دولرة السوق العقارية في حلب
أسوة بباقي التعاملات التجارية، أقصى الدولار الأميركي الليرة السورية في البيوع العقارية، في معظم مناطق سيطرة الإدارة الانتقالية، وخاصة في حلب، خلال الأشهر الأخيرة التي تلت سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2025. وعدا عن بروز مشاكل كبيرة تتعلق بأسعار العقارات الفلكية مقدرة بالليرة، وانكماش الكتلة النقدية من الليرة السورة في السوق، فإن النزوع إلى دولرة أسعار العقارات جاء أيضاً كحركة طبيعية في السوق، بغرض تثبيت الأسعار وضمان عدم تأثرها بتقلبات صرف الليرة السورية.
الجو المتفائل بإمكانية عودة الحلبيين من بلاد اللجوء والاغتراب، نشر ارتياحاً في سوق العقارات، مع توقع زيادة الطلب. لذا، استبق تجار العقارات ذلك بعمليات شراء كثيفة للوحدات السكنية، خصوصاً في أحياء مدينة حلب الغربية، وهي بمعظمها مساكن مرخصة في مناطق منظمة، على أمل بيعها خلال فترة وجيزة. وبحسب تقديرات مطلعين على حركة السوق العقارية بحلب، فإنه منذ سقوط نظام الأسد حتى اليوم جرت بيوع عقارية لحوالي 3 آلاف وحدة سكنية، حركت كتلة نقدية بحدود 150 مليون دولار.
ويطلق على عملية استخدام عملة أجنبية، بالتوازي مع، أو بدلاً عن العملة المحلية، في التعاملات التجارية، اسم الدولرة “dollarization”. وتعتبر السوق العقارية من أكثر القطاعات التي طالتها عملية الدولرة بسبب ارتفاع أسعار العقارات ووصولها الى أرقام فلكية بالليرة السورية ما بات يعيق عمليات الشراء والبيع نقداً أو عبر التحويلات البنكية.
ومن أسباب الدولرة، ما يشهده السوق من انخفاض في الكتلة النقدية لليرة السورية. الإجراء الأهم كان قد اتخذه المصرف المركزي منذ مطلع العام 2025، بتقليل كمية الكتلة النقدية لليرة السورية المتداولة في السوق، عبر حصر إيداعات الجهات العامة لديه، بعدما كانت موزعة على المصارف العامة والخاصة. ويقلل هذا الإجراء من قدرة تلك المصارف على ضخ تلك الكتلة في السوق على شكل قروض لتمويل أنشطة اقتصادية منها القطاع السكني.
وليد النايف، صاحب مكتب عقاري في حي الزهراء قال لسيريا ريبورت، أنه اضطر للتعامل بالدولار لتوافره في السوق، وسهولة الحصول عليه بكميات كبيرة، مع انخفاضه بنسبة 35 في المئة عن الفترة الأخيرة التي سبقت سقوط نظام الأسد. ويوضح أن كل ذلك سهّل الإجراءات المالية للبيوع العقارية، إذ يتم دفع ثمن العقار بالدولار، وبرزم قليلة مقارنة بالليرة السورية. وهذا ما دفع أصحاب المكاتب العقارية الى “تسجيل قيمة العقارات في عقود الشراء والايجار بالدولار، بغض النظر عن العواقب القانونية، إن وجدت”.
وكشفت المحامية آية كريّم، في حديثها لسيريا ريبورت، أنه بموجب القوانين السارية، ما زال ممنوعاً التعامل بغير الليرة السورية في المعاملات العقارية. المرسوم رقم 5 لعام 2024، يمنع السوريين والمقيمين الأجانب من غير المستثمرين، من التعامل بغير الليرة السورية، ويعتبر ذلك جريمة ويفرض عقوبات عليها. وأردفت المحامية، بأنه من حيث المبدأ ووفق القانون السوري، يمكن كتابة عقود شراء وإيجار العقارات بالدولار، حيث لا يوجد نص صريح يحول دون ذلك. لكن، قوانين الصرف الأجنبي واللوائح المحلية، تقيّد تقاضي الثمن بغير الليرة السورية، ما قد يعرض أطراف العقد لمخاطر قانونية أو مالية.
ولكن، على أرض الواقع، وبحسب ما قاله المحامي المتخصص في شؤون العقارات علي مصطو، لسيريا ريبورت، فقد جرى توقيف الدعاوى والملاحقة بخصوص التعامل بغير الليرة السورية. إذ أقرّ المصرف المركزي في منتصف مايو 2024، إجراءً بإلغاء القيود المفروضة على التعامل بالدولار الأميركي، وذلك لحض الأفراد والشركات على إخراج المدخرات منه. وأضاف المحامي، أن المتعامل بغير الليرة لا يتعرض للمسائلة حالياً، على الرغم من عدم صدور أي قانون جديد أو تعديل على مواد القانون القديم. وبحسب المحامي، فحق الملكية مصان في حال كتابة قيمة العقارات في العقود بالدولار، ولكن يستحسن كتابة السعر بالليرة السورية مع ما يعادله بالدولار.
وأشار مصطو، إلى أن الدولة تتغاضى عن استعمال الدولار كوسيلة للتبادل أو عملة قانونية الى جانب الليرة السورية، إلا أن ذلك لا يشكل اعترافاً واقراراً رسمياً من قبلها بالدولرة، لأن ذلك إن حدث سيتسبب بانخفاض قيمة الليرة. وأشار المحامي، الى أن هناك تسريبات تشير الى أن مجلس الشعب المقبل سينظر في هذا الأمر، وسيقر قوانين لتنظيمه، وقد يحصر كتابة العقود بالليرة السورية، بعد استبدال العملة الحالية بأخرى جديدة سبق وأعلن عنها حاكم المصرف المركزي ووزير المالية.
