حقوق ما بعد النزاع: استثمار الأراضي الشاغرة للغائبين من المهجرين قسرياً
(تنشر سيريا ريبورت سلسلة مقالات تحت عنوان “حقوق ما بعد النزاع ” تضيء فيها على أبرز انتهاكات حقوق السكن الأراضي والممتلكات، في عهد حكومات النظام السابقة، خاصة خلال المرحلة التي أعقبت ثورة العام 2011، وانتهت بسقوط النظام في 8 ديسمبر 2024، وتقترح بعض الحلول لمواجهتها في ظل أي عدالة انتقالية ضمن مرحلة ما بعد النزاع)
منذ العام 2021، أطلقت حكومة دمشق السابقة، عبر محافظات حماة وحلب والرقة وإدلب، عملية ممنهجة للاستفادة من أراضي الغائبين المهجرين قسرياً إلى مناطق المعارضة شمال غربي سوريا، عبر طرحها للاستثمار في المزادات العلنية. العملية تطورت مع الوقت، وخضعت للكثير من التعديلات، وتمت بشكل مؤسساتي، عبر لجان وبالاستناد إلى قوانين وقرارات رسمية. الهدف الرئيسي من العملية كان تحقيق عائدات مالية للنظام، إلا أنها مثلت خطراً على ملكية تلك الأراضي باعتبارها أميرية، يمكن أن تعود ملكيتها للدولة إذا تركها صاحبها أكثر من 5 سنوات متواصلة.
العملية بدأت عبر لجان مكانية “لجان الإحصاء والجرد” التي تشكلت على مستوى المناطق أو القرى، وضمت ممثلين عن المؤسسات الحكومية مثل مديريات الزراعة، الوحدات الإدارية المحلية، والدوائر العقارية، وعملت بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية لتحديد الأراضي الشاغرة. الهدف الرئيسي للجان كان تحديد الأراضي التي تعود ملكيتها لأشخاص مهجرين قسراً أو غائبين، وإدراجها في قوائم الأراضي الشاغرة التي يمكن استثمارها عبر المزادات أو التخصيص. ولهذا الغرض، قامت اللجان بجولات ميدانية لتحديد الأراضي غير المزروعة أو المهجورة، مستندة إلى سجلات العقارات المتوفرة لدى مديريات الزراعة والدوائر العقارية. وقامت بإحصاء الأراضي وفقاً لتصنيفاتها (زراعية، مشجرة، مسامك، سليخ)، مع التركيز على الأراضي ذات القيمة العالية مثل أراضي الفستق الحلبي والزيتون. استدعت اللجان الأهالي المتبقين في المنطقة، لجمع المعلومات حول الأراضي، بما في ذلك حالة الملكية وحالة الغياب.
اللجان أصدرت إعلانات تدعو مالكي الأراضي لإثبات ملكيتهم أو تقديم ما يثبت عدم غيابهم. في حال عدم التجاوب خلال فترة محددة، تم اعتبار الأراضي شاغرة. على سبيل المثال، طلبت مديرية زراعة حماة، في تموز 2021، من مالكي أراضي الفستق تقديم وثائق بملكيتهم لها، خلال شهر لتجنب إدراجها في لوائح المزادات. وبناءً على عمل تلك اللجان، تم إدراج آلاف الهكتارات، في محافظات حماة، حلب، إدلب والرقة، للاستثمار عبر المزادات العلنية. في إدلب لوحدها، قامت اللجان بتحديد أراضٍ بمساحة تتجاوز 10 آلاف هكتار لإدراجها في المزادات. في 28 مايو 2024، أصدرت محافظة إدلب الإعلان رقم 276، الذي طلبت فيه من مالكي الأراضي المشجرة بالفستق الحلبي تقديم وثائق تثبت ملكيتهم لأراضيهم بهدف استثنائها من المزادات العلنية المقررة لاستثمار أراضي الغائبين من المهجرين قسرياً لموسم 2024-2025، والسماح لهم بالانتفاع بها واستثمارها شخصياً. في حال عدم تقديم الوثائق المطلوبة، تُعرض الأرض في المزاد العلني للاستثمار من قبل آخرين. كما طلبت مديرية زراعة حماة من مالكي أراضي الفستق تقديم أوراق تثبت الملكية خلال فترة قصيرة، ما أدى إلى تصنيف آلاف الهكتارات كأراضٍ شاغرة.
