حرائق سهل الغاب تكشف عجز السلطات وتفاقم الخسائر
شهدت سوريا خلال هذا العام موجة حرائق تركزت أشدّها في الساحل السوري، قبل أن تمتد لاحقاً إلى سهل الغاب غربي حماه، حيث اندلع حريق واسع التهم آلاف الدونمات من الغابات والأراضي الزراعية وأجبر المئات على النزوح المؤقت. وأظهرت هذه الحرائق، ولا سيما في الغاب، حجم العجز المؤسسي في الاستجابة للطوارئ، وسط غياب أي خطط رسمية للتعويض أو إعادة التشجير.
تشير تقارير دولية متعددة إلى أن موجة الحرائق التي شهدتها سوريا هذا العام تُعدّ من بين الأسوأ خلال السنوات الأخيرة. فقد ذكرت وكالة الأسوشييتد برس أن البلاد شهدت “بعضاً من أسوأ حرائقها خلال أعوام“، فيما وصفت منصة “ريليف ويب” موسم الحرائق بين نيسان وحزيران 2025، ولا سيما في محافظة اللاذقية، بأنه “الأسوأ المسجّل حتى الآن“. أما مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فأشار إلى أن سوريا تواجه “أسوأ ظواهر مناخية متطرفة منذ ستين عاماً“، في إشارة إلى موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة التي ساهمت في تفاقم الحرائق واتساع رقعتها في مناطق عدة، منها اللاذقية وحماه وإدلب.
الحريق الأول في منطقة نبع الطيّب ضمن سهل الغاب اندلع في 23 تموز، وأتى على نحو 500 دونم من الأراضي الحراجية قبل أن يتمدد بسرعة نحو القرى المجاورة نتيجة ضعف الاستجابة من الجهات المختصة وملاءمة الظروف المناخية لانتشار النار. وأدى ذلك إلى نزوح عشرات العائلات من القرى المحيطة في حالات هلع جماعي خشية وصول النيران إلى منازلهم. وتسبّب الدمار الكبير الذي لحق بالغطاء النباتي في خسائر مباشرة لمصادر الدخل المحلية، إذ يعتمد كثير من السكان على جمع النباتات والأعشاب البرية مثل ورق الغار والخروب والزعتر البري وإكليل الجبل لتأمين موارد معيشتهم الأساسية. وتشير شهادات لتجار تحدثوا لسيريا ريبورت، إلى أن إمدادات ورق الغار تراجعت بشكل حاد، بعدما كان بعضهم يستلم قرابة طنَّين يومياً من الأوراق الطازجة، في حين لا تتجاوز الكميات اليوم نصف طن أسبوعياً فقط.
وبحسب مراسل سيريا ريبورت، فقد تضرر مئات المزارعين في سهل الغاب جراء الحرائق، ممن يعتمدون على الزراعة كمورد رئيسي للعيش. وتشمل الخسائر، الأراضي الزراعية، والمنازل، إضافة للأدوات والآليات الزراعية وخزانات المياه. يتحدث راغب من قرية مزحل في ريف مصياف الغربي، لسيريا ريبورت عن خسائر القرية: “الحرائق أتت على كل شيء. ضاع الموسم بأكمله. التين والتفاح وأشجار الزيتون التي ورثناها عن أهلنا. لم يعد لدينا أي مورد ولا نعلم كيف سنؤمن مورداً خلال السنوات القليلة القادمة”.
أحد مزارعي قرية عين أسد في سهل الغاب، قال لسيريا ريبورت إن النار وصلت إلى الحواكير المحيطة بالمنازل، والتهمت أشجار التفاح التي يتجاوز عمرها عشرين عاماً. وأضاف أن شجرة التفاح تحتاج لسنتين إلى ثلاث سنوات لتبدأ بالإثمار، وحوالي 10 سنوات لتصل لأفضل حالاتها. يقول: “خسرنا الأشجار وسيكون تعويضها صعباً، لكننا خسرنا أيضا خزانات المياه والعديد من الآليات الزراعية”.
في قرية بعرين التابعة لناحية مصياف، خسرت عائلة منزلين طينيين احترقا بالكامل، وفي قرية شطحة في سهل الغاب خسر المزارعون مواشيهم، والمونة، وبعض المساكن والاشجار. يقول أحد الفلاحين: “لم يتبق لنا أي شيء. ولم يقم أحد بمساعدتنا. المنزل والخبز والمونة، كل شيء تحوّل لرماد بسبب الحريق”.
