سقط النظام ولم تسقط الموافقة الأمنية
رغم سقوط نظام الأسد، تستمر الحكومة السورية الانتقالية في فرض شرط الحصول على الموافقة الأمنية المسبقة على بعض التصرفات العقارية الناقلة للملكية، كالبيع والهبة، قبل توثيقها في السجل العقاري.
وكانت الموافقة الأمنية تصدر بناء على طلب يقدمه صاحب العلاقة إلى الفرع الأمني المسؤول عن المنطقة التي يقع فيها العقار، إما بشكل مباشر أو عبر البريد الإداري. يتولى الفرع الأمني دراسة الملف بعد استعلامه من بقية الفروع الأمنية للتأكد من عدم وجود استدعاء أو ملاحقة. غالباً ما تصدر الموافقات عن شعبة الأمن السياسي التابعة لوزارة الداخلية، أو فروع أمنية وعسكرية محددة حسب منطقة النفوذ، مثل الفرقة الرابعة في قدسيا. أحياناً تجري عملية الاستعلام في المفارز الأمنية ضمن القصور العدلية وتجمعات المحاكم. تشمل أسباب رفض الموافقة وجود الشخص في مناطق خارجة عن سيطرة النظام، الملاحقة الجنائية، الرهن العقاري، المنع من السفر، المخالفات المرورية غير المسددة، أو الأسباب السياسية كالمعارضة أو المثول أمام “محكمة الإرهاب”.
ولكن، منذ سقوط النظام، لم تتضح بعد من هي الجهة المسؤولة عن إصدار هذه الموافقات الأمنية لدى الحكومة الانتقالية والأجهزة الأمنية جديدة التشكل. ولا كيف يجري الحصول عليها، ولا من يقوم بالدراسة الأمنية، ولا معايير منحها او رفض منحها. وبحسب مصادر سيريا ريبورت، لم تجرِّ أي دراسة أمنية منذ سقوط النظام وحتى تاريخه. إذ أن الموافقة الأمنية على التصرفات العقارية الناقلة للملكية، هي شرط مسبق لتسجيل تلك التصرفات في السجل العقاري.
الهيئة العامة للضرائب والرسوم التابعة لوزارة المالية في الحكومة السورية الانتقالية، أصدرت في 16 نيسان 2025 تعميمها رقم 3/80، الموجّه إلى الدوائر المالية، لتوضيح الحالات التي تتطلب الحصول على موافقة أمنية قبل توثيق التصرفات العقارية. وجاء هذا التعميم مماثلاً لتعميم سابق صادر قبل سقوط نظام، ويحمل تقريباً ذات الصياغة. التعميم الجديد بحسب ما ورد فيه، فقد جاء رداً على العديد من الاستفسارات من قسم الواردات – دائرة الضرائب غير المباشرة، حول الحالات التي تقتضي الحصول على موافقة أمنية.
الملفت أن التعميم جاء نافلاً، أي أنه اشترط وجود الموافقة الأمنية على إجراءات مقيدة أصلاً. إذ أن مديرية المصالح العقارية ما زالت تعلّق توثيق جميع التصرفات في السجلات العقارية التي تؤدي إلى نقل أو تعديل حقوق الملكية العقارية. وطالما أن توثيق التصرفات العقارية الناقلة للملكية في السجل العقاري متوقفة، فهذا يعني تلقائياً عدم الحاجة للموافقة الأمنية المسبقة.
التصرفات العقارية التي لا تحتاج لموافقة أمنية مسبقة
في المقابل، اعتبر التعميم الجديد أن توثيق التصرفات العقارية الناقلة للملكية، لدى الدائرة المالية، لأغراض رسم الطابع فقط، لا تحتاج إلى موافقة أمنية. وضريبة رسم الطابع أو ضريبة البيوع العقارية، تُدفع عند إقامة دعوى تثبيت بيع أو هبة، وقسمة رضائية أو تخاصص، أمام المحكمة المدنية. حينها، تُحيلُ المحكمة المدعي إلى مديرية المالية لتسديد الضريبة ولا تشترط موافقة أمنية مسبقة عليها. ولكن، عند تسجيل حكم المحكمة في السجل العقاري، يجب إبراز الموافقة الأمنية المسبقة، حتى لو كانت الضريبة مدفوعة.
