حرق منازل علويين في مدينة حمص
شهدت مدينة حمص في الأيام الأخيرة تصاعداً حاداً في التوتر بعد الجريمة التي وقعت في بلدة زيدل الواقعة جنوب شرق حمص قرب طريق حمص–دمشق، يوم الأحد 23 نوفمبر 2025، والتي انتشرت أخبارها على نطاق واسع وأعقبتها موجة من التحريض والاتهامات ضد العلويين من سكان المدينة بالمسؤولية عن الجريمة. وفي ظل هذا المناخ المشحون، تحولت الأحياء ذات الوجود العلوي في المدينة، ولا سيما المهاجرين والأرمن، إلى مسرح لاعتداءات واسعة في اليوم نفسه، طالت عشرات المنازل ما أجبر سكانها على الفرار وسط حالة من الهلع المتسارع.
ويُعتبر حيّا الأرمن والمهاجرين من أبرز الأحياء ذات الغالبية العلوية في مدينة حمص، حيث شكّلا عبر العقود فضاءً اجتماعياً واقتصادياً للشرائح الوسطى والدنيا. في حي الأرمن، الذي تقطنه غالبية علوية إلى جانب أقلية مسيحية، هو حي منظم مبانيه مرخصة، يسكنه موظفون في القطاعين العام والخاص. أما حي المهاجرين، فهو حي شعبي قديم غير منظم بالكامل، كثير من مبانيه غير مرخّصة، ويقطنه غالبية من العائلات العلوية محدودة الدخل، ممن نزحوا من الريف أو استقروا فيه بسبب انخفاض أسعار العقارات فيه.
محافظة حمص عقدت مباشرة بعد الأحداث اجتماعاً طارئاً لرفع الجاهزية وتقييم الأضرار وتحديد أعمال الاستجابة المطلوبة. وقد نشرت المحافظة في صفحتها في فيس بوك، حصيلة أولية جرى كشفها يوم وقوع الاعتداءات، تتمثل في 19 منزلاً متضرراً، و21 محلاً متضرراً، و29 سيارة متضررة أيضاً.
من جهته، أعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا، يوم الاثنين 24 نوفمبر، توقيف نحو 120 شخصاً يشتبه بتورطهم في الاعتداءات التي شهدتها المدينة. وأكد في مؤتمر صحفي أن التحقيقات الأولية في جريمة زيدل تشير إلى أن الدافع جنائي بحت، وأن الشعار ذو الطابع الطائفي التي وُجد في مسرح الجريمة كُتب بقصد التضليل وتحويل الحادثة إلى فتنة، مشدداً على عدم وجود أي دليل مادي يثبت طابعاً مذهبياً للجريمة. البابا دعا الأهالي إلى التحلي بالوعي والحكمة، ووجّه الشكر لوجهاء المدينة والعشائر الذين وصفهم بأنهم وقفوا ضد محاولات إثارة الفتن.
ولكن القوى الأمنية لم تُعلن حتى الآن أية تفاصيل إضافية حول هوية الجناة. هجمات 23 نوفمبر على أحياء العلويين، أدت إلى خروج العلويين في احتجاجات يوم الثلاثاء 25 نوفمبر، في ساحة الزهراء بحمص، وبمناطق متعددة من طرطوس واللاذقية ومصياف والغاب، منددين بالاستهدافات ذات الطابع الطائفي المتكررة ضدهم منذ آذار 2025.
وقد أظهرت الوقائع على الأرض نمطاً منظماً للهجمات تضمن استخدام مواد حارقة والتنقل بين الشوارع بسرعة، بينما لا تزال صورة ما جرى تفتقر إلى الكثير من التفاصيل حول ما رافق الأحداث من تحريض ضد العلويين، وحول طبيعة التدخل الأمني، وخلفيات الاحتجاجات التي رافقت أعمال العنف. وتكشف الشهادات التي حصلت عليها سيريا ريبورت عن خسائر في المساكن ومحتوياتها، وإلى إصابة أكثر من 15 شخصاً بحروق تتراوح بين الخفيفة والمتوسطة. وتشير الشهادات التي جمعتها سيريا ريبورت من الأهالي المتضررين، إلى أن الهجمات نفذتها مجموعات مسلحة من أبناء عشيرة بني خالد، وقد حضرت قوات الأمن العام بعد اندلاع الحرائق، وأغلقت المداخل المؤدية إلى المناطق المستهدفة، قبل أن تعلن حظر تجوال مساء الأحد وتمديده حتى مساء الاثنين.
