حرائق الساحل السوري: كارثة بيئية غير مسبوقة تكشف هشاشة الاستجابة وتهدّد حقوق الأرض الملكية والسكن
اجتاحت موجة حرائق غير مسبوقة الغابات والأراضي الزراعية في ريفي محافظتي اللاذقية وطرطوس الساحليتين، مطلع تموز 2025، ترافقت مع رياح قوية وتضاريس وعرة، وتسببت بانفجار ألغام وذخائر من مخلفات الحرب، ما زاد من انتشارها، وعرقل جهود الإطفاء وكشف هشاشة البنية التحتية وخطط الطوارئ. وإلى جانب الخسائر البيئية والاقتصادية الهائلة، تهدد الحرائق حقوق الملكية والأرض والسكن لسكان المنطقة؛ إذ أتت على أراض زراعية، وتسببت في حرق الكثير من المساكن.
حتى يوم الاثنين، كانت الحرائق “تحت السيطرة إلى حدّ كبير”، غير أنّ خطر “تجدّد الاشتعال ما يزال مرتفعاً”، وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا). وفي 12 تموز، قال وزير الطوارئ رائد الصالح في منشور على منصة “إكس” إنّ فرق الإطفاء تمكّنت من “إيقاف تمدّد النيران على جميع الجبهات، وهي الخطوة الأهم نحو السيطرة على الحرائق”.
تقع المناطق التي تعرضت للأضرار الأكبر خلال أسبوعين من الحرائق، ضمن جبال التركمان وكسب والبدروسية في ريف اللاذقية الشمالي، وهي مناطق شهدت موجات نزوح متكررة خلال الحرب السورية، قبل أن يبدأ أهلها بالعودة تدريجياً مطلع 2025، وإحياء حقولهم المزروعة بالزيتون والحمضيات.
وحتى يوم الأحد، دمّرت حرائق الغابات 15 ألف هكتار من الأراضي الزراعية، وتسبّبت في نزوح 1,150 شخصاً، وطالت آثارها أكثر من 140 ألف فرد، وألحقت أضراراً بعشرات المنازل، بحسب أحدث أرقام أوتشا الصادرة في 13 تموز.
أشارت نشرة أوتشا الصادرة في 7 تموز إلى أنّ تقادم معدات الإطفاء، وانقطاع التيار الكهربائي في محطة البسيط الذي عطَّل أربع محطات لضخّ المياه، وضعف شبكة الاتصالات، أعاقت التنسيق بين فرق الإطفاء والإنقاذ وعمّقت أثر الكارثة.
في الأسبوع الأول من تموز الحالي استجابت فرق الدفاع المدني لأكثر من 170 حريقاً تَركَّز معظمها في هذا الريف الشمالي، كان ثمانٌ منها بؤراً كبيرة استغرقت أياماً للسيطرة عليها. وتشير بيانات وزارة الطوارئ إلى أن سرعة الرياح التي تجاوزت 40 كيلومتراً في الساعة، وانتشار مخلفات الحرب والألغام زادا تعقيد المهمة.
وبحسب بيانات الدفاع المدني التابعة لوزارة الطوارئ، استُجيب خلال شهري حزيران وتموز إلى أكثر من 2,000 حريق في الساحل السوري، بينها 441 حريقاً في اللاذقية و308 في طرطوس. أسفرت أكبر ثماني بؤر وحدها عن تدمير نحو 14,000 هكتار من الغابات والبساتين، أي ما يعادل 3 في المئة من إجمالي الغطاء الحراجي في سوريا، مع احتراق ما لا يقل عن 70 مسكناً ريفياً وفقدان وثائق ملكية لعدد من العائلات العائدة. بحسب الهلال الأحمر السوري، وحتى 7 تموز، فُقدت 202 خلية نحل وقُتل 13 رأساً من الماشية.
بحسب تقديرات غير رسمية، حصل عليها مراسل سيريا ريبورت في نشطاء في المنطقة، تقدّر خسائر الفلاحين في المنطقة من احراق أراضيهم الزراعية ومحاصيلهم، بنحو 50 مليون دولار، ويشمل ذلك حقول الزيتون والحمضيات، وقطعان الماشية وبيوت النحل. كما تشير تقارير بيئية غير رسمية إلى تضرّر 40 في المئة من النباتات العطرية والطبية في مناطق الحرائق، ما يفاقم الأثر على مصادر رزق النساء والمزارعين أصحاب الحيازات الصغيرة.
يقول عمار، وهو مزارع من قرية قسطل معاف في جبل التركمان، إنّ أهل القرية واجهوا النيران بمفردهم في الساعات الأولى مستخدمين دلاء المياه بعدما تأخّرت فرق الإطفاء، فخسروا معظم أراضيهم وما عليها من أشجار زيتون معمرة وليمون، إلى جانب نفوق العشرات من رؤوس الماشية وبيوت النحل. ويرى عمار أنّ هذه الخسائر تضاعف هشاشة حقوقهم في الأرض والسكن، لأنّ الحريق أعادهم “إلى نقطة الصفر” بعد عودةٍ لم تكتمل سوى منذ أشهر قليلة إلى أراضٍ تركوها قسراً أثناء الحرب وتملؤها الألغام.
قدّرت أوتشا “أن نحو 70 في المئة من سبل العيش في المناطق التي جرى تقييمها تعتمد على الزراعة؛ إلا أن معظم الأنظمة الزراعية حالياً غير قابلة للتشغيل”. وفي بعض القرى تسبّبت حرائق الغابات المتكرّرة في تدمير الأراضي الزراعية، ما جعلها شبه قاحلة وغير منتجة.
