شهادات من ريف السويداء توثّق استخدام مواد حارقة في تدمير المساكن
شهدت مناطق متفرقة من ريف السويداء الغربي والشمالي، إضافة إلى أطراف مدينة السويداء، خلال الأشهر الأخيرة، عمليات حرق من قبل قوات الإدارة الانتقالية، طالت منازل سكنية ومحالّ تجارية وأفراناً ومعامل صغيرة ومحطات وقود. وتُظهر الشهادات التي حصلت عليها سيريا ريبورت أن هذه الحوادث لم تكن عرضية، بل اتبعت نمطاً متكرّراً يشير إلى استهداف ممنهج لمساكن المدنيين، ما أسفر عن خسائر مادية جسيمة ونزوحاً واسعاً للسكان.
وقع جزء كبير من تلك الحرائق خلال عمليات الاقتحام العسكري التي نفذتها قوات الإدارة الانتقالية، ما بين 13-20 تموز الماضي، كما يتواصل تسجيل حالات الحرق في القرى التي ما زالت تحت سيطرة تلك القوات. ويشير سكان محليون إلى أن معظم الحرائق طالت المساكن والمحال التجارية والمنشآت المدنية في قرى نجران والدور والمجدل والخالدية وأم الزيتون، إضافة إلى أحياء في أطراف مدينة السويداء. وبحسب روايات متقاطعة من السكان، فإن المواد المستخدمة في إشعال الحرائق كانت شديدة الاشتعال يصعب إخمادها، وأنتجت ألسنة لهب قوية ودخاناً أبيض، ما أثار الشكوك حول استخدام ذخائر متفجرة مخصصة لهذا الغرض. وبينما تنفي الجهات الرسمية مسؤوليتها عن هذه الحرائق، يواصل السكان توثيق آثارها معتبرين أنها تمثل سياسة متعمدة لإفراغ القرى من سكانها وحرمانهم من حقهم في السكن والملكية.
في ريف السويداء الغربي، وبخاصة في قرى نجران والدور والمجدل، توثق الشهادات التي جمعها مراسل سيريا ريبورت عمليات حرق واسعة النطاق رافقت اقتحامات القوات العسكرية والجهات العشائرية المتحالفة معها. وتُظهر روايات السكان نمطاً متكرراً يبدأ بالنهب، ثم بإضرام النار داخل المنازل والمحلات التجارية باستخدام مواد حارقة يصعب إخمادها.
في قرية نجران، قال مراسل سيريا ريبورت الذي وثّق الأضرار ميدانياً إنه أحصى احتراق ما لا يقل عن 140 محلاً تجارياً وحارة كاملة في المدخل الشمالي الغربي للقرية من جهة قراصة، إضافة إلى أكثر من 20 فيلا سكنية فخمة. نَجْران تُعدّ قرية كبيرة نسبياً وتشكّل مركزاً تجارياً محلياً للقرى المجاورة، وهو ما يفسّر العدد الكبير من المحال فيها. وتركّز الحرق في المحالّ التجارية ومراكز توزيع الجملة والبيوت مرتفعة التكلفة، كما طاول فرن القرية الذي يعود لملكية خاصة.
وفي قرية الدور، روى أبو رامي، أحد الناجين، أن قوات الأمن العام دخلت القرية عند السابعة إلا ربعاً صباح يوم الاثنين 14 تموز، وبدأ عناصرها باقتحام المنازل ونهب الأموال والذهب والمقتنيات الثمينة ذات الوزن الخفيف. وبعد كل عملية نهب، كان العناصر يشعلون النار داخل المساكن باستخدام المحروقات أو ما توفر من مواد قابلة للاحتراق. وأضاف أن السكان جُمعوا في أحد منازل القرية، وكان عددهم يقارب ستين شخصاً، وبقوا محتجزين لمدة يومين. في 16 تموز، دخلت وحدات تابعة لوزارة الدفاع والجيش، ومع دخولها تحوّلت معظم المنازل إلى كتل من النيران البيضاء الكثيفة.
أما قرية المجدل فقد شهدت نمطاً مشابهاً، إذ أفاد حسام، أحد سكانها ومن المدافعين عنها أثناء الاجتياح، بأن القوات العسكرية التابعة للحكومة الانتقالية بقيت في القرية نصف يوم فقط، وبعد انسحابها دخل الأهالي ليجدوا بيوتاً كثيرة لا تزال مشتعلة بحرارة مرتفعة جداً، تنبعث منها روائح تشبه الكبريت. وأضاف أن النيران تواصلت في بعض البيوت لمدة طويلة، ونتج عنها رماد فاتح اللون وجمر يصعب إطفاؤه، وانبعاث روائح حادة.
وتشير روايات الأهالي في هذه القرى إلى أن طبيعة الحريق وشدة اللهب وانبعاث الروائح الكيميائية الحادة، كلها مؤشرات على استخدام مواد حارقة غير تقليدية. سكان قرى ريف السويداء الشمالي رووا نمطاً متشابهاً من الحرق المتعمد لمنازل ومحلات تجارية ومعامل. ماهر أحد المدافعين عن قريته الخالدية، قال لسيريا ريبورت، أنه بعد انسحابهم من القرية نتيجة القصف العنيف من قبل القوات الحكومية، دخلت الأخيرة القرية، لتبدأ معها النيران بالاشتعال من بيت لبيت.
