حالات إخلاء مساكن وظيفية وعمالية في دمشق وريفها على خلفية طائفية
بعد سقوط النظام في 8 ديسمبر الماضي، لوحظت حالات أُجبِّرَ فيها قاطنو بعض مجمعات السكن الاجتماعي المخصصة للموظفين والعمال، خاصة في دمشق وريفها، على مغادرتها بشكل مؤقت أو إخلائها. ويعود ذلك إلى وجود اعتقاد شعبي واسع النطاق بأن نسبة وازنة من سكان هذه المجمعات تعبر من موالي النظام السابق، وحاضنته الاجتماعية، خاصة عندما يتعلق الأمر بمساكن، الأطباء، الشرطة والضباط، أو العاملين في مراكز البحوث العلمية التابعة لوزارة الدفاع.
قاطنو هذه المساكن، هم غالباً من الموظفين من مناطق بعيدة، ممن يؤدون وظائفهم في مواقع قريبة من موقع المجمعات السكنية. وهذه المساكن تكون إما وظيفية أو عمالية، وهي من برامج السكن الاجتماعي، وهناك غموض في ملكيتها يعود إلى تشابك القوانين والجهة العامة المنفذة للمساكن. مثلاً السكن الوظيفي يكون للاستفادة منه بشكلٍ مؤقت، على أن تبقى ملكيته للدولة. أي يُعامل شاغل المسكن الوظيفي، كمستأجر من الدولة طوال فترة ارتباطه بعمله معها، إلى أن يستقيل أو يتقاعد، حيث ينتهي عقد ايجاره ويتوجب عليه إخلاء المنزل. بينما في السكن العمالي يدفع الشاغل 10% من دخله للإيجار، ويدفع فواتير الكهرباء والماء، ويتحمل نفقات الصيانة المنزليّة والتحسينات الداخلية، وترميم الأضرار. ويحق لشاغل السكن العمالي تملكه، بموجب المرسوم التشريعي رقم 46 لعام 2002، على أن يدفع قيمته على شكل أقساط.
مثلاً، عائلة علوية، كانت تسكن شقة في مساكن الشرطة في حرستا بريف دمشق، لأن الأب طبيب منتسب للشرطة ويخدم في سلكها برتبة ضابط. أغلب سكان مساكن الشرطة في حرستا، هم ضباط وأطباء يعملون في مشفى الشرطة الحكومي في حرستا. العائلة قررت في 8 ديسمبر المغادرة، والانتقال مؤقتاً إلى منزل أقاربهم في إحدى قرى الساحل، تخوفاً من حدوث الفوضى. وبحسب مراسل سيريا ريبورت، ليس للعائلة من أي مسكن آخر يملكونه. لذا، بعد أسبوع، قررت العائلة العودة، لتتفاجأ بوجود مجموعة من المسلحين المحليين، في منزلهم الذي تعرضت مقتنياته للتخريب والتكسير، وسوء الاستخدام. المسلحون، بحسب المراسل، لا ينتمون إلى جهة منظمة، وقد رفضوا إخلاء الشقة، وأصروا على حقهم بإشغالها. وأمام احتمال حدوث الأسوأ، قررت العائلة ترك المنزل للمسلحين، وطلبت منهم السماح بأخذ بعض الأثاث والمقتنيات الخاصة. وبعد الكثير من المداولات، والحديث المتصاعد بشكل غير ودي، سمح المسلحون للعائلة بإخراج بعض مقتنياتها. المشهد ذاته، تكرر مع أكثر من عائلة علوية، من سكان مساكن الشرطة في حرستا.
في حادثة أخرى، مهندس ضابط برتبة مقدم في الأكاديمية للهندسة العسكرية، كان مستأجراً لشقة في بناء تابع لسكن الأكاديمية في ضاحية حرستا، يسكنها مع زوجته وأولادهما. بعد أسبوعين على سقوط النظام، تفقّد عناصر من هيئة تحرير الشام، مساكن الأكاديمية وأعطوا سكانها مهلة تنتهي مع نهاية الموسم الدراسي لإخلائها. المهندس الضابط قام بإجراء عملية التسوية، وهي بمثابة تحقيق أمني أولي تقوم به الهيئة مع ضباط النظام وتسجل فيه بياناتهم الشخصية ومعلومات أولية عنهم، وهي تشبه إلى حدّ ما التسوية الأمنية التي كان النظام يفرضها على عناصر المعارضة المسلحة. ورغم المهلة والتسوية، اقتحم عشرات المسلحين الملثمين شقة هذا الضابط المهندس تحديداً طالبين منه الإخلاء الفوري. وبعد مفاوضات شاقة، سمح المسلحون للعائلة بالبقاء ليلة واحدة، لجمع حوائجها وترتيب عملية نقلها، على أن ترحل صباحاً. في الصباح تمكن الضابط من نقل بعض أثاث المنزل، عبر سيارة مُستأجرة، إلى شقة في مكان قريب استأجرها عبر معارفه. ولم تتمكن سيريا ريبورت من معرفة سبب طرد عائلة هذا الضابط تحديداً، وإن كانت حالات مماثلة غيرها قد حدثت في مساكن الأكاديمية، وما إذا كان ورائها معلومات عن تورط هذا الضابط بجرائم ضد المعارضة خلال فترة سيطرة النظام.
أمر مماثل، حدث مع عائلة علوية تسكن منزلاً في المساكن العسكرية في ضاحية 8 آذار في الباردة بريف دمشق. العائلة مؤلفة من الزوج وهو ضابط من القرداحة بريف اللاذقية، وزوجته مهندسة، وأولادهما. العائلة بقيت في المنزل بعد سقوط النظام، وفي 9 ديسمبر، اقتحمت عليهم المنزل مجموعة مسلحين لا يبدو أنهم ينتمون لمجموعة منظمة، بحسب ما لاحظته الزوجة، خلال حديثها لمراسل سيريا ريبورت. المسلحون هددوا العائلة مطلقين عبارات طائفية، وأرغموهم على اخلائها، ومنعوهم من استخدام سيارتهم لأنها عسكرية. الزوجة أكدت أن المجموعة فتشت شققاً أخرى في الموقع، وهددت بعض العائلات، لكن أحداً لم يصاب بالأذى. لم تتمكن سيريا ريبورت من معرفة إذا كانت عملية إخلاء لعائلات أخرى قد حدثت في الضاحية.
في مثال آخر، عائلة مسيحية، يعمل أحد أفرادها في مركز البحوث العلمية في برزة بدمشق، وتقيم في “مساكن البحوث” ضمن منطقة جمعيات “مسبق الصنع” في برزة. العائلة تستأجر المنزل من الدولة “سكن وظيفي” بسعر رمزي. بعد أسبوع من سقوط النظام قدمت مجموعة مسلحة من عناصر هيئة تحرير الشام، إلى منزل العائلة، وطلبوا منها المغادرة، بذريعة أنه لم يعد هناك “بحوث علمية” بسبب الدمار شبه الكلي الذي لحق بها خلال القصف الإسرائيلي الأخير. عناصر الهيئة، بحسب أحد أفراد العائلة، لم يكونوا مُزعجين، لكنهم أرغموهم على الخروج. وليس لهذه العائلة من مسكن آخر، ولا من موارد مالية تسمح لهم استئجار منزل في دمشق. العائلة، تدبرت أمرها مؤقتاً عن معارف لها، لكنها باتت عرضة للمبيت في الشارع.
