زملكا بريف دمشق بين تعثّر أعمال الترميم وغياب خطط واضحة لإعادة تأهيل الأحياء المتضررة
تواجه بلدة زملكا في ريف دمشق تحديات في إعادة تأهيل المساكن المتضررة نتيجة الدمار الذي أصاب أجزاء منها خلال سنوات النزاع، في ظل غياب خطط تنظيمية شاملة من المحافظة والبلدية، والصعوبات المالية التي تحد من قدرة الأهالي على ترميم مساكنهم علة نفقتهم الخاصة. وتظهر إفادات الأهالي والمسؤولين المحليين أن جهود الترميم ما تزال مشتتة ومحدودة النطاق، سواء عبر مبادرات فردية أو من بعض المنظمات التي لم تتحول إلى مشاريع فعلية حتى الآن. وفي خضم ذلك تعمل بلدية زملكا على تنظيم طلبات الترميم، وإيجاد آليات لها، ومراجعة المخطط التنظيمي من خلال لجنة هندسية جديدة، فيما يبقى معظم السكان المتضررين بانتظار حلول عملية تساعدهم على العودة إلى منازلهم.
زملكا تبعد نحو عشرة كيلومترات عن مدينة دمشق وتعد بوابتها من جهة الغوطة الشرقية. تقع زملكا بمحاذاة حيي جوبر والقابون الدمشقيين. وقد شهدت البلدة نهضة عمرانية كبيرة منذ سبعينات القرن الماضي، وبلغ عدد سكانها حوالي 200 ألف نسمة قبل العام 2011، بحسب تقديرات أهلية، منهم فقط 16.500 نسمة من أهالي البلدة الأصليين، والبقية سكنوها نظراً لموقعها القريب من العاصمة ورخص أسعار العقارات فيها.
ومع سيطرة المعارضة المسلحة على زملكا في العام 2012، تعرضت البلدة للقصف من قبل قوات النظام ما أدى إلى دمار يقدّر بنحو 35 بالمئة من مساكنها بين تضرر كلي وجزئي. ومع استعادة قوات النظام للسيطرة عليها في العام 2018 نزح عنها عدد كبير من سكانها. ولم تشهد البلدة أي تحسن عمراني ملموس منذ ذلك الحين، إذ لم تطرح محافظة ريف دمشق مخططاً تنظيمياً جديداًَ يشمل الأحياء الأكثر تضرراً. واقتصر الأمر على منح البلدية موافقات فردية للترميم وفق طلبات أصحاب المنازل. وحتى في الحالات التي حصل فيها السكان على هذه الموافقات كانت عملية تأمين المواد وبدء الأعمال تواجه عراقيل متنوعة أبرزها الموافقات الأمنية والتعقيدات الإدارية.
وتشير التقديرات المحلية إلى أن عدد السكان حالياً لا يتجاوز نحو 80 ألفاً مع عودة بعض الأهالي المُهجّرين من الشمال السوري بعد سقوط نظام الأسد نهاية العام 2024، فيما ما زالت مساحات من بعض الأحياء المتضررة غير مأهولة نتيجة الدمار الذي لحق بها. وقد عبّر عدد من أهالي زملكا، في حديثهم لسيريا ريبورت، عن الصعوبات الكبيرة التي يواجهونها في موضوع الترميم، وخصوصاً ما يتعلق بالكلف المترتبة على ذلك. وقال أبو خالد، وهو رجل في الخمسينيات من عمره ومنزله متضرر بشكل جزئي، إن تكلفة ترميم منزله قد تصل إلى نحو 15 ألف دولار، وهو مبلغ لا يستطيع تأمينه، لذلك ينتظر أي جهة يمكن أن تساعده، مشيراً إلى أنه سمع عن منظمات أبدت استعدادها للتدخل في هذا الملف. أما أبو محمد، وهو رجل ستيني منزله مدمر بشكل شبه كامل ويحتاج إلى إعادة بناء كاملة، فقال إنه عاجز عن اتخاذ أي خطوة بسبب التكاليف المرتفعة جداً، مضيفاً أنه ينتظر أيضاً أي دعم يمكن أن تقدمه جهة مانحة، على أمل أن يتمكن من العودة إلى منزله. ويعكس وضع هؤلاء حال الكثير من المتضررين الذين ينتظرون تدخل جهة قادرة على مساعدتهم في تجاوز هذه المشكلة التي تؤرقهم يومياً.
وتشير تقديرات البلدية إلى أن هناك ما يقارب 3 آلاف وحدة سكنية في البلدة تعرضت لأضرار، وأن الأكثر تضرراً تقع في القطاعين الغربي والشمالي الغربي من البلدة. وطال الدمار البنى التحتية من شبكات ماء وصرف صحي وكهرباء.