وبعد الانتهاء من عمل اللجان، يتم عرض الأراضي الشاعرة في المزادات العلنية لاستثمارها. وتشمل المزادات أراضي مزروعة بالفستق الحلبي، الزيتون، والتين، بالإضافة إلى الأراضي السليخ غير المشجرة. ودائماً ما يتم الإعلان عن المزادات عبر الأمانات العامة للمحافظات، وتشمل إعلانات ورقية في المكاتب الإدارية ولوحات الإعلانات الرسمية، وأحياناً عبر مواقع التواصل الاجتماعي التابعة للمحافظات. وتصدر الإعلانات بناءً على قرارات المحافظين وبتوجيهات من وزارة الزراعة أو الأجهزة الأمنية. ومن ذلك، إعلان الأمانة العامة لمحافظة إدلب رقم 580 لعام 2022 عن مزادات علنية تضمنت مواقع الأراضي ومساحاتها وأنواعها. في كل تلك المزادات يتم تقسيم الأراضي المطروحة للاستثمار، بشكل رئيسي إلى؛ أراضي مشجرة ولها أنواع وأبرزها الأراضي المزروعة بالفستق الحلبي والتي تعتبر الأكثر قيمة وتُعرض أولاً، وبعدها الأراضي المزروعة بالزيتون والتين، وتُعرض بعد انتهاء موسم الفستق، ثم الأراضي السليخ غير المشجرة، والتي تُطرح للاستثمار لزراعتها بمحاصيل موسمية، أو للرعي. ويتم تصنيف الأراضي بحسب القرب من خطوط التماس مع المعارضة (مناطق الاستقرار الأولى والثانية والثالثة) ومدى أمانها للمستثمرين.
آلية تقديم طلبات الاستثمار تتم عبر النافذة الواحدة في مباني المحافظات أو الوحدات الإدارية، مع تقديم كل مستثمر وثائق معينة مثل طلب استثمار يحدد موقع الأرض المرغوب استثمارها، و إضبارة فنية (تباع بأسعار محددة حسب المحافظة)، وثائق الملكية، وبراءة ذمة مالية وموافقة أمنية. يتم عقد المزادات في مواقع مركزية (مثل خيام خاصة أو قاعات كبيرة) بحضور ممثلين عن المحافظة ومديرية الزراعة. ويُحددُ السقف الأدنى لقيمة المزايدة بناءً على نوع الأرض والمحصول المتوقع. وكذلك، يجب أن يدفع المستثمر تأميناً أولياً، يحدد عادة بمبلغ معين لكل هكتار، وتأميناً نهائي يمثل نسبة 10% من قيمة العرض النهائي الذي رسى على المستثمر. وبعد رسو المزاد على أحد المستثمرين، يوقع المستثمر على محضر رسمي لتسليم الأرض، ويتعهد بالالتزام بالشروط الزراعية التي تفرضها خطط وزارة الزراعة.
كما سهّلت المحافظات عملية استثمار الأراضي الشاغرة، للمقيمين في مناطق سيطرة النظام من أقارب أصحاب الأرض الغائبين، وفق شريحتين؛ الأولى: تشمل أقارب الدرجة الأولى مثل الوالد، الوالدة، الزوجة، والأبناء، ممن يُسمح لهم باستثمار أراضي أقاربهم مباشرة دون الدخول في المزادات العلنية، بشرط تقديم بيان حصر إرث، أو بيان عائلي، أو إخراج قيد مدني يثبت صلة القرابة، والموافقة الأمنية، ودفع بدل الاستثمار الذي تحدده المحافظة. والشريحة الثانية، تشمل أقارب الدرجة الثانية والثالثة مثل الجد، الجدة، الأخوة، وأبناء الأعمام، وتتطلب اتفاقًا بالتراضي بين الأقارب لتحديد الشخص الذي سيستثمر الأرض، بالسعر النهائي الذي رست عليه المزايدة، مع خصم 10% من قيمة العرض الأخير. وتسبب هذا النوع من الاستثمار إلى حدوث نزاعات بين الأقارب نتيجة خلافات حول أحقية الاستثمار، خاصة إذا كانت الأرض مملوكة على الشيوع بين عدة شركاء. الظروف الاقتصادية القاسية التي يواجهونها، دفعت المهجرين قسرياً، للطلب من أقاربهم المتواجدين في مناطق سيطرة النظام، استثمار أراضيهم وفق هذه الطريقة، بغرض تقاسم أرباحها.
