حجز احتياطي على أملاك العشرات في مدينة زاكية بريف دمشق
أصدرت وزارة المالية في آذار 2024، قراران بالحجز الاحتياطي على أملاك العشرات من مدينة زاكية في ريف دمشق. ويبدو أن تلك القرارات تهدف لمعاقبة عائلات بأكملها، على خلفية مواجهات مسلحة خاضها أفراد منها، قبل نحو 7 أشهر، ضد مجموعات محلية مسلّحة تابعة للفرقة الرابعة من قوات النظام.
زاكية هي مدينة تابعة لناحية الكسوة، التابعة لمنطقة مركز ريف دمشق. وتقع المدينة على الحدود الإدارية مع محافظتي درعا والقنيطرة، وقد بلغ عدد سكانها قبل العام 2011 حوالي 20 ألف نسمة. شهدت زاكية منذ التسعينيات هجرة واسعة لشبابها إلى لبنان للعمل في ورشات البناء. واشتهرت البلدة بأفران شمسين وتفاحة، التي افتتحت لها فروعاً منذ العام 2005 في مدينتي حلب ودمشق، وفي لبنان. وبحكم العلاقات القرابية في المنطقة، والزيجات المختلطة، يملك أهالي زاكية في قرى وبلدات مجاورة مثل شقحب وعين السوداء وعين البيضاء والديرخبية ومنشية خان الشيح، وبنسبة أقل في كناكر وسعسع وعند الحدود الإدارية مع مزرعة النفور وحوش النفور.
زاكية خضعت لسيطرة المعارضة المسلحة وأبرزها لواء العاديات ما بين العامين 2012-2016، وخضعت لمصالحة مع قوات النظام، تضمنت تسليم سلاح المعارضة وتسوية أوضاع من يبقى منهم، والتهجير القسري لرافضي المصالحة، وعدم دخول قوات النظام إليها. وقد بقي في المدينة العشرات من مقاتلي المعارضة ممن رفضوا التهجير القسري. وأعطى ذلك المصالحة في المنطقة طابعاً خاصاً استمرت على إثره التوترات مع قوات النظام التي اخترقت المدينة عبر تشكيل ميليشيات محلية موالية لها. ويبلغ عدد سكان زاكية حالياً ما يقارب 40 ألف نسمة في الوقت الحالي، منهم نازحون من مناطق يُقيّد النظام عودة سكانها مثل داريا المجاورة.
قرارا الحجز الاحتياطي حملا الرقمين 449/و و558/و، واستندا بحسب حاشيتهما، إلى قانون سلطات الضابطة العدلية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 63 لعام 2012، ومرسوم تشكيل وزارة حسين عرنوس رقم 208 لعام 2021، والمرسوم 1684 لعام 1977 المتضمن ملاك وزارة المالية. أيضاً أشارت الحاشية إلى قرار رقمه 573/و صادر في 21 آذار 2023 متضمنٍ التفويض بالصلاحيات ولكن من دون تحديد الجهة المصدرة له ولا ماهية تلك الصلاحيات.
قرارا الحجز الاحتياطي أشارا أيضاً إلى أنهما جاءا رداً على كتابين صادرين عن إدارة المخابرات العامة؛ أولهما حمل الرقم 2331 بتاريخ 13 شباط 2024، والثاني رقمه 2943 بتاريخ 25 شباط 2024، والموجهين إلى الفرع رقم 285 التابع للمخابرات العامة “أمن الدولة” الذي يقع مقره الرئيسي في المربع الأمني في حي كفرسوسة في دمشق.
ويمكن لسلطات الضابطة العدلية، بموجب القانون 63/2012، أن تطلب خطياً من وزير المالية اتخاذ إجراءات تحفظية على أملاك المتهمين، في معرض التحقيقات التي تجريها بشأن الجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي أو الخارجي، والجرائم الواردة في قانون مكافحة الإرهاب رقم 19 لعام 2012. كما أعطى القانون 63\2012 للنيابة العامة، وقاضي التحقيق، أثناء نظر الدعوى، حق اتخاذ تلك الإجراءات التحفظية في مواجهة المتهم، أو المدّعى عليه، بما في ذلك المنع من السفر، وذلك إلى حين صدور حكم قضائي قطعي.
