شلل المصالح العقارية في درعا بعد سقوط النظام
منذ سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، توقّف العمل في غالبية مديرية المصالح العقارية في درعا، وتجمّدت المعاملات العقارية بمختلف أنواعها. لم تُستأنف هذه الخدمات كما توقّع السكان، بل تزايدت القرارات التي منعت تنفيذ البيوع، سواء من قبل المديرية العامة للمصالح العقارية أو وزارة المالية. في الوقت نفسه، تعاني فرع المديرية في درعا، من نقص حاد في الموظفين، خاصة في قسمي المساحة والتوثيق، ما يمنع إنجاز أبسط المعاملات الفنية. هذه التطورات أدت إلى التأثير سلباً على حق الملكية، وزادت من احتمال حدوث نزاعات حولها، في ظل غياب التنسيق بين الجهات القضائية والإدارية، وتراكم تعاميم متضاربة لا تستند إلى سياسة موحدة.
وكانت مديرية المصالح العقارية، في عموم سوريا، قد أصدرت تعميمين متتاليين بعد سقوط النظام، الأول في كانون الثاني، قضى بإيقاف جميع المعاملات على الصحائف العقارية، والثاني في شباط، سمح فقط بوضع إشارات الدعوى. في الوقت نفسه، جرى تقييد عمل كتّاب العدل، واقتصر دورهم على إصدار وكالات خاصة لا تتيح نقل الملكية، مع تجميد الوكالات العامة ووكالات البيع.
في المقابل، منذ أكثر من ثلاثة أشهر، ما تزال مكاتب التوثيق العقاري في درعا مغلقة، بعد أن توقفت عن العمل مباشرة في 8 كانون الأول 2024. ورغم شيوع أخبار عن إعادة فتحها في آذار، إلا أن هذه المكاتب لم تستأنف نشاطها، ما أبقى آلاف المعاملات العقارية معلقة. يشمل التجميد مختلف أنواع المعاملات، من نقل الملكية، إلى معاملات الإرث، والإفراز، وتصحيح الأوصاف، وهي إجراءات ضرورية لاستصدار سندات ملكية جديدة أو تثبيت تغييرات على العقار.
في حين أن قسم المساحة، وهو القسم الأساسي الذي تعتمد عليه جميع المعاملات العقارية، بات بلا موظفين منذ نهاية عام 2023 بعد استقالة اثنين من المسّاحين بسبب تدني الرواتب، وإحالة الثلاثة الآخرين إلى التقاعد. ومع غياب أي تعيينات جديدة، أصبح القسم خارج الخدمة تماماً، ما يمنع إنجاز بيانات المساحة، وتثبيت المقاسم، والإفراز، وتحديد الحدود، وغيرها من الإجراءات الضرورية لتسجيل أي تصرف عقاري. هذا التراجع في القدرات الفنية يجعل استئناف عمل مكاتب التوثيق مجرد إجراء شكلي، لأن معظم المعاملات لا يمكن إنجازها دون دعم فني من قسم المساحة. كما يفتح المجال أمام فوضى إضافية في تحديد الملكيات وحدود العقارات، في ظل غياب موظفين رسميين مخولين بفض النزاعات وتثبيت الحقوق العقارية على الأرض.
مع استمرار إغلاق مكاتب التوثيق وتعطيل تنفيذ الأحكام القضائية، لم يبق أمام المشترين في درعا سوى اللجوء إلى القضاء المدني لوضع إشارات دعوى على الصحائف العقارية، كإجراء وقائي يمنع إعادة بيع العقار لشخص آخر. ورغم أن هذا الحل يحظى باعتراف إداري، إلا أنه لا يُعدّ بديلاً عن تسجيل الملكية، ويُبقي المشترين في وضع قانوني غير مستقر.
يُعدّ وضع إشارة الدعوى من أسهل الإجراءات الممكنة حالياً، إذ لا يتطلب سوى جلسة واحدة أمام القاضي، تُقرر فيها الإشارة بناءً على اتفاق البيع. وتُقدّر تكاليف هذه الخطوة بمبلغ يتراوح بين 1.5 و2 مليون ليرة سورية، أي ما يعادل نحو 150 دولاراً، يختلف حسب موقع العقار داخل أو خارج المخطط التنظيمي، وأتعاب المحامي.
لكن هذه الإشارات لا تضمن الحماية الكاملة، خصوصاً في ظل غياب موظفين رسميين قادرين على مراقبة تنفيذ الأحكام أو حسم النزاعات. وقد بدأت تبرز حالات بيع مزدوج لنفس العقار، ونزاعات بين الجيران بسبب غياب الحدود الرسمية، ما يزيد من مخاطر التلاعب، ويفرض أعباء جديدة على المحاكم التي تعمل ضمن طاقة محدودة.
في هذا السياق، زاد تعقيد الوضع مع صدور كتاب رسمي عن وزارة المالية في 2 آذار 2025 طالبت فيه المحاكم بعدم إحالة أحكام تثبيت البيوع العقارية إلى السجل العقاري، ما يعني فعلياً تعطيل تنفيذ أحكام مبرمة صادرة عن القضاء المدني.
رغم توقّف مكاتب التوثيق بشكل شبه كلي، بقي العمل في السجلات العقارية يقتصر على خدمات جزئية مثل إصدار إخراجات القيد وبيانات المساحة، دون أي قدرة على إنجاز المعاملات الكاملة. وفي هذا الفراغ، بدأت تظهر مشاكل إضافية، منها تأخّر تثبيت البيوع التي تم الاتفاق عليها قبل سقوط النظام، والتي دفع أصحابها رسوم نقل الملكية في الدوائر المالية لكنها توقفت عند مرحلة التوقيع النهائي. ويشير أحد رؤساء مكاتب التوثيق العقاري إلى أن هذا التعطيل يفتح المجال لعمليات احتيال، إذ يستطيع البائع التصرف بالعقار مرة أخرى مستغلاً غياب التثبيت الرسمي. كما أن التأخر في التوثيق يُربك الاتفاقات المالية، خاصة في حال الاتفاق على الثمن بالليرة السورية، إذ يتغيّر سعر الصرف خلال فترة الانتظار، ويُبقي جزء من الثمن معلّقاً بانتظار التثبيت. ومع توقف الوكالات العامة، واقتصار عمل كتّاب العدل على إصدار وكالات خاصة لا تمنح حق التصرف الكامل، أصبح المشترون في وضع قانوني معلق، دون حماية كافية، ودون أفق واضح لاستئناف المسار الرسمي.
تكشف حالة التوثيق العقاري في درعا بعد سقوط النظام السابق عن فراغ قانوني وإداري شامل، لا يبدو أن السلطة الجديدة قادرة على معالجته حتى الآن. لا تعمل المكاتب، ولا تُنفذ الأحكام، ولا يوجد كادر فني يتيح حتى العودة التدريجية للعمل. في المقابل، تتراكم النزاعات والشكوك، ويجد الأهالي أنفسهم مضطرين للبحث عن حلول مؤقتة خارج الإطار الرسمي، في ظل غياب الحد الأدنى من التنسيق بين المؤسسات القضائية والإدارية.
