حي التضامن بعد سقوط النظام: عودة السكان تكشف جرائم الاستيلاء والابتزاز والخراب
بدأت عودة تدريجية لعائلات حي التضامن جنوب دمشق، بعد سقوط نظام الأسد، لتكشف عن إرث ثقيل من الانتهاكات التي ارتكبت خلال سنوات سيطرة النظام وأجهزته الأمنية وميليشياته المحلية.
إذ أظهرت شهادات السكان، والتحقيقات الميدانية، أن الحي كان مسرحاً لعمليات واسعة من الاستيلاء غير القانوني على العقارات، وابتزاز الأهالي عبر شرط الحصول على الموافقات الأمنية المسبقة للعودة ولاستخراج رخص الترميم، إضافة إلى تفجير الأبنية بقصد طمس معالم الملكيات وإخفاء الجرائم. هذا عدا عن الدمار الهائل الذي طال البنية التحتية والخدمات الأساسية، وعن تفكك شبه كامل للسلطة المحلية، بما يترك السكان في مواجهة تبعات الإهمال المتعمد والفساد المزمن. وقد فرضت هذه الديناميات عبئاً أكبر على النساء المُهجّرات، اللواتي اضطررن في كثير من الأحيان إلى التعامل مع إجراءات معقدة وخطرة لاستعادة ممتلكاتهن، خاصة في ظل غياب الأطر القانونية الحمائية وانتشار الفساد، مما جعلهن عرضة بدرجة عالية للاستغلال والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
يقع حي التضامن جنوب شرقي دمشق، ويُعدّ بمثابة البوابة الجنوبية للعاصمة، على بعد ستة كيلومترات من مركزها. نشأ الحي في نهاية ستينيات القرن الماضي عندما نزح الآلاف من الجولان والقنيطرة بعد حرب حزيران 1967، وأقاموا تجمعات سكنية عشوائية على أراضي زراعية تابعة لمدينة دمشق. مع الوقت، استقطب التضامن موجات إضافية من الوافدين من مختلف المحافظات السورية، وبقي حتى العام 2011 يعاني من ضعف الخدمات وتردي الأوضاع المعيشية. خلال سنوات الحرب، انتفض جزء من سكان الحي ضد النظام، وسيطرت المعارضة المسلحة على القسم الجنوبي منه اعتباراً من العام 2012، مما جعله عرضة لحصار وقصف متواصل من قوات النظام، تسبب بدمار واسع. لاحقاً، في العام 2017، سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على الجزء الجنوبي، قبل أن تستعيده قوات النظام مطلع العام 2018 عبر حملة عسكرية انتهت بتهجير قسري لمعظم سكانه. ومنذ ذلك الحين وحتى سقوط النظام في 2024، خضع الحي لسلطة أمنية مشددة ولم تنجح جهود إعادة الإعمار أو تنظيم العودة إليه.
عاد قرابة 800 عائلة إلى حي التضامن جنوب دمشق بعد سقوط نظام الأسد. بعض العائلات بدأت بمحاولات محدودة لإعادة تأهيل منازلها، بينما اقتصر تحرك البعض الآخر على تفقد ممتلكاتهم المتضررة. عدد كبير من المنازل تعرض لدمار كامل، ومعظم العائدين لا يمتلكون القدرة المادية على الترميم، فيما فضّل آخرون انتظار تحسن الظروف الاقتصادية قبل البدء بأي إصلاحات.
القسم الجنوبي من الحي، الذي كان تحت سيطرة المعارضة قبل 2018، تجاوزت نسبة الدمار فيه 65%. لا تتوفر فيه مقومات الحياة الأساسية، مثل الكهرباء والمياه والاتصالات والإنترنت. الطرقات بين الحارات بقيت مغلقة إلى حد كبير، وبدأ السكان بفتحها بأنفسهم بعد سقوط النظام. اقتصرت جهود الجهات الحكومية على إزالة بعض الكتل الإسمنتية التي كانت وضعتها قوات الأسد لأغراض أمنية، دون أي تدخل فعلي لإعادة تأهيل البنية التحتية.
ما تزال بعض أجزاء الصرف الصحي مكشوفة، فيما تعاني شوارع الحي من حفريات وردميات متراكمة، نتيجة الدمار الذي لحق بالحي خلال المعارك، وحركة المدرعات، والإجراءات الأمنية السابقة. ورغم سيطرة النظام الكاملة على الحي منتصف 2018، لم تتم أي أعمال تعبيد أو إصلاح للطرقات.
فقد سبق وتولى المكتب الأمني، التابع لجهاز الأمن العسكري المشرف على التضامن، بقيادة صالح الراس الملقب بـ”أبو منتجب”، عملية الاستيلاء على عقارات المعارضين والغائبين، عبر تشكيل خلية مختصة بتزوير الوثائق، وببيع العقارات بالاحتيال.
كان عناصر الخلية يجمعون معلومات عن العقارات الشاغرة والمهجورة، ويستخرجون منها ما تركه أصحابها من وثائق ملكية. بعد ذلك، كانوا يبيعون العقار عبر سلسلة من الصفقات الداخلية ضمن الخلية، حيث يُكتب عقد بتاريخ قديم بين عنصرين منها، ثم يُباع العقار مرة أخرى لعنصر آخر، بحيث يتعدد الملاك على الورق إلى أربعة أشخاص على الأقل. هذا الأسلوب كان يهدف إلى إيهام المشترين لاحقاً بأن العقار قد انتقل بين عدة ملاك بشكل طبيعي.
