنها، بحسب مصادر سيريا ريبورت. لكن لم يتم التجاوب مع طلبات الوفد. بعدها بأيام بدأت سيارات ترفع رايات إسلامية، بالتجول في الحي، وتصوير المنازل، ما عزز شعور الخوف والغموض.
في 27 آب، اقتحمت الحي قوة عسكرية بقيادة شخص يدعى “أبو حذيفة”، يقول إنه من معضمية الشام، ويدعي أنه يتصرف بموجب توجيهات مباشرة من القصر الجمهوري. القوة اقتحمت البيوت، واحتجزت عشرات الشاب والرجال، بينهم طفل عمره عشر سنوات، داخل البناء رقم 22، من المساكن العسكرية. ويتألف البناء 22، من أربعة طوابق، في كل طابق منهم أربع شقق. المحتجزون تعرضوا للضرب، الإهانات الطائفية، والتهديد بالقتل.
حتى مختار السومرية، وأعضاء لجنة الحي، لم يُستثنوا من هذه المعاملة، بل أُهينوا وضُربوا أيضاً. بعض المنازل حُطمت أبوابها، النساء والطفال تعرضوا للشتم والضرب، وتعرضت بعض المقتنيات والأموال للسرقة، بحسب شهادات متقاطعة.
مع حلول مساء 27 آب، سُمحَ للمحتجزين في البناء 22، بالمغادرة. بعض الشهادات أشارت إلى أن القوة المقتحمة، تركت علامات X على جدران بعض البيوت. وليس مفهوماً السبب وراء ذلك.
“أبو حذيفة”، سلّم لجنة الحي ورقة تضمنت تهديداً بالإخلاء، سرعان ما تسربت صورة عنها إلى صفحات السوشيال ميديا. الورقة غير موقعة من أي شخصية رسمية، وغير مؤرخة. الملفت في الورقة أنها حملت ترويسة: “الجمهورية العربية السورية-الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية-لجنة الإسكان العامة”، وعنواناً ملفتاً: “تنويه قانوني هام”، وتضمنت جملة واحدة فقط: “نعلم جميع القاطنين بالمساكن العشوائية بحي السومرية بإخلاء جميع المنازل بمدة أقصاها 72 ساعة، تحت طائلة المسؤولية”. ولا تتوافر أي معلومات عن وجود لجنة الإسكان العامة هذه، وما علاقتها بالأمانة العامة لرئاسة الجمهورية.
في 28 آب، توجه وفد يضم بعض أعضاء لجنة الحي، ومحامين، وممثلين عن سكان العشوائية، إلى محافظة دمشق، لشرح ما يحدث. مسؤولو المحافظة، بحسب مصادر سيريا ريبورت، أدانوا ما يحدث، ورفضوه، واعتبروه غير قانوني، لكنهم في الوقت ذاته أشاروا إلى عدم قدرتهم على التدخل. كما تجب الإشارة إلى أنه في كل تلك الأحداث، رفضت المفرزة الأمنية في السومرية التابعة للأمن العام التدخل، رغم كل مناشدات الأهالي.
وعلى ضوء ذلك، يواصل أهل السومرية مغادرتها، وتشير تقديرات أهلية بأن المساكن العسكرية باتت شاغرة بالكامل، وكذلك أغلب المساكن العشوائية. ومن بقي في المنطقة هم فقط من تقطعت بهم السبل، ولا مكان آخر يذهبون إليه.
دلالات وتحديات تجربة السومرية
ما جرى في السومرية يكشف كيف يمكن لتداخل العوامل الأمنية والقانونية والاجتماعية أن يحوّل منطقة سكنية إلى ساحة مفتوحة للنزاع على الملكية والإقامة. غياب المرجعية الواضحة، وتناقض المواقف الرسمية، إلى جانب تصاعد الضغوط الميدانية، كلها عناصر دفعت السكان إلى مغادرة منازلهم تباعاً. السومرية اليوم تمثل نموذجاً عن كيفية إدارة ملفات السكن والأرض في لحظة انتقالية مضطربة، حيث تُترك المجتمعات المحلية أمام خيارات محدودة، بين البقاء في ظروف ضاغطة أو الرحيل تحت التهديد. هذا النموذج يثير تساؤلات حول مستقبل أحياء أخرى في دمشق وضواحيها، ومدى إمكانية إيجاد تسويات عادلة تحفظ حقوق السكان وتمنع تكرار مشاهد التهجير.
