حمص تبدأ تنفيذ مشروع بوليفارد النصر وسط اعتراضات على الاستملاك واستبعاد حي القرابيص
أُعلن عن مشروع بوليفارد النصر في 12 آب 2025 خلال مؤتمر رسمي في حمص حضره محافظ حمص عبدالرحمن الأعمى، ورئيس مجلس إدارة شركة العمران للتطوير والاستثمار العقاري رفاعي الحمادة، ليكون أول مشروع عمراني كبير يُطرح بعد سقوط نظام الأسد. وقدمت المحافظة المشروع باعتباره جزءاً من سلسلة مشاريع لإعادة إعمار المناطق المتضررة في المدينة.
والمشروع يقوم على أراض ممتدة بين حي القرابيص والبساتين المحيطة به، وصولاً إلى مناطق المصابغ وسوق الهال وحديقة النصر. ويتضمن المشروع إنشاء نحو 4500 وحدة سكنية حديثة، ومرافق تجارية واستثمارية، وسوقاً مركزية، إضافة إلى متنزه عام مساحته تقارب 350 ألف متر مربع بمسطحات خضراء ومائية وملاعب. وحددت المحافظة مدة تنفيذ المشروع بسبع سنوات، وتروّج له بوصفه خطوة لإعادة إعمار المدينة وتحفيز الاستثمار وتوفير نحو 15 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.
لكن، سرعان ما شهد حيّ القرابيص في حمص أول ردّ فعل شعبي مباشر على مشروع بوليفارد النصر، إذ خرج عشرات السكان في 15 آب 2025 في مظاهرة عقب صلاة الجمعة رافعين لافتات ترفض المشروع وتطالب بإيقافه فوراً. ويعد حي القرابيص من الأحياء الشعبية القديمة التي تضم مساكن عربية. وقد سكن الحي أصحاب الدخل المحدود والمتوسط، خصوصاً العمال وأصحاب المهن الصغيرة والتجار البسطاء المرتبطين بسوق الهال والمصابغ، والفلاحين العاملين في البساتين المحيطة. خلال سنوات الحرب، شهد الحي حراكاً شعبياً معارضاً لنظام الأسد، وسيطرت عليه فصائل معارضة، فتعرض لقصف ودمار في المنازل والبنية التحتية، ما أدى إلى نزوح معظم سكانه. بعد سقوط النظام عاد بعض النازحين تدريجياً، لكن الحي ما زال يعاني من آثار الدمار، مع وجود مناطق شبه خالية وخدمات متضررة.
وتركّزت اعتراضات أهالي القرابيص على خشيتهم من إزالة منازلهم ومحالهم التجارية التي ما تزال موضع نزاع قانوني منذ استملاكها في التسعينيات لإنشاء حديقة لم تنفذ على أرض الواقع. الاستملاك جرى بموجب قرار صادر عن محافظة حمص لتنفيذ مشروع “حديقة الشعب”، استناداً إلى أحكام قانون الاستملاك السوري رقم 20 لعام 1983 الذي يجيز نزع الملكية للمنفعة العامة مقابل تعويض عادل. وبحسب شهادات الأهالي، فالتعويضات التي أقرت آنذاك اعتُبرت زهيدة وغير منصفة مقارنة بالقيمة الحقيقية للأراضي، ما دفع كثيراً منهم إلى رفض استلامها أو الدخول في نزاعات قضائية، وهو ما أبقى الأراضي موضع خلاف حتى اليوم. الأراضي المستملكة لصالح مشروع “حديقة الشعب”، اقتصرت فعلياً على حي القرابيص ومنطقة البساتين المحيطة به.
ووجّه المحتجون مطالب للمحافظة بإلغاء تجميد المعاملات العقارية في حي القرابيص، أي رفع إشارة الاستملاك عن أراضيهم. وكذلك طالب المحتجون بوقف أي أعمال تمهيدية في الأراضي موضع الاستملاك القديم. وتحت ضغط هذه الاحتجاجات أعلنت شركة العمران للتطوير والاستثمار العقاري في 17 آب استبعاد حيّ القرابيص بالكامل من نطاق مشروع بوليفارد النصر.
المحامي أنس سليم، قال لسيريا ريبورت، أن قرارات الاستملاك القديمة بوصفها قرارات إدارية، قابلة للطعن أمام القضاء الإداري، رغم أن القانون يمنح الجهات العامة حق الاستملاك للنفع العام فقط. ويعتبر سليم، أن إدخال حي القرابيص ضمن مشروع بوليفارد النصر، يفتح المجال للطعن في مشروعية الاستملاك القديم نفسه، خصوصاً إذا تغيّر الغرض الذي استُملكت من أجله العقارات الأصلية. كما يوضح أن ملكية الدولة للعقار تصبح تامة بمجرد صدور مرسوم الاستملاك وتسديد التعويض، ولا يحق للمالك السابق المطالبة بتعويضات جديدة إلا إذا ثبت قضائياً عدم تنفيذ الغاية التي جرى الاستملاك من أجلها.
في كل الأحوال، بدأت أعمال الحفر لتنفيذ مشروع “بوليفارد النصر” في أكتوبر 2025 عند أطراف سوق الهال والمصابغ، إلى جانب شارع نزار قباني والميماس. وهذه الأحياء منظمة، وأبنيتها مرخصة، ويقطنها تجار وعمال وحرفيون مرتبطون بسوق الهال والمصابغ. وهذه المناطق لم يشملها الاستملاك القديم، ولم يصدر قرار جديد باستملاكها ما أثار اسئلة كثيرة حول إمكانية تنفيذ مشروع كهذا قبل تسوية قضايا الملكية في المنطقة.