الملفت أنه في العام 2022، قرر مجلس الوزراء تعميم هذه التجربة على باقي المناطق الخاضعة لسيطرته، بهدف إدارة وتنظيم استثمار الأراضي الزراعية، خاصة تلك المزروعة بالفستق الحلبي والزيتون. لذا، أصدر مجلس الوزراء قراره رقم12011 لعام 2022، المستند إلى كتاب وزارة الزراعة رقم 291 الصادر في أيلول 2022، الذي حدد إطار عمل القرار بشأن استثمار الأراضي الزراعية الشاغرة من قبل أقارب الدرجة الأولى، وإجراءات الإعلان وتقديم الطلبات قبل المزادات. وكذلك استند القرار إلى قانون الأحوال الشخصية رقم 59 لعام 1953، خاصة فيما يتعلق بتحديد وثيقة حصر الإرث كوسيلة قانونية لمعرفة ورثة المتوفى وتحديد درجة قرابتهم، رغم أن القرار يطلب حصر الإرث حتى إذا لم يكن المالك الأصلي للأرض متوفى. واستند القرار أيضاً إلى تعليمات وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي، لتطبيق خطة الإنتاج الزراعي وفق التوجيهات السنوية الصادرة عن الوزارة، مما يتطلب التزام المستثمر بالخطة المحددة للأراضي المستثمرة.
في كل ما سبق حقق الدولة عائدات مالية كبيرة، كما سبق وأعلن محافظ حماة، محمود زنبوعة مطلع العام 2024، بأن عائدات استثمار أراضي الغائبين من النازحين والمهجرين قسرياً بلغت 32 مليار ليرة سورية لموسم واحد، تم تسديد 22 مليار منها لخزينة الدولة. المحافظ، قال بأن الهدف هو رفد خزينة الدولة وفقاً للقانون رقم 51 لعام 2004 الخاص بعقود الجهات العامة، ودعم القرارات الحكومية لتوسيع تجربة المزادات، كما ورد في قرار مجلس الوزراء رقم 12011.
الخطر الداهم على ملكية تلك الأراضي، يتمثل بأن جزءاً كبيراً منها هي أميرية. وكان القانون المدني قد منح للمتصرف بها الحق في استغلالها واستعمالها وزراعتها كما يشاء، إلا أن المادة 775 نصّت على: “يسقط حق التصرف في العقارات الأميرية بعدم حراثة الأرض، أو بعدم استعمالها مدة خمس سنوات”، ويعني ذلك استردادها لتعود من أملاك الدولة. ويبدو أن هذه الثغرة هي التي يحاول النظام استغلالها لنزع ملكية تلك الأراضي من أصحابها المُهجّرين قسراً عنها.
الخلاصة:
أي نظام حكم جديد في سوريا، سيكون عليه مواجهة تحديات كبرى مرتبطة بانتهاكات حقوق السكن والأراضي والممتلكات التي شهدتها البلاد في السنوات الماضية. وبخصوص قضية استثمار أراضي الغائبين، من الضروري معالجة قضية الأراضي الشاغرة، وإيجاد آلية لتعويض المتضررين من الغائبين العائدين، وأيضاً تعويض المستثمرين الحاليين بعد كف يدهم عن الأراضي التي يستثمرونها. أيضاً يجب إيجاد آلية مصالحة محلية، تهدف لحل قضايا حصر الإرث للأراضي التي مات أصحابها، وكذلك حل النزاعات بين الأقارب على الأراضي المملوكة على الشيوع، بعد عودة النازحين.
بخصوص الأراضي الأميرية، ينبغي إعادة النظر في القوانين المتعلقة بالأراضي الأميرية، خاصة المادة 775 من القانون المدني، لضمان عدم استغلال الثغرات القانونية لنزع الملكية بشكل تعسفي من المالكين الأصليين. والتأكيد على روحية المادة 379 من القانون المدني، التي تقول أن التقادم الذي تزيد مدته على خمس سنوات، لا يسري بحق من لا تتوافر فيه الأهلية، أو الغائب، أو المحكوم عليه بعقوبة جناية إذا لم يكن له نائب يمثله قانوناً. وأن يشمل ذلك كل مناطق النزاع، بما فيها المناطق ذات الغالبية الكردية المهجرة قسرياً.
