حرمان المتعهد المخالف لأحكام العقود من التعامل مع الجهات العامة
في 14 آذار 2024، أصدر رئيس مجلس الوزراء القرار رقم 11، الخاص بآلية إصدار قرارات الحرمان من التعامل مع الجهات العامة، لكل مستثمر أو متعهد أو متعاقد، تَثبُتُ مخالفته لأحكام العقود المبرمة مع الجهات العامة. والحرمان يعني منع المستثمر أو المتعهد أو المتعاقد، من الحصول على عقود لتنفيذ مشاريع مع الجهات العامة، طيلة فترة الحرمان.
القرار 11\2024، لم يذكر صراحة مقاولي الإنشاءات، لكنهم مشمولين ضمنياً بفئة المتعهدين. إذ أن المتعهد هو من يرتبط مع جهة عامة بعقد لتأمين احتياجاتها في شتى المجالات، بينما المقاول فهو متعهد مختص بأعمال الإنشاءات ومُسجّلٌ في نقابة مقاولي الإنشاءات.
وبحسب القرار، يُطبّقُ إجراء الحرمان، في حال صدور حكم قضائي قطعي أو تقرير رقابي أو حكم تحكيمي نهائي، يقضي بثبوت المخالفة لأحكام العقود. بعدها، تتقدم الوزارة المعنية بطلب لحرمان المتعهد إلى رئاسة مجلس الوزراء لدراسته، واتخاذ القرار بموجبه. بعدها، يصدر قرار الحرمان فقط عن رئاسة مجلس الوزراء، معللاً بأسباب الحرمان، وموضحاً لمدته. قبل القرار 11\2024، كان للوزراء صلاحية إصدار قرارات حرمان المتعهدين والمقاولين المرتبطين المخالفين لأحكام العقود المبرمة مع وزاراتهم، بموجب القانون رقم 51 لعام 2004 الخاص بنظام العقود للجهات العامة وتعليماته التنفيذية.
ويرتبط المتعهدون والمقاولون والمستثمرون مع الجهات العامة بعلاقة تعاقدية تخضع لأحكام القانون 51 لعام 2004 الخاص بنظام العقود للجهات العامة، وتعديلاته وتعليماته التنفيذية. وهناك ست طرق للتعاقد بين الطرفين؛ الشراء المباشر، المناقصة، طلب العروض، المسابقة، العقد بالتراضي، وتنفيذ الأشغال بالأمانة.
القانون 51\2004 لم يتوسع في العقوبات الناجمة عن الإخلال بالعقود، بل اعتبر أن القضاء الإداري هو المرجع المختص للبت في النزاعات المرتبطة بالعقود مع الجهات العامة. وأجاز القانون 51\2004 اللجوء إلى التحكيم في النزاعات، وفق الأصول المتبعة في القضاء الإداري. وأجاز اختيار جهة تحكيمية محددة في العقود الخارجية.
القانون 51 لعام 2004 لم ينظم العلاقة التعاقدية بين المتعهدين وبين القطاع الخاص. ولذا، من الملف أن قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 11\2024 نص أيضاً على حرمان المتعهدين المخالفين لأحكام العقود المبرمة مع المنشآت أو المؤسسات أو الشركات من القطاع الخاص. وليس واضحاً من نص القرار 11\2024 ما هي آلية حرمان المتعهد في هذه الحالة، وعلى أي أساس قانوني تستند.
أيضاً، بموجب القرار 11\2024، فأن قرارات الحرمان يجب أن تنشر في الجريدة الرسمية، وعبر المنظومة الوطنية لقرارات الحجز الاحتياطي، وهي منظومة إلكترونية يشمل نطاق عملها جميع الإشارات الاحترازية؛ حجز احتياطي، تأمين جبري، وغيرها من الإشارات التي تحد من التصرف بالملكيّة، والتي تصدرها الجهات صاحبة الصلاحيّة كتدابير احترازية حفاظاً على المال العام. وبعد صدور الأحكام القضائية الصادرة المبرمة غير القابلة للطعن، والمتضمنة مصادرة أموال المحكوم عليهم، تقوم وزارة العدل بتعميم تلك الأحكام عبر منظومة الحجز الاحتياطي، ما يتيح تحويلها من حجز احتياطي إلى حجز تنفيذي. ومن أهداف استخدام المنظومة الوطنية، هو استبدال التعاميم الورقية بتعاميم إلكترونية لتسهيل وصولها الى الجهات المعنية.