وتوضح الشهادات التي حصلت عليها سيريا ريبورت أن الهجمات تمت خلال وقت قصير وبأسلوب منظم، إذ ألقى المهاجمون قنابل مولوتوف وأخرى تحوي مواد حارقة يدوية الصنع، ما أدى إلى اشتعال النيران بسرعة وانتشارها في عدة مناطق بشكل متزامن، قبل نهاية ساعات الدوام الرسمي. وأفاد شهود عيان لسيريا ريبورت أن منفذي الاعتداءات كانوا يستقلون دراجات نارية ويتنقلون بين الشوارع مطلقين هتافات طائفية أثناء رمي قنابل المولوتوف. وأظهرت المشاهدات تصاعد دخان كثيف من الأبنية واحتراق سيارات داخل الأحياء، تلا ذلك انتشار مكثف لقوات الأمن العام وإغلاقها المداخل المؤدية إلى المناطق المستهدفة. وقد اعتبر بعض الشهود أن تدخل قوات الأمن جاء متأخراً ما أدى إلى خسائر كثيرة في المنازل. وبحسب إحصائية أجراها مراسل سوريا ريبورت في المنطقة، فقد تجاوز عدد المنازل المحترقة 30 منزلاً تعود جميعها لعلويين.
تعكس الشهادات التي جمعتها سيريا ريبورت، من أحياء المهاجرين والأرمن حجم الفوضى والخوف الذي رافق الهجمات. يروي أحمد، الذي كان يزور والدته في حي المهاجرين، أنه أثناء وجوده في منزلها بدأ يسمع هتافات بعيدة وغير واضحة، عُرِفَ لاحقاً أنها لتجمع من عشيرة بني خالد، ممن باشروا تنفيذ الهجمات. ويقول أحمد إنه سرعان ما شمّ رائحة حريق قوية، قبل أن يشاهد النيران في غرفة النوم، ما اضطره إلى أخذ والدته ومغادرة المنزل بسرعة. أحمد أكد أن أكثر من خمسة منازل احترقت، بالإضافة إلى منزل والدته، في ذات الشارع.
تقول أحلام، من سكان حي الأرمن، إن منزلها الكائن في الطابق الأول من بناء قديم على طرف الحي تحوّل إلى كتلة رماد بعد أن أقدم مجهولون على إحراقه. تصف المشهد بقولها إن الباب الحديدي كان ما يزال ساخناً، والجدران الداخلية سوداء بالكامل، بينما انهارت غرفة النوم التي كانت تحتفظ فيها بصور زفافها ووثائق العائلة الرسمية. وتضيف أنها ما زالت تتذكر رائحة الحريق التي غطّت المكان، مزيجاً من خشب محترق وأقمشة متفحمة ودخان خانق جعلها غير قادرة على التنفس وهي تحاول الدخول. النيران التهمت الأثاث بسرعة، وخلّفت وراءها أدوات معدنية متفحمة ورائحة لزجة علقت في أنفها وملابسها لساعات طويلة. أحلام فقدت أوراقاً رسمية، شهادات جامعية، وصوراً عائلية ورثتها عن والديها، وتقول إن الخسارة لم تكن مجرد بيت، بل حياة كاملة اختفت في دقائق، لتجد نفسها اليوم بلا منزل ولا مأوى، متنقلة بين أقاربها بحثاً عن سقف يحميها وعائلتها.
مصدر حقوقي قال لسيريا ريبورت، أن ما جرى في حمص هو اعتداء مباشر على فئات مدنية محمية، تشمل النساء والأطفال، منازلهم ليست أهدافاً مشروعة في أي ظرف. ويشرح أن استهداف طائفة كاملة أو تحميلها مسؤولية أفعال فردية يدخل في إطار خطاب الكراهية الذي يعمّق الانقسام الطائفي ويقوّض السلم الأهلي، مشدداً على أن المسؤولية عن جريمة زيدل فردية، ولا يمكن تحميلها لأي جماعة أو طائفة بأكملها. ويشير المصدر الحقوقي نفسه إلى أن عشرات المنازل التي يمتلكها علويون تعرضت للهجوم والحرق، وأنه يجب كشف حجم الأضرار المادية، وما جرى وتوثيق الانتهاكات، ثم محاسبة المسؤولين أمام القضاء، وصولاً إلى تعويض المتضررين.
ويقول أحد المحامين في محافظة حمص لسيريا ريبورت إن التحقيق الرسمي في حوادث حرق المنازل يحمّل الدولة التزاماً بإجراء خطوات متكاملة تبدأ بتوثيق ما حدث، والتحقق من ملابسات الهجمات، ثم محاسبة المسؤولين عنها، لضمان عدم تكرار الانتهاكات. ويوضح أن هذا المسار لا يقتصر على الجانب القضائي فقط، بل يشمل أيضاً الاعتراف الرسمي بما وقع، وإصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية، ومواجهة خطاب الكراهية الذي يغذي الاعتداءات الطائفية.