في مدينة السويداء تحديداً دوار العمران ومنطقة دوار الثعلة وبعض المحلات في سوق السويداء ذكر شهود محليون حوادث حرق متزامنة وشديدة التأثير، وذكروا أنها حوّلت الجدران سوداء، بينما غطى الرماد الأبيض الأرضيات. أحد المالكين لبناء ذو خمس طوابق في منطقة دوار العمران قال لسيريا ريبورت، أنه بمجرد انسحاب القوات الحكومية من منطقة دوار العمران، ذهب الى البناء الذي يملكه ليتفقده، لكن النيران كانت قد التهمته كله، من الطابق الأول الى الخامس. أمر مماثل حدث مع أغلب الأبنية المحيطة بدوار العمران، بما فيها معرض للسيارات تفحمت كل محتوياته.
خبير عسكري قال لسيريا ريبورت، أنه عاين بقايا احتراق عند دوار العمران، ولاحظ أن نمط الرماد ولونه الفاتح القريب من الأبيض، واستمرار الاشتعال لساعات، يتوافقان مع تأثير حروق ناجمة عن مركبات فوسفورية. ومركبات الفوسفور المستخدمة في الأسلحة، تتسبب بحرائق شديدة يصعب إطفائها، وتترك رماداً فاتحاً مميزاً. وأضاف أنه تمكن من تمييز مخلفات احتراق لمواد ذات طابع كبريتي، في بعض المواقع، التي تتميز برائحة حادة واخزة. بينما يمكن الاستنتاج من الأضرار الكبيرة في بعض المساكن استخدام مواد متفجرة بلاستيكية (سي فور)، التي تمتلكها فقط قطع عسكرية رسمية. ما يجعل استخدام هذه المركبات مثيراً للانتباه ويتطلب تحقيقاً فنياً.
مهندس انشائي، أشرف على بعض عمليات الكشف الميداني على الأبنية المتضررة، وصف أضرار الحرائق بأنها “جسيمة”، وأن جزءاً كبيراً من المباني التي عاينها، ليس قابلاً للترميم. و أوضح أن درجات الحرارة ارتفعت بسرعة فائقة، أثناء حرق القوات الحكومية للمساكن، مما تسبب في تمدد حديد التسليح وتجاوزه حد الاستطالة العظمى، وفقدان الحديد لقدرته الإنشائية. وأضاف أن إعادة الترميم محفوفة بالمخاطر إذ يجب هدم العناصر المتضررة وإعادة بنائها.
المهندس قال إنه لاحظ في بعض بيوت قرية المجدل أن الحرائق استمرت فيها لساعات، ما أثّر على الصلابة والخصائص الميكانيكية للخرسانة، وحوّل جزءاً منها إلى مواد هشة، ما يجعل المباني غير قابلة للسكن أو للترميم العملي وأن الحل الوحيد للعديد منها هو الهدم وإعادة البناء. أما المنازل المتضررة جزئياً، فهي بحاجة لعمليات ترميم شاملة وكساء جديد لا يمكن تنفيذها فورياً.
السيدة مها من قرية المجدل، قالت إنها عادت إلى بيتها في القرية بعد فترة نزوح قصيرة، لتجده متفحماً، جدرانه سوداء وأرضه مغطاة برماد مصفر أبيض. وأضافت أن حتى غرفة السطح الصغيرة، حيث كانت تربي الحمام احترقت، وتقول: “لم يبق لدينا إلا بيوتنا المحترقة بعدما أمضينا العمر في بنائها وتقاسمنا بين جدرانها حياتنا وذكرياتنا”.
يُعدّ تدمير المساكن أو الممتلكات الخاصة في المناطق المأهولة انتهاكاً صريحاً للمادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي تحظر على أطراف النزاع تدمير ممتلكات الأشخاص المحميين إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي ذلك حتماً. ويفصّل التعليق التفسيري الصادر عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر عام 2025 أن هذا الحظر يشمل أيضاً أي أعمال إحراق أو تخريب متعمد للمساكن المدنية في غياب ضرورة عسكرية مطلقة. كما يصنّف نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تدمير الممتلكات على نحو لا تبرّره ضرورة عسكرية كجريمة حرب بموجب المادة (8/2/أ/4) في النزاعات الدولية، والمادتين (8/2/ب/13) و(8/2/هـ/12) بحسب توصيف النزاع. ويكرّس العرف الدولي هذه القاعدة في القاعدة 50 من القانون الدولي الإنساني العرفي، التي تحظر تدمير أو حجز ممتلكات الخصم إلا إذا فرضت ذلك ضرورة عسكرية قاهرة. في السياق السوري، أعربت لجنة تقصّي الحقائق التابعة للأمم المتحدة في بيان بتاريخ 15 تموز 2025 عن “قلق بالغ إزاء العنف في السويداء“، ودعت إلى خفض التصعيد وإجراء تحقيقات فعالة ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة ضد المدنيين. وتشير هذه الدعوة إلى أهمية فتح تحقيقات مستقلة حول عمليات حرق المنازل والأملاك الخاصة والبنى التحتية في المحافظة، قبل أن تُطمس الأدلة بفعل أعمال “الترميم” الجارية في بعض القرى المتضررة.