وبعد أن سيطر نظام الأسد على كامل ناحية قسطل معاف عام 2018، لم يُسمح لأهلها وهم من التركمان، ممن نزح معظمهم إلى تركيا أو مدينة اللاذقية، إلا بزيارةٍ قصيرة عام 2020 تبيّن خلالها حجم الدمار في منازلهم ومزارعهم. ولم تبدأ العودة بشكل فعلي إلا بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024.
وحتى كتابة هذا التقرير، تتواصل عمليات الإطفاء وسط تحديات متزايدة: فسرعة الرياح المتجدّدة أشعلت نقاطاً أخمدت سابقاً، أبرزها بؤرة الشيخ حسن وجبل النسر، حيث تعيق الألغام ووعورة التضاريس وصول الفرق الأرضية.
وقد اعتمد الدفاع المدني على 16 طائرة إطفاء تشارك فيها تركيا ولبنان والأردن. وفي 6 تموز، وبناءً على طلب من الحكومة الانتقالية، تم تفعيل آلية الحماية المدنية التابعة للاتحاد الأوروبي، وفي 8 تموز، بدأ الاتحاد، عبر نظام كوبرنيكوس لإدارة الطوارئ، بمشاركة صور أقمار صناعية وبيانات جغرافية أخرى عن المناطق المتضررة مع السلطات المحلية.
ورغم إعلان وزير الطوارئ رائد الصالح عن “سيطرة شبه كاملة” على الحرائق باستثناء بؤرتين، ما يزال الخطر الأكبر ماثلاً في ناحية الفرنلق التي تحتضن أكبر محمية طبيعية في سوريا على مساحة 1,500 هكتار، وقد أُقيم حولها طوق أمان لمنع امتداد النيران إليها. إلا أنّ ضعف شبكة الكهرباء والمياه وانقطاع الاتصالات تعرقل التنسيق ويؤخّر الإغاثة، ما يفاقم مخاوف السكان من خسارة إضافية لأراضيهم ومنازلهم إذا استمر تأخر الاستجابة أو تجددت الحرائق.
ورغم إعلان وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عن تشكيل غرفة طوارئ لتأمين الإيواء وتعويض المتضررين، يصف الأهالي فجوة واسعة بين الوعود والواقع؛ إذ يقول أحمد، من قرية زنزَف في ناحية قسطل معاف إنّ أكثر من خمسين عائلة نزحت مجدداً بسبب الحرائق وانقطاع الخدمات الأساسية، بينما تعيش الأسر الباقية من دون ماء أو كهرباء منذ أسبوع، وتخشى مغادرة بيوتها لئلا تُسرق. يشير أحمد إلى أنّ فرق الإطفاء تأخّرت في اليوم الأول، ثم توقفت شبكة الكهرباء ومحطة ضخ المياه المحلية، فتفاقمت الأضرار وزاد خطر احتراق المساكن.
فيما يخص البنية التحتية الحيوية، فقد أثّرت حرائق الغابات على “إمدادات الكهرباء لمحطات ضخّ المياه وشبكات المياه في المناطق المتضررة، ما أعاق وصول المياه لأكثر من 10,000 شخص في المنطقة. كما تسبّب ذلك بانقطاع الوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك المياه والكهرباء، في عدد من القرى”، وفقاً لما ذكرته أوتشا.
ويؤكّد ناشطون محلّيون، تحدثوا لسيريا ريبورت، أنّ غياب مراكز إيواء مجهّزة دفع سكّان أكثر من 60 قرية متضرّرة إلى النزوح بصورة فردية نحو بلدات مجاورة، من دون تلقّي أي مساعدات ملموسة حتى الآن. يثير هذا النزوح غير المنظّم مخاوف من ضياع وثائق الملكية التي احترقت أو تُركت في القرى الخالية، ومن احتمال استيلاء أطراف متنفّذة على الأراضي والمساكن الشاغرة، ما يجعل حماية حقوق الأرض والسكن أولوية عاجلة توازي احتواء النيران نفسها.
يروي هادي، من قرية بيت عوان المجاورة، أنّ اتصالاً أبلغه بحصار رُعاةٍ بالنيران على قمة الجبل. يقول لمراسل سيريا ريبورت: “وصلنا إليهم واحتمينا في أحد المنازل، لكن ألسنة اللهب أتت على نحو ألف رأس ماشية ومساحات واسعة من الزيتون والتين، وحتى المداجن والحيوانات الأليفة لم تسلم”.
في ظل موجة الجفاف الحادّة التي تضرب سوريا حالياً، يزداد تعويض الغطاء الحراجي المفقود صعوبةً يوماً بعد يوم. وقد دعت منظمات بيئية دولية إلى وضع خطة إنعاش طويلة الأمد، تشمل إزالة الألغام وإعادة التشجير، مع توفير ضمانات لحماية حقوق الملكية والسكن للعائلات العائدة، حتى لا تتحوّل الكارثة إلى سبب جديد لفقدان الممتلكات. تُذكّر حرائق الساحل بأن تغيّر المناخ، حين يتقاطع مع ضعف الحوكمة واستمرار النزاعات، لا يهدّد البيئة فحسب، بل يهدّد أيضاً حق السكان في الأرض والمأوى. ولن تنجح أي خطة إنعاش في المنطقة ما لم تُصمَّم بالشراكة مع المجتمعات المحلية، وتوفّر حماية قانونية من النزوح وضياع الحقوق.