سيريا ريبورت تواصلت مع المكتب الإعلامي لمحافظة حمص، لكنها لم تتلقَ رداً حتى ساعة كتابة هذا التقرير. الأسئلة التي وجهتها سيريا ريبورت للمحافظة، تركزت إن كان هناك قرار باستملاك الأراضي المشمولة بمشروع بوليفارد النصر، وآلية إصداره، وأيضاً عن آلية التعويض وحفظ الحقوق لأصحاب المساكن والمحال في منطقة التنفيذ. كما أُحيلت استفسارات سيريا ريبورت الموجهة إلى شركة العمران للتطوير العقاري، إلى مديرها التنفيذي بوصفه المخوّل بالتصريح، من دون الحصول على إجابة.
يقول ناشطون محليون إن المشروع، رغم تقديمه كبداية لمرحلة إعمار جديدة في حمص، لا يعكس الأولويات العمرانية الأكثر إلحاحاً في المدينة. ويشير الناشط خالد أبو صلاح إلى أن المحافظة تروّج للمشروع بوصفه جزءاً من خطتها لإعادة إعمار المناطق المتضررة، إلا أن الواقع على الأرض يُظهر تركيزاً على شريط من البساتين والأراضي المحاذية لحديقة النصر، وهي مناطق استُملكت منذ تسعينات القرن الماضي من دون تعويض عادل للمالكين. ويرى أبو صلاح أن إطلاق مشروع بهذا الحجم في وسط المدينة يتجاهل وجود ما لا يقل عن 13 حياً مدمراً ما تزال تفتقر إلى مخططات تنظيمية وإعادة تأهيل حقيقية، مثل بابا عمرو والخالدية والبياضة وجورة الشياح ودير بعلبة وأجزاء واسعة من المدينة القديمة.
المشروع يحمل طابعاً استثمارياً وتجميلياً أكثر من كونه استجابة فعلية لاحتياجات الإعمار الملحّة في حمص. ولكن إعادة طرح هذه الأراضي للاستثمار بعد عقود من تجميدها، ومن دون معالجة قانونية أو اجتماعية لقضايا الملكية القديمة أو لوضع المالكين الذين فقدوا وثائقهم خلال سنوات الحرب، ما يعزز القلق من أن تتحول عملية الإعمار إلى إعادة تدوير لسياسات الاستملاك السابقة بدلاً من تصحيحها. ويرى أن منطق العدالة العمرانية يفترض البدء بالمناطق ذات الضرر الأكبر، بينما يعكس المشروع كما طُرح اليوم أولوية رأس المال أكثر مما يعكس احتياجات السكان المتضررين.
الاتفاق مع الشركة المنفذة أُعلن خلال مؤتمر استثماري رسمي، وظهرت لوحات الإعلانات في شوارع حمص قبل توضيح التفاصيل للسكان أو فتح نقاش عام حول المخطط. الناشط أبو صلاح قال إن ما جرى كان إبلاغ الأهالي بالمشروع بدلاً من مشاركتهم في تصميمه أو مناقشة أثره على ممتلكاتهم، حيث لم تُعقد منتديات عامة ولا ورش تشاركية ولا حتى استبيانات لآراء المالكين في المناطق المشمولة بالتنفيذ. ويرى أن استجابة المحافظة لاحقاً لاحتجاجات سكان القرابيص توضح أن المجتمع المحلي لم يكن شريكاً في التخطيط، بل تم التفاعل معها بعد بدء الإجراءات التنفيذية.
وينتقد أبو صلاح الطريقة التي عرضت بها المحافظة تفاصيل المشروع للجمهور، والتي اقتصرت على بيانات وتصريحات رسمية ركزت على الجوانب الإيجابية مثل عدد الوحدات السكنية وفرص العمل والمساحات الخضراء، في حين تجنبت نشر الوثائق الأساسية، بما في ذلك مذكرات التفاهم والعقود الموقعة وآليات اختيار الشركاء أو المستفيدين. ويرى أن هذا النمط من التعتيم شائع في مشاريع الإعمار داخل سوريا، إذ يُكتفى بتسويق المشاريع بوصفها مؤشرات لعودة الحياة من دون الكشف عن الشروط القانونية والمالية التي تحكمها، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة لدى المالكين حول معايير التعويض والجهات التي ستستفيد من تنفيذ المشروع.
ويرى أبو صلاح أن غياب الوضوح في آليات التخطيط والتنفيذ يهدد مفهوم الحق في المدينة، إذ يفترض هذا المفهوم أن يعرف السكان الأسس التي تُدار على أساسها موارد مدينتهم والقرارات التي تمس مستقبل أحيائهم وممتلكاتهم. ويشير إلى أن تحويل البساتين المحاذية لحديقة النصر إلى منطقة استثمارية قد يقطع الصلة التاريخية بين سكان حمص وهذا الامتداد الزراعي الذي شكّل جزءاً من هوية المدينة ومصدر رزق للعشرات من الأهالي الذين كانوا يملكون هذه الأراضي ويزرعونها، إضافة إلى عمال زراعيين كانوا يعتمدون عليها كمصدر دخل يومي.
وتقول مصادر محلية في حمص لسيريا ريبورت، أن هؤلاء المزارعين وأصحاب الملكيات تفرّقوا اليوم بين من بقي في حمص ويواجه خطر فقدان ملكيته، ومن نزح إلى أحياء أخرى داخل المدينة، ومن غادر خارج سوريا بحثاً عن فرص عمل بديلة، ما جعل البساتين تتحول من فضاء إنتاجي إلى ملف نزاع عقاري مفتوح.