وكان قانون البيوع العقارية رقم 15 لعام 2021 قد حدد مقدار الضريبة بـ1% من القيمة الرائجة للعقارات السكنية، و2% للأراضي الواقعة داخل المخطط التنظيمي المصدق، و1% للأراضي الواقعة خارج المخطط التنظيمي المصدق، و3% لبيع العقارات غير السكنية، و1% للأسطح في العقارات السكنية. وتدفع الضريبة إلى شعبة تجارة العقارات في مديرية المالية، بناءً على إحالة المحكمة، وبموجب القيمة الرائجة للعقار المحددة من قبل لجان التقدير في وزارة المالية.
رئيس دائرة وكالات المحامين في القسم المدني بالقصر العدلي بحلب المحامي مرهف كرّيم، أوضح لمراسل سيريا ريبورت، أن عمليات الإقبال على تنظيم الوكالات القضائية للمحامين من أجل إقامة دعاوى تثبيت البيوع العقارية قد ازداد بنسبة كبيرة في الآونة الأخيرة، ويعود السبب في ذلك إلى توقف عمليات التوثيق في السجل العقاري. وعند تسجيل الدعوى تقوم المحكمة المدنية بإحالة المدعي إلى المالية من أجل تسديد ضريبة البيوع العقارية. وأضاف كريّم أنه في قبل سقوط نظام الأسد، كان الناس يلجأون إلى المحكمة لرفع دعوى تثبيت البيوع العقارية، كخيار أفضل من التوثيق المباشرة في السجل العقاري. إذ يتيح ذلك للبائع والمشتري، التهرب من ايداع نصف مبلغ ثمن العقار في المصارف، ضمن قيود على سحب المبلغ.
من جانب آخر، حدد التعميم تصرفات عقارية لا تحتاج لموافقة أمنية مسبقة، لأنها غير ناقلة للملكية. ومن تلك التصرفات، عقد المشاركة لإشادة البناء، وهو اتفاق بين مستثمر مع مالك عقار من أجل إشادة أبنية أو شقق مقابل حصول كل طرف على ربح متفق عليه. وكذلك، عقد الإيجار، وهو الاتفاق الذي يقوم بمقتضاه مالك عقار بتمكين المستأجر من الانتفاع بالمأجور واستعماله لمدة معينة مقابل أجر معلوم. وأيضاً، عقد الاستثمار، وهو اتفاق بين طرفين يتم بموجبه تقديم مال منقول أو غير منقول من الأول إلى الثاني لاستعماله واستثماره في مجال محدد ينص عليه الاتفاق. وأخيراً، عقد الإعارة، هو الاتفاق الذي يلتزم بمقتضاه المعير أن يسلم للمستعير منقولاً أو غير منقول ليستعمله بدون مقابل لمدة معينة أو لغرض معين على أن يرده للمعير في نهاية العقد بالحالة التي كان عليها.
في حالة البيوع العقارية بالمزاد العلني، فقد أوضح التعميم 80/3، أن عملية التقدم للمزاد العلني والمشاركة به لا تحتاج إلى موافقة أمنية. لكن بعد صدور قرار الإحالة القطعية، يرسو المزاد على المشتري، فلا يمكن إتمام عملية التوثيق في السجل العقاري إلا بعد الحصول على موافقة أمنية. كذلك يحتاج إلى الموافقة الأمنية بحسب التعميم الجديد؛ إجراء معاملة الانتقال للعقارات من اسم المورث إلى الخلف العام عن طريق الإرث أو الوصية أو الهبة وفقاً لأحكام المرسوم رقم 56 لعام 2004. والخلف العام هو كل من يتلقى حق من المورث سواء كان وارث في التركة أو موصى له أو موهوب له. حيث تحتاج عملية انتقال العقار وتسجيله على اسم المشتري إلى موافقة أمنية.