ومن قرية عين أسد في سهل الغاب، كان تأثير الحرائق كبيراً على موارد عيش القرية ومحيطها، ولا سيما في ظل المستويات المتزايدة من الفقر وغياب فرص العمل. قال أحد الأهالي لمراسل سيريا ريبورت، إنهم كانوا يقطعون كيلومترات طويلة يومياً للوصول إلى الجبل وجمع الغار والزعتر وبيعها، لتأمين حاجات منازلهم الأساسية، مضيفاً أن “الجبل كان مصدر رزقنا الوحيد، واليوم نراه احترق بالكامل ولا نملك أي بدائل أخرى”.
تمدّدت الحرائق خلال الأسبوع التالي غرباً من محافظة حماه، لتصل إلى مناطق جبل الطهر وقرية عنّاب ومراقد بني هاشم وغابات أبو قبيس غربي مدينة حماه، ما أدى إلى تدمير مساحات واسعة من الغابات الحرجية والمراعي. وتحولت قرية عنّاب إلى ساحة رماد بعد أن كانت وجهة سياحية لسكان محافظة حماه، إذ أتت النيران على معظم بساتينها ومرافقها الخدمية.
ووفق شهادات من سكان هذه القرى لسيريا ريبورت، تأخرت استجابة المؤسسات الرسمية لما يقارب خمس ساعات، ما دفع الأهالي إلى التحرك بأنفسهم لمواجهة الحرائق اللاحقة التي اندلعت في قرى مثل الزكاة وعين حلاقيم وبعرين. إذ شكّل السكان سلاسل بشرية لنقل المياه، في 15 آب، واستعملوا فروع الأشجار والأدوات البدائية لمنع النيران من الوصول إلى منازلهم. وقال أحد سكان قرية دير شميل إن الردود التي تلقوها عند الاتصال بجميع الجهات الرسمية كانت “غير مقنعة”، مضيفاً أنهم ما زالوا يحتفظون بتسجيلات تثبت تأخر الاستجابة. وأوضح أن فرق الإطفاء بررت غيابها بصعوبة الوصول إلى المنطقة بسبب وعورة الطرق، الأمر الذي دفع الأهالي إلى الاعتماد على أنفسهم في حفر خنادق صغيرة بأدوات بدائية لعزل النيران عن القرية.
وفي قرية بعرين، تحدثت إحدى السيدات عن غياب أي مساعدة فعلية من الجهات الرسمية، مؤكدة أنهم “واجهوا الحريق بأنفسهم” حين كادت النيران تصل إلى مدرسة القرية. وقالت إن الأهالي استخدموا كل ما توفر لديهم من وسائل بسيطة، من خراطيم المياه المنزلية إلى فروع الأشجار الرطبة وحتى الأغطية، في محاولة لحماية منازلهم ومرافقهم العامة من الاحتراق.
وانتشرت في الإعلام المحلي تصريحات لمسؤولين محليين في الوزارة، أشارت إلى أن ضعف الاستجابة وتأخرها يعودان إلى نقص التجهيزات والإمكانات، إذ لا توجد في كامل ريف حماه الغربي سوى سيارتي إطفاء فقط، إحداهما معطّلة منذ أشهر. ولم تصدر وزارة الطوارئ حتى الآن أي أرقام رسمية حول حجم الخسائر، غير أن تقارير محلية غير رسمية تشير إلى تضرر آلاف الهكتارات من الأراضي الحراجية والمراعي، إضافة إلى مئات الهكتارات من الأراضي الزراعية بما فيها بساتين الزيتون والكرمة وحقول القمح والكمون والزعتر البري.
مصدر محلي في منطقة ساقية النحلة قال لسيريا ريبورت، إن السلطات لم تتحرك بالشكل الكافي وأن المروحيات لم تنفذ سوى نقلتين للمياه فقط رغم اقتراب النيران من القرى في 14 آب، ولم تُنفذ أي خطة لإجلاء السكان أو تنظيم لعمليات الإطفاء، فيما وصلت بعض الآليات متأخرة بعد أن كانت النيران قد التهمت مساحات واسعة من الأراضي والمنازل، وسط غياب تام لسيارات الإسعاف والطوارئ. غير أن الاستجابة المحلية العفوية بدت أكثر فاعلية من الجهد الرسمي، ما كشف غياب أي خطط استباقية لدى السلطات لمواجهة هذا النوع من الكوارث البيئية. وبعد مرور أكثر من شهر على الحريق، لم تعلن أي جهة رسمية عن خطط لتعويض المزارعين أو إعادة التشجير أو تأمين سكن مؤقت للنازحين.