قرارا الحجز تضمنا في نهايتهما عبارة تفيد بأن الحجز الاحتياطي على أولئك، جاء بسبب تورطهم بـ”الأحداث الجارية في القطر”. مراسل سيريا ريبورت محمد الشيخ، أشار إلى أن قرارات الحجز الاحتياطي تلك طالت العشرات من المعارضين السابقين المتهمين بالضلوع في اشتباكات مسلحة مع ميليشيات محلية موالية للنظام، وزوجاتهم وأبنائهم، وأفراد عائلاتهم. وبحسب تقديرات محلية، يملك أولئك الأشخاص عشرات الهكتارات من الأراضي زراعية، وحوالي 200 منزل عربي. غالبية تلك الملكيات مسجلة بشكل رسمي في المصالح العقارية بأسماء أصحابها.
تلك اللوائح شملت أقارب من الدرجة الأولى والثانية، لأفراد من المعارضة، ممن شاركوا في اشتباك مسلح اندلع في آب 2023، مع مجموعة محلية مسلحة تابعة الفرقة الرابعة يقودها معاوية طعمة. وتضم درجة القرابة الأولى؛ الوالد والوالدة والزوجة والأبناء، بينما الدرجة الثانية فتضم الجد والجدة والأخ والأخت وابن الابن. الاشتباك المسلح اندلع حينها على خلفية اغتيال مجموعة طعمة لمقاتل سابق في لواء العاديات. وأدت الاشتباك حينها إلى مقتل عنصرين من مجموعة طعمة، وإحراق منازل بعض منتسبيها وطردهم خارج المدينة.
الملفت أن اللوائح ضمّت أسماء منتمين لمجموعات محلية تابعة للفرقة الرابعة لم تشارك في المواجهات المسلحة، وكذلك بعض المجندين في الخدمة الإلزامية أو الاحتياطية ضمن قوات النظام من أبناء المدينة. مراسل سيريا ريبورت قال إن طعمة، المطرود حتى اليوم خارج زاكية، استخدم نفوذه لدى مكتب أمن الفرقة الرابعة، لإدراج أسماء خصومه، وأيضاً منافسيه من المجموعات المسلحة الموالية، ضمن قوائم الحجز الاحتياطي.
المراسل قال إن قائد إحدى مجموعات الفرقة الرابعة المحلية، ممن أدرج اسمه في اللائحة، كان قد اكتشف بالصدفة وجود إشارة حجز احتياطي على عقار له، أثناء محاولته بيعه ونقل ملكيته في السجل العقاري. حينها، راجع تلك القيادي مكتب الفرقة الرابعة بالقرب من السومرية غربي دمشق، ليخبره أحد الضباط بأن الحجز الاحتياطي جاء بناءً على لوائح سلمها معاوية طعمة، وأيضاً محمود عبدالمولى طعمة قائد إحدى مجموعات الفرقة الرابعة في زاكية، إلى مكتب أمن الفرقة الرابعة، بعد شهر على اشتباك آب 2023.
الملفت أن عملية تسوية أمنية جرت بعد الاشتباك، في نهاية ديسمبر 2023، للمطلوبين في المدينة، ومنهم جميع المشاركين في الاشتباك مع مجموعة الفرقة الرابعة. وأشرف على تلك التسوية فرع المنطقة رقم 227 المسؤول عن المدينة أمنياً والتابع لشعبة المخابرات العسكرية، وكذلك فرع المخابرات الجوية. ويفترض أن عملية التسوية الأمنية كفيلة بإسقاط الملاحقة الأمنية للخاضعين لها، وهذا ما لم يحدث.
المراسل قال إن وجهاء من المدينة، تواصلوا مع رؤساء الأجهزة الأمنية المسؤولة عن المنطقة، مطالبين منهم رفع الحجوزات الاحتياطية المتخذة بصيغة عقابية جماعية. وقد جرت المطالبة من خلال مفرزة الأمن العسكري وشعبة حزب البعث في المدينة، اللتين نقلتا مطالب الوجهاء برفع الحجوزات بعدما التزم المشاركون في القتال الأخير بالتسوية. وتعهد رؤساء تلك الأجهزة بالعمل على ذلك خلال فترة قريبة.
