داريا بين عودة واسعة للسكان وتعثر في تثبيت الملكيات ورفع الأنقاض
رغم عودة جزء من السكان بعد سقوط نظام الأسد نهاية العام 2024، لكن مدينة داريا في ريف دمشق ما تزال تواجه عقبات كبيرة مرتبطة بتثبيت الملكيات داخل القطاعات المتضررة والعشوائيات، وبطء رفع الأنقاض، وضعف البنية الخدمية. وتطرح البلدية في هذا السياق مخططين جديدين لإعادة تنظيم منطقة الخليج وتوسعة المدينة، إلا أن هذه الخطوات تظل محدودة أمام التحديات الأوسع التي تعرقل إعادة الإعمار الفعلية.
شهدت داريا في عام 2011 حراكاً سلمياً واسعاً قبل أن تسيطر عليها فصائل المعارضة في عام 2012. تعرضت المدينة لاحقاً لقصف عنيف وحصار شديد انتهى في عام 2016 بتهجير سكانها قسرياً وتدمير مناطق واسعة. وفي عام 2018 قسمت محافظة ريف دمشق داريا إلى ثلاثة قطاعات استناداً إلى مستوى الدمار. القطاع (أ) ذو الدمار المحدود، ويمتد على طريق دمشق-داريا من جهة الشمال. وسُمِحَ فقط لأصحاب المساكن في هذا القطاع بالحصول على رخص ترميم بعد تقديم الوثائق التي تثبت الملكية، بشرط وجود موافقة أمنية مسبقة من الفرقة الرابعة المسيطرة حينها على المنطقة. فعلياً، قُدّر عدد العائدين، ما بين العامين 2019-2024 إلى هذا القطاع بنحو 25 ألف نسمة.
بينما القطاع (ب) ذو الدمار المتوسط، المحيط بشارع الثورة، فقد وضعت له البلدية جدولاً زمنياً لعودة السكان يبدأ بعد أن تنتهي عمليات رفع الأنقاض منه. في حين أن القطاع (ج) ذو الدمار الكامل، ويضم منطقة الجمعيات، فقد اعتبر بحاجة لإعادة بناء شاملة. ولم يسمح لأصحاب العقارات في القطاعين (ب) و(ج) بالعودة عملياً حتى سقوط النظام في ديسمبر 2024. وبحسب تقديرات أهلية فقد وصل عدد السكان العائدين إلى داريا إلى 200 ألف بعد سقوط نظام الأسد.
في المقابل، منطقة الخليج التابعة لداريا، وغير المصنفة ضمن القطاع (ج) فهي المنطقة التي تم هدمها كلياً. وكان يقطن هذه المنطقة نحو 20 ألف نسمة قبل العام 2011، المقسومة على جزئين، منظم وآخر عشوائي مبني على أراض مصنفة زراعية يمنع البناء عليها. عملية الهدم التي نفذتها قوات النظام في العام 2012، لمنطقة الخليج، تمت من دون أي مستند قانوني، بسبب قرب البناء فيها من مطار المزة العسكري ومبنى المخابرات الجوية.
طرحت بلدية داريا في مطلع نوفمبر، مصوراً تنظيمياً لإعادة بناء منطقة الخليج، يتضمن تحويل المنطقة إلى أبراج سكنية حديثة موزعة على المالكين وفق نظام الأسهم، بحسب ما قاله رئيس البلدية محمد جعنينة، لسيريا ريبورت. وقد طالبت البلدية الأهالي الذين كانوا يقيمون في المساكن غير المرخصة في المنطقة العشوائية بتقديم وثائق تثبت ملكيتهم للأراضي التي بنيت عليها مساكنهم. وتشير تقديرات البلدية إلى أن 30 بالمئة من السكان في الجزء العشوائي لم يعودوا إلى المنطقة بعد وبالتالي لم يتمكنوا من إثبات ملكيتهم.
ويقوم المصور على تحويل الأراضي في منطقة الخليج إلى حصص سهمية تعادل قيمتها السعر في السوق. وبعد إعمار المنطقة، يجري توزيع الشقق في الأبراج السكنية على أصحاب الحقوق بموجب حصصهم السهمية. وذكر رئيس البلدية أن لجنة تضم سبعة أعضاء تشكلت في البلدية لبحث أوضاع الملكيات في منطقة الخليج.
في المقابل، طرحت بلدية داريا في أكتوبر الماضي مصوراً لتوسعة المدينة بنسبة 10 بالمئة، ورفعته إلى محافظة ريف دمشق لدراسته. وأوضح نائب رئيس البلدية إسماعيل ناعسة، لسيريا ريبورت، أن هذا المخطط لا يتعلق بإعادة بناء الأحياء المتضررة بل يقتصر على التوسعة العمرانية.
وأشار ناعسة، إلى وجود أحياء عشوائية مبنية على أراض زراعية ضمن مدينة داريا نفسها، والمساكن غير مرخصة وغير ملحوظة في السجلات العقارية. وأضاف أن البلدية تمنح موافقات الترميم فقط لمن يتمكن من إثبات ملكيته. ويكفي لإثبات الملكية في هذه العشوائيات وجود فواتير ماء أو كهرباء باسم صاحب العقار، أو عقد بيع موثق عند الكاتب بالعدل. وأشار ناعسة إلى أن اللجنة الفنية في البلدية تكشف على الأبنية لتحديد ما إذا كانت صالحة للترميم أو تحتاج إلى الهدم وإعادة البناء.
من جهة أخرى، أعلن الدفاع المدني بداية ديسمبر الجاري، بالتعاون مع مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، عن البدء بترحيل حوالي 40 ألف متر مكعب من الأنقاض من المدينة. إلا أن هذه الكمية تبقى محدودة جداً مقارنة بحجم الأنقاض في داريا الذي يتجاوز 500 ألف متر مكعب. قال مدير الدفاع المدني منير مصطفى، لسيريا ريبورت، إن ترحيل 40 ألف متر مكعب يحتاج إلى نحو 10 أشهر. أوضح أنه تم تحديد مركز في منطقة الصبورة خارج داريا، لتجميع الأنقاض المرحّلة قبل تدويرها. وكشف أن العمل جار على شراء معدات مخصصة لتدوير الأنقاض، وأن هناك خطة لتولي شركة خاصة عملية التدوير والاستفادة من المواد الناتجة.
عضو مجلس الأعيان سليم أسد، قال لسيريا ريبورت، إن داريا ما تزال تعاني من غياب الإنصاف وغياب إعادة الخدمات الأساسية والبنية التحتية أسوة بالمناطق القريبة. وأشار أسد إلى أن الدمار كبير وأن المجتمع المحلي لا يستطيع وحده تحمل تكاليف مشاريع إعادة الإعمار، رغم أن نسبة كبيرة من الخدمات الحالية في المدينة لإصلاح شبكات الماء والكهرباء، تقدم بجهود أهلية. ويمثل مجلس الأعيان الجهة المدنية شبه الرسمية المعتمدة من وزارة الإدارة المحلية ويتألف من خمسة من وجهاء المدينة ويتولى تقديم المقترحات للجهات الرسمية والتفاوض مع المنظمات غير الحكومية والدولية لتقديم المساعدات للمدينة. وشدد أسد على ضرورة إعادة توجيه المشاريع نحو الإعمار الحقيقي واعتبر أن ما يجري حالياً مجرد وعود من دون تنفيذ فعلي. وأبدى تفاؤلاً بأن بدء إزالة الأنقاض قد يشكل خطوة أولى نحو عمل ملموس في إعادة البناء.