رئيس بلدية زملكا ثائر إدريس قال لسيريا ريبورت إن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP أكد استعداده لترميم نحو 200 منزل متضرر في البلدة، وأجرى خلال اكتوبر ونوفمبر، استبيانات لتقييم المنازل الأكثر تضرراً. وأضاف أن “منظمة بناء للتنمية” ستقوم بتنفيذ المشروع تحت إشراف UNDP. ومنظمة بناء للتنمية هي مؤسسة سورية غير حكومية، مرخصة في تركيا، وتعمل في الداخل السوري وتركز على مشاريع إعادة الإعمار والتنمية المستدامة مثل تأهيل شبكات المياه والصرف الصحي وإعادة إعمار البنية التحتية وإزالة الأنقاض في المناطق المتضررة.
وأوضح إدريس أن البلدية سجّلت خلال الفترة الماضية مئات الأسماء على لوائح الانتظار، كما استقبلت ما يقارب عشرات طلبات الترميم من أصحاب منازل متضررة يرغبون بالترميم على نفقتهم الخاصة. ولفت أيضاً إلى أن المؤسسة الدولية للتنمية الاجتماعية SDI، وهي منظمة مجتمع مدني تهتم بتنمية المجتمعات وتقدم الدعم في المجالات الإغاثية والطبية والتنموية والتعليمية، وتسعى إلى تحسين الظروف المعيشية للفئات المحتاجة من خلال تنفيذ مشاريع وبرامج تنموية متنوعة، تقوم حالياً بترميم ثلاثين منزلاً. اختيار هذه المساكن فرض تحديات تتعلق بتقييم الأولوية للمنازل الأكثر حاجة، وفق معايير منها الأسر الأكثر فقراً أو التي لا يوجد فيها معيل أو المنزل الذي يوجد فيه عدد من الشهداء، بحسب ما قاله رئيس البلدية. وأضاف إدريس أن منظمة الشرق الأوسط، وهي منظمة غير حكومية نشطت في الشمال السوري منذ العام 2013 وقدمت العديد من المشاريع العمرانية والخدمية في مناطق الشمال، قد أبدت هي أيضاً استعدادها للمساعدة في الترميم لكنها لم تتخذ أي خطوة عملية حتى الآن.
يدرس سكان زملكا المتضررون خيارين للحصول على موافقات للترميم وفق ما توضحه البلدية. الخيار الأول هو الترميم على النفقة الشخصية، وهو ما يتطلب تقديم عدد من الوثائق من بينها سند ملكية العقار أو ما يثبت الملكية، وتقارير فنية حول وضع البناء والسلامة الإنشائية، إضافة إلى صور للبناء بعد الكشف الحسي للتأكد من صلاحيته للترميم. وتقول البلدية إن الهدف من هذه الإجراءات هو ضبط مخالفات البناء ومنع التعدي على الأملاك العامة، ولذلك لا تُمنح الموافقات للمنازل المخالفة سابقاً التي شُيدت من دون رخصة بناء، رغم أن عددها قليل في زملكا. أما الخيار الثاني فيتعلق بتسجيل الأسماء لدى البلدية بانتظار أي منظمة تبدي استعدادها لتقديم دعم للترميم، وقد تجاوز عدد هذه الطلبات نحو 300 اسم يمكن ترشيحهم للجهات المانحة عندما يتوفر التمويل.
من جهته، أكد مختار بلدة زملكا سمير محمود عثمان، لسيريا ريبورت، أن عدداً كبيراً من أهالي البلدة تواصلوا معه خلال الأسابيع الماضية بهدف تسجيل أسمائهم في حال وجود منظمات يمكن أن تساعد في ترميم منازلهم المتضررة، موضحاً أنه وجّه جميع المراجعين إلى البلدية باعتبارها الجهة المخولة باستقبال هذه الطلبات وتنظيمها.
إدريس أوضح أن البلدية شكّلت لجنة هندسية من مهندسين من ذوي الخبرة ومن أبناء البلدة لوضع رؤية لتطوير المخطط التنظيمي في الأحياء التي تعرضت للدمار. وتعمل اللجنة على تقديم مقترحات لمعالجة الأخطاء التي تضمنها المخطط السابق، إضافة إلى دراسة إمكانية إضافة طابق جديد فوق الطوابق الحالية. ويشير إدريس إلى أنه يمكن رفع عدد الطوابق المسموح بها في البلدة، من خمسة إلى ستة طوابق، شرط توافر شروط السلامة الإنشائية التي تعتبر ضرورية لضمان استقرار المبنى. وسترفع اللجنة مقترحاتها النهائية إلى المجلس التنفيذي في البلدية الذي سيعد مذكرة بهذه التوصيات.