تقوم عمليات البيع الوهمي للعقارات على استغلال غياب أصحابها، خاصة في المناطق العشوائية أو العقارات غير المسجلة نظامياً، حيث يعمد المحتالون إلى انتحال صفة أحد الورثة أو المالكين، بعد الحصول على وثيقة حصر إرث، يبرمون عقود بيع وهمية مع مشترين حسن النية بحضور شهود زور. لاحقاً، تُرفع دعاوى تثبيت بيع أمام المحاكم، ويتم فيها استخدام تبليغات غير صحيحة لأصحاب العقارات، بهدف منعهم من الحضور والدفاع عن حقوقهم. تعتمد المحاكم غالباً، وبصورة مخالفة للقانون، على شهادات الشهود فقط دون تحقق من صحة التواقيع أو البصمات، مما يؤدي إلى إصدار أحكام بتثبيت البيع ونقل الملكية بناءً على معطيات مزورة.
تحدث بعض سكان الحي لسيريا ريبورت، بأن الحصول على موافقات أمنية للعودة إلى الحي أو لترميم المنازل، خلال فترة سيطرة نظام الأسد، كان خاضعاً لابتزاز ممنهج، عبر شبكات مرتبطة بالمكتب الأمني برئاسة “أبو منتجب”، ومعه أشخاص آخرون كالمساعد في فرع فلسطين المعروف باسم “أبو علي حسن”.
بحسب شهادة إبراهيم، أحد سكان الحي، كان التقدم بطلب الحصول على موافقة أمنية يتطلب دفع رشاوى مالية كبيرة، واستغرق صدور الموافقة لشهر ونصف بعد دفع المبالغ المطلوبة. وبعدها، استمر الابتزاز عند محاولة ترميم المنازل، حيث فُرضت أتاوات مالية على إدخال مواد البناء. فمثلاً، كان يُفرض مبلغ 100 ألف ليرة سورية مقابل إدخال 100 كيلوغرام من الإسمنت. ولم يكن مسموحاً إدخال أي مواد تتعلق بالبناء إلا بدفع مبالغ مالية لشخص ملقب بـ”ماريو”، بالتنسيق مع مختار الحي. أشار إبراهيم إلى أن الحصول على الموافقة الأمنية كان صعباً وانتقائياً للغاية، وشمل عدداً محدوداً جداً من السكان، حتى من بين الموالين للنظام، مما جعل العودة مرهونة بدفع الرشاوى واسترضاء المتنفذين المحليين.
وبالنظر إلى انتشار أعمال العنف والمجازر في المنطقة، أصبحت العديد من الأسر العائدة تُرأسها نساء، مما يجعل من الصعب عليهن التعامل مع شبكة الفساد والاستغلال الموروثة من عهد النظام، والتي يصعب تجاوزها لاستعادة الممتلكات وإعادة البناء.
وقد كشفت تحقيقات أمنية جارية حالياً في حي التضامن أن تفجير الأبنية خلال سنوات سيطرة النظام لم يكن عشوائياً، بل كان يتم أحياناً بشكل متعمد لإخفاء معالم المنطقة وحدود العقارات، أو لإخفاء جثث الضحايا. مسؤول أمني أكد لمراسل “سيريا ريبورت” أن بعض المتورطين في مجزرة “حفرة التضامن” اعترفوا بأنهم شاركوا في تفجير أبنية لهذا الغرض. ذكر المسؤول الأمني أن عمليات التفجير استهدفت على وجه التحديد بعض الأبنية في منطقة شارع السبورات، ومحيط جامع عثمان بن عفان، وموقع مجزرة حفرة التضامن. أدى ذلك إلى صعوبة بالغة لدى كثير من السكان في منطقتي سليخة والطبب بالتعرف إلى مواقع منازلهم، بسبب اختفاء المعالم الأساسية. وفي أحيان أخرى، كانت الأبنية تُفجر بغرض سرقة الحديد من تحت الأنقاض، ضمن عمليات تعفيش منظم استهدفت حتى البنى الإنشائية للأبنية المدمرة.
من كل ذلك، تكشف العودة التدريجية لسكان حي التضامن مؤخراً، عن حجم الانتهاكات التي مورست خلال سنوات سيطرة نظام الأسد وميليشياته على الحي. من الاستيلاء على عقارات الغائبين عبر شبكات منظمة، إلى ابتزاز الراغبين بالعودة مالياً عبر منظومة الموافقات الأمنية، مروراً بتفجير الأبنية لإخفاء المعالم والجثث، ورغم محاولات السكان لاستعادة حقوقهم، إلا أن غياب مؤسسات الدولة ومنها القضاء، واستمرار سلطة النافذين المحليين في الحي من عهد النظام، يعرقل أي معالجة حقيقية لقضايا الملكية. وفي ظل الدمار الواسع وغياب الخدمات، يبقى سكان التضامن في مواجهة واقع قاس، يُعيد تذكيرهم بالإرث الثقيل الذي تركه النظام، ويجعل من إعادة بناء الحي واستعادة الحقوق تحدياً مفتوحاً دون أفق واضح للحل.
