سوق العقارات ما بين وثيقة “لا مانع” وتخمين القيم الرائجة
انعكس صدور التعميم رقم 135 عن وزارة المالية في 30 تموز 2025 على آلية تنظيم سوق العقارات في سوريا، إذ أعاد تحديد أساس احتساب ضريبة البيوع العقارية، وربط استكمال نقل الملكية بوثيقة “لا مانع من إتمام المعاملة العقارية”.
أصدرت وزارة المالية التعميم رقم 135 في تموز 2025، الذي خفّض القيم الرائجة المعتمدة في مديريات المالية إلى 30 بالمئة من القيم المحددة سابقاً لديها. أي أن العقار الذي كانت مديرية المالية تقدّر قيمته الرائجة بمليار ليرة، بات يُحتسب ضريبياً على أساس 300 مليون ليرة فقط. وبذلك تقلّص الأساس الذي تُحتسب عليه الضريبة بنسبة 70 بالمئة مقارنة بالتقدير الإداري السابق.
ويُقصد بالأساس الذي تُحتسب عليه الضريبة ما يُعرف بالوعاء الضريبي، أي القيمة التي تُطبّق عليها النسبة المحددة في القانون. فالضريبة تساوي النسبة القانونية مضروبة بالقيمة الرائجة المعتمدة من وزارة المالية. فإذا كانت النسبة 1 بالمئة، وكانت القيمة الرائجة المعتمدة 300 مليون ليرة، فإن الضريبة تكون 3 ملايين ليرة. وبالتالي فإن تخفيض القيمة الرائجة إلى 30 بالمئة يعني تخفيض الوعاء الضريبي نفسه، وليس تعديل النسبة القانونية للضريبة.
وكان قانون البيوع العقارية رقم 15 لعام 2021 قد حدّد ضريبة البيوع بنسبة 1 بالمئة على العقارات السكنية الجاهزة، على أن تُحتسب من “القيمة الرائجة” التي تعتمدها وزارة المالية، لا من السعر الوارد في عقد البيع بين البائع والمشتري. وعند إقرار القانون، جرى تقديم هذا التحول باعتباره وسيلة لتحقيق العدالة الضريبية ومنع تسجيل البيوع بأسعار أدنى من السعر الحقيقي. ونصّ القانون على اعتماد هيكلية ثلاثية للتخمين، تشمل لجاناً فرعية في الوحدات الإدارية، ولجاناً رئيسية في مديريات المالية، ولجنة مركزية برئاسة وزير المالية، بما يفترض أن يضمن تقديراً قريباً من السعر الرائج في السوق. إلا أن التطبيق العملي أظهر أن التقدير يتم استناداً إلى خرائط تخمينية معتمدة لدى مديريات المالية، من دون اعتماد معلن على كشف حسي منهجي أو بيانات سوقية مفصلة.
غير أن التخفيض الأخير بموجب تعميم وزارة المالية رقم 135 لم يمسّ آلية تحديد القيمة الرائجة ذاتها، بل اقتصر على نسبة احتسابها. وبذلك تبقى الإشكالية الأساسية قائمة، وهي أن الضريبة تُفرض على قيمة تقديرية إدارية قد لا تتطابق مع السعر الرائج الفعلي الذي يتم به البيع في السوق.
ورغم تخفيض القيمة الرائجة إلى 30 بالمئة من التقديرات السابقة، تتصاعد الانتقادات حول آلية التخمين ذاتها، إذ ينقل مراسل سيريا ريبورت عن بعض المكلّفين ضريبياً ممن التقاهم في مديرية مالية دمشق أن المشكلة لا تكمن فقط في نسبة الاحتساب، بل في الأساس الذي تُبنى عليه القيمة التقديرية. زاهر، وهو يملك عقاراً سكنياً في منطقة الزاهرة الجديدة، قال إن قيمة عقاره في السوق تقارب مليار ليرة، إلا أن مديرية المالية قدّرته بمبلغ 1.2 مليار ليرة، أي بزيادة 200 مليون ليرة عن السعر الفعلي الذي جرى به البيع فعلياً. ورغم أن الشاري لم يدفع سوى مليار ليرة، فإن الضريبة تُحتسب وفق القيمة التقديرية الأعلى المعتمدة من المالية.
أما رافد، الذي يملك عقاراً في منطقة ركن الدين، فتساءل عن الآلية التي يتم اعتمادها في التخمين، مشيراً إلى غياب لجان خبرة تجري كشفاً ميدانياً، وأن التقدير يتم من قبل موظفين في المكاتب، من دون جولات على الأرض. وبرأيه، فإن العقار لا يمكن أن يُباع بالسعر الذي تحدده مديرية المالية إذا كان يتجاوز السعر المتداول فعلياً في السوق.
الخبير العقاري عمار يوسف رأى بدوره أن هناك اضطراباً واضحاً في عملية التخمين، وأنها لا تعكس القيمة الحقيقية للعقارات على أرض الواقع. وأشار إلى أن الآلية المعتمدة منذ صدور القانون رقم 15 لم تتغير، إذ يجري التقدير من قبل موظفين في مديريات المالية وفق تقديرات إدارية، لا عبر خبراء مختصين في التقييم العقاري. ودعا يوسف إلى تشكيل لجان من خبراء متخصصين في العقارات لإعادة التخمين وفق الأسعار المتداولة في السوق، معتبراً أن استمرار اعتماد الآلية الحالية يوقع ظلماً على أصحاب العقارات. كما تساءل عن أسباب إبقاء مديريات المالية على الطريقة ذاتها في التقدير، رغم الانتقادات المتكررة.
