سبعون عاماً ليست كافية لانتهاء عمل اللجان في عشوائية بدمشق
جنوبي حي الميدان الدمشقي الشهير، توجد عشوائية كبيرة اسمها تنظيم جنوبي الميدان. ويحدها من الغرب طريق درعا-دمشق، ومن الجنوب منطقة الدحاديل. المنطقة ظهرت في خمسينيات القرن الماضي، ويصعب تمييزها كعشوائية، لأن شوارعها منظمة، ومبانيها ملتزمة إلى حدّ كبير بضابطة البناء، وفيها عمارات مؤلفة من ستة وسبعة طوابق.
لأكثر من سبعة عقود، فإن عدم انتهاء لجان حل النزاعات من عملها، وضع هذه المنطقة في مأزق قانوني. المنطقة غدت عشوائية كبيرة مأهولة، وفيها عدد كبير من الأبنية السكنية غير المرخصة المقامة على أرض مستملكة، يسكنها حوالي 10 آلاف شخص، معظمهم من أبناء حي الميدان الدمشقيين وأبناء محافظتي درعا والقنيطرة، بحسب تقديرات مراسل سيريا ريبورت في المنطقة.
ورغم ندرة المعلومات، يمكن رسم التصور التالي عما حدث في المنطقة: في طور تنظيمها مطلع الخمسينيات، قامت الدولة باستملاك أراضي زراعية خاصة يعود بعضها لسكان حيّ الميدان وبعضها لأبناء درعا والقنيطرة، وبعضها الآخر عقارات محلولة، أي عقارات ناشئة عن تركات لا وارث لها، أو لها وارث لا تنطبق عليه قوانين التملك، أو ناشئة عن إهمال استعمال الأراضي الأميرية خمس سنوات، وبالتالي يمكن اعتبارها من أملاك الدولة الخاصة.
في اجتماع دوري عُقد منتصف يناير 2024، طالب أعضاء في مجلس محافظة دمشق، برفع توصية لأتمتة وأرشفة سجلات المالكين في منطقة تنظيم جنوبي الميدان، حفاظاً على حقوقهم، بسبب ما قالوا إنه تعثر في عمل لجان حلّ الخلافات فيها. مدير التخطيط والتنظيم العمراني في المحافظة حسن طرابلسي، قال إنه تم تشكيل خمس لجان حلّ خلافات في منطقة التنظيم من دون تحديد تاريخ ذلك التشكيل، وأضاف أن تلك اللجان لم تنهِ عملها بسبب عدم توفر المعلومات عن العقارات القديمة، بالإضافة إلى ظهور عقارات سكنية وتجارية جديدة في المنطقة. وأضاف طرابلسي بأن هناك حالياً دراسة لإصدار مخطط تنظيمي جديد للمنطقة.
بعدها تمّ تشكّيل خمس لجان ضمّت قضاة، يُطلقُ عليها مسؤولو محافظة دمشق حالياً اسم لجان حل الخلافات. وقد قامت دائرة الاستملاك والتوزيع بتشكيل تلك اللجان. وليس معروفاً تابعية تلك الدائرة في الخمسينيات، ولكن دائرة باسم مماثل تتبع حالياً لمديرية التنظيم والتخطيط العمراني في محافظة دمشق.
تشكيل تلك اللجان سابق على أي من قوانين التنظيم العمراني المعروفة حالياً في سوريا، ويبدو ذلك هو السبب وراء خلط أعضاء ومسؤولي محافظة دمشق في تسمية هذه اللجان ووصف أعمالها. ويبدو من المعلومات المتفرقة المتوافرة أن تلك اللجان كلفت بمهام متعددة، من جرد العقارات والموجودات وتقدير قيمتها، وحل الخلافات بين أصحاب الحقوق. كما أن مسؤولية دائرة الاستملاك والتوزيع عن تشكيل تلك اللجان، يشير إلى أن من مهامها أيضاً تقدير قيمة التعويض لأصحاب الحقوق.
وبالتالي، فإن عمل تلك اللجان يماثل عمل ثلاثة أنواع من اللجان المعروفة حالياً وفق قوانين التنظيم والتخطيط العمراني السارية، وهي أولاً، لجنة الحصر والتوصيف، لعقارات المنطقة بما تحتويه من أشجار ومزروعات، والتي تقوم أيضاً بإجراء المسح الاجتماعي لسكان المنطقة. واستناداً إلى ضبوط لجنة الحصر والتوصيف، يبدأ عمل اللجنة الثانية وهي لجنة تقدير قيمة العقارات، بما تحتويه من مبان وانشاءات وأشجار. وثالثاً، لجنة حل الخلافات، ذات الاختصاص القضائي المكلفة بالنظر في الاعتراضات والادعاءات بالملكية أو الحقوق العينية العقارية الواقعة على العقارات الداخلة في المنطقة التنظيمية.
في كل الأحوال، عمل اللجان الخمس المشكلة في خمسينيات القرن الماضي لم ينجز، ولم يتم إصدار جداول بأسماء أصحاب الحقوق وحصصهم العقارية، ولم تحدد قيم التعويض، ولم تحسم أي من النزاعات بين أصحاب الحقوق أمام لجنة حل الخلافات.
مراسل سيريا ريبورت أشار إلى إنه لا توجد لدى محافظة دمشق أي دراسة حالية عن إعادة تنظيم المنطقة، ولا أي دراسة اجتماعية عن شاغليها الحاليين ولا حقوقهم. محافظ دمشق الأسبق بشر الصبّان، كان قد قال في العام 2008 أن في المنطقة 2000 إشغال، يجب حلّهم، قبل إصدار المخطط النهائي.
المراسل أشار إلى محافظة دمشق لا تعتبر هذه المنطقة أولوية حالياً في ظل نقص التمويل الذي تعاني منه. ولكن المحافظة، قد تعمد لاحقاً، إلى فرض إعادة تنظيم المنطقة وفق أحد قوانين التنظيم العمراني الإشكالية التي صدرت خلال سنوات الحرب، كالقانون 23 لعام 2015، أو القانون رقم 10 لعام 2018.