وبحسب القرار 11\2024، فإن إلقاء الحجز على أملاك المتعهد أو المستثمر أو المتعاقد، عبر المنظومة الوطنية لقرارات الحجز الاحتياطي، سيكون تلقائياً بمجرد صدور قرار الحرمان عن رئيس مجلس الوزراء. إلا أنه ليس واضحاً ما العلاقة بين الحجز الاحتياطي وقرار الحرمان حتى لو كان صادراً بموجب حكم قضائي قطعي أو تقرير رقابي أو حكم تحكيمي نهائي يقضي بثبوت المخالفة لأحكام العقود. إذ أن مخالفة أحكام العقود لا تعني إلقاء الحجز الاحتياطي تلقائياً. وبالتالي لا علاقة مباشرة بين قرار الحرمان والحجز الاحتياطي.
وهناك نوعان للحجز الاحتياطي؛ الحجز الاحتياطي القضائي الصادر عن القضاء العادي بموجب دعوى شخصية أو من جهة رسمية، ذات أساس مالي، أو يترتب عليها نتائج مالية كقضايا الدين والتهرب الضريبي. وكذلك هناك الحجز الاحتياطي الإداري، الذي يمكن لبعض الوزارات إلقاءه بموجب المرسوم رقم 12 لعام 1953. ومن ذلك الحجز الاحتياطي على أملاك موظفي البلديات والمصالح والمشرفين على شؤونها، وكذلك أملاك الموظفين في جميع إدارات الدولة والمؤسسات العامة، تأميناَ للخسائر والأضرار التي يلحقونها بالأموال العامة. ويمكن الحجز أيضاً على أملاك زوجات الموظفين. بموجب المرسوم التشريعي رقم 177 لعام 1969، بات إلقاء الحجز الاحتياطي الإداري ممكناً على أملاك غير الموظفين وزوجاتهم.
وكان وزير الأشغال العامة والإسكان، بمقترح من نقابة مقاولي الإنشاءات، قد طلب من وزارة المالية في العام 2022، بكتابه رقم 2968، المعطوف على كتاب نقابة مقاولي الإنشاءات رقم 264، استثناء الكشوف المالية الشهرية المستحقة للمقاولين حتى لو كان المقاول خاضعاً للحجز الاحتياطي. والكشوف الشهرية هي الدفعات المستحقة للمتعهد من الجهات العامة، لقاء إنجازه مراحل العمل. والاستثناء هذا جاء حرصاً على استمرار تنفيذ المقاول لعقده مع الجهة العامة، حتى لو كان محجوزاً على أملاكه احتياطياً، سواء لسبب يخص ذات العقد، أو لعقود سابقة. إذ أن عدم دفع الكشوف، سيتسبب بتوقف عمل المقاول، ولا يمكن حينها للجهات العامة مقاضاته لأنها السبب في عدم التنفيذ.
ومن الملفت أيضاً أن نظام نقابة مقاولي الإنشاءات رقم 9 لعام 2014، كان قد حدد دواعي حرمان المقاول من النقابة بخمس حالات، أربعة منها ذات طابع مسلكي؛ الإخلال بآداب المهنة، المساس بكرامة أحد أعضاء النقابة، عدم تأدية الواجبات النقابية، وعدم إعلام المقاول لنقابته عن الأعمال التي يقوم بتنفيذها. الحالة الخامسة هي هدر المال العام التي لم يوضح ماهيتها القانون 9\2014. ويتسبب الحرمان من النقابة بحرمان المقاول من العمل في القطاعين العام والخاص، لعدم وجود صفة رسمية لديه لمزاولة المهنة.
ويمكن لنقابة مقاولي الإنشاءات إصدار قرار الحرمان عبر مجلس التأديب فيها، والمُشكّل من رئيس الفرع وقاض يعينه وزير العدل وأحد أعضاء النقابة. ويمكن للمجلس شطب عضوية المقاول من النقابة. وفي الحالتين، الحرمان والشطب، يتعذر على المقاول من بعدها، التعاقد مع الجهات العامة، قبل انتهاء فترة الحرمان، أو استعادة عضوية النقابة.