وبذلك، يظهر أن تخفيض نسبة احتساب القيمة الرائجة لم يعالج جوهر المشكلة، إذ بقيت الفجوة قائمة بين السعر الرائج الفعلي في السوق والقيمة التقديرية المعتمدة ضريبياً، ما ينعكس مباشرة على كلفة البيع وعلى ثقة المتعاملين في السوق العقارية.
إلى جانب الجدل حول التخمين، ما تزال وثيقة “لا مانع من إتمام المعاملة العقارية” تشكل عقبة إضافية أمام إتمام البيوع ونقل الملكية. فالحصول على هذه الوثيقة يُعد شرطاً ضمن معاملة براءة الذمة المالية، التي تُطلب قبل تسجيل البيع أو نقل الملكية. تُنجز معاملة براءة الذمة المالية في مديرية المالية في المحافظة التي يقع فيها العقار، حيث يتقدم صاحب العلاقة بطلب يتضمن بيان قيد عقاري وعقد البيع. وبعد تدقيق الوضع الضريبي والتأكد من عدم وجود مستحقات أو موانع قانونية كوجود إشارات حجز أو منع من التصرف على الصحيفة العقارية، تُصدر المديرية وثيقة براءة الذمة، وبالتوازي معها وثيقة “لا مانع من إتمام المعاملة العقارية”، لاستكمال نقل الملكية في السجل العقاري.
إلا أن بعض المراجعين أفادوا بأن إجراءات الحصول على الوثيقة قد تتجاوز الجانب المالي، لتشمل إحالات إلى الأمن الداخلي وإجراءات تدقيق قد تمتد لفترات طويلة. عامر قال لمراسل سيريا ريبورت إنه تقدم بطلب للحصول على وثيقة “لا مانع”، وبعد تدقيق البيانات طُلب منه مراجعة الأمن الداخلي لأن والده ضابط، رغم أن والده مسرّح منذ العام 1990. وأوضح أنه منذ عشرة أيام وحتى الآن لا تزال “الدراسة” جارية ولم يحصل على الوثيقة.
كذلك، قال خالد، مراجع آخر لمديرية المالية بدمشق، إنه تقدم بطلب للحصول على الوثيقة منذ ثلاثة أشهر، ولم يحصل عليها حتى الآن، بسبب ما وصفه بإجراء دراسة من قبل الأمن الداخلي لم تنتهِ بعد. واعتبر أن هذه الوثيقة أصبحت أحد أوجه الموافقات الأمنية.
في المقابل، أكد مصدر في مديرية مالية دمشق لسيريا ريبورت أن وثيقة “لا مانع من إتمام المعاملة العقارية” تصدر في اليوم نفسه من وزارة المالية، وأن من لديه إشكال قانوني يُحال إلى الأمن الداخلي لمعالجة هذا الإشكال، مشيراً إلى أن مديريات المالية ليست معنية بالإجراءات الأمنية.
وبحسب تعميم وزارة المالية رقم 135 الصادر في 30 تموز 2025، جاءت وثيقة “لا مانع” في سياق استئناف منح براءة الذمة المالية بعد توقفها منذ ديسمبر 2024، بالتنسيق مع وزارتي الداخلية والإدارة المحلية. وكان التعميم 135 استكمالاً للتعميم رقم 87 الصادر في 21 حزيران 2025، الذي سمح بمنح وثيقة براءة الذمة المالية للراغبين بنقل ملكياتهم العقارية عن طريق الفراغة أو التنازل المباشر في السجل العقاري، بعد توقف منحها منذ ديسمبر 2024. ويُظهر ذلك أن استئناف معاملات نقل الملكية جرى بصورة تدريجية عبر تعاميم متتالية لإعادة تفعيل السوق العقارية بعد فترة التجميد.
التعميم رقم 135 جعل الوثيقة صالحة لمدة ثلاثة أشهر فقط، وتُمنح بالتوازي مع براءة الذمة المالية، بعد التنسيق مع الهيئة العامة للضرائب والرسوم ومديرية السجل العقاري للتأكد من عدم وجود إشارات حجز أو منع تصرف. كما أشار التعميم إلى التنسيق مع ما يُعرف بـ”منصة الموافقات الأمنية” للتحقق من عدم وجود أسباب أمنية تمنع المالك من التصرف بعقاره. وهذه المنصة غير متاحة للعامة، ويستخدمها موظفو الجهات الحكومية للتأكد من عدم وجود موانع أمنية عند إجراء تصرف عقاري. وبذلك، حلت وثيقة “لا مانع” محل الموافقة الأمنية المباشرة التي كانت مفروضة سابقاً، ولكن بصيغة إدارية جديدة.
ولا يوجد نص قانوني صريح يشترط الحصول على وثيقة “لا مانع” لإتمام معاملة عقارية، إذ إن شرط التسجيل المنصوص عليه في قانون البيوع العقارية يتعلق بالحصول على براءة الذمة المالية. غير أن التعميم الإداري ربط عملياً بين براءة الذمة ووثيقة “لا مانع”، ما جعل الأخيرة شرطاً فعلياً لإتمام نقل الملكية.
وبذلك، تتحول وثيقة يفترض أنها إجراء مالي مرتبط ببراءة الذمة، إلى نقطة تقاطع بين الإدارة المالية والجهات الأمنية، سواء عبر التنسيق المؤسسي أو عبر الإحالات الفردية إلى الأمن الداخلي، ما يؤدي إلى تأخير إتمام معاملات البيع ونقل الملكية، ويضيف عبئاً إجرائياً جديداً إلى السوق العقارية.
