توقيف مسؤولين في مجلس مدينة قطنا بريف دمشق بسبب مخالفات بناء
في 25 شباط، نقلت صحيفة الوطن شبه الرسمية عن نائب محافظ ريف دمشق، خبر توقيف كل من رئيسة مجلس المدينة، ورئيسة المكتب الفني، في مدينة قطنا بريف دمشق الغربي، والتحقيق معهما، بسبب تورطهما في التستر على مخالفات بناء.
قطنا هي مدينة ومركز ناحية تابعة إدارياً لمحافظة ريف دمشق. وشهدت المدينة استملاكات كبيرة لممتلكات الأهالي، لصالح وزارة الدفاع في السبعينيات، أقامت عليها مواقع عسكرية متعددة للفرقة العاشرة والحرس الجمهوري، وأيضاً مساكن للضباط. وفي قطنا 5 تجمعات تضم مئات المساكن للضباط، 4 نفذتها مؤسسة الإنشاءات العسكرية التابعة لوزارة الدفاع، منها مساكن ضباط الفرقة العاشرة، مساكن رأس المعرة، مساكن التوافيق. ويمكن للضابط العامل في قوات النظام في دمشق وريفها، خلال فترة خدمته، استئجار مسكن في تلك التجمعات مقابل إيجار رمزي وحتى نهاية خدمته العسكرية. بعض تلك التجمعات شهدت مخالفات بناء كثيرة، قام بها ساكنوها من الضباط، كالتوسع وبناء ملاحق.
مع الوقت تحولت قطنا إلى أحد أكبر مناطق سكن المسؤولين العسكريين والأمنيين في ريف دمشق، ونسبة كبيرة منهم من الساحل السوري. وإلى جانب المساكن المخصصة لهم، اشترى جزء من أولئك الضباط عقارات وأراضي في قطنا وبنوا مساكن لهم، سكنوها مع عائلاتهم بعد تقاعدهم، وبات لهم تجمعات وأحياء خاصة في المدينة.
سكان المدينة الأصليين وهم من السنة، شعروا بأنهم باتوا أقلية مهمشة في مدينتهم التي التهمتها الاستملاكات، وكان ذلك من أسباب خروجهم في مظاهرات ضد النظام مع بداية ثورة العام 2011. مع ظهور فصائل المعارضة المسلحة، نشبت عدة معارك في قطنا قبل أن تتمكن قوات النظام من السيطرة عليها بالكامل نهاية العام 2012، وتطرد المعارضة منها إلى مخيم خان الشيح للاجئين الفلسطينيين المجاور. مسلحو قطنا شكّلوا فصيلاً باسم “تجمع خان الشيح” المعارض، وقاتل قوات النظام في ريف دمشق الغربي. في العام 2016 شنت قوات النظام، مدعومة بالطيران الروسي، حملة عسكرية كبيرة على المنطقة، انتهت بالتهجير القسري لفصائل المعارضة نحو الشمال السوري.
وفي الوقت الذي تخضع له معظم المدن المجاورة لها للحصار، مثل زاكية وخان الشيح وكناكر، تحولت قطنا إلى سوق لتصريف مواد البناء في المنطقة. إذ منذ العام 2015، شهدت قطنا حدوث مخالفات بناء كثيرة، غضت السلطات البلدية النظر عنها، لأن معظم من يقوم بها من منتسبي قوات النظام.
مراسل سيريا ريبورت، أكد توقيف رئيسة مجلس مدينة قطنا نورهان عمران، ورئيسة المكتب الفني، في فرع الأمن السياسي في العاصمة دمشق، لصالح هيئة الرقابة والتفتيش، في 23 شباط الماضي. وأشار المراسل إلى أن عمران، ورئيسة المكتب الفني، خرجتا بعد 24 ساعة على توقيفهما، وهما تتابعان حالياً عملهما بشكل طبيعي.
المراسل نقل عن مصادر في بلدية قطنا، بأن عمران اتهمت بدورها بعد إخلاء سبيلها، بعض أعضاء مجلس المدينة بالمسؤولية عن توقيفها عبر تقديم ما وصفته بـ”مئات التقارير الكيدية” بحقها. وأكدت رئيسة مجلس المدينة، أن إخلاء سبيلها جاء بعد “تبرئتها” من التهم الموجهة اليها. لكن تلك المصادر أشارت إلى أن إخلاء سبيل عمران قد جاء بعد تدخل جهة أمنية لصالحها، نافية قضية “تبرئتها”. إذ بحسب المصادر فأن عمران متورطة بالتستر على مخالفات بناء متعددة، غضت النظر عنها، لأسباب منها؛ المحسوبية، والعلاقات الشخصية، أو تلقي الرشاوى.
وبحسب المصادر، فإن رئيسة مجلس المدينة ورئيسة المكتب الفني، كانتا قد اتخذتا خطوة استباقية لحماية أنفسهما، وهي تنظيم ضبوط رسمية بمخالفات البناء المُتستّر عليها، تتضمن المطالبة بإزالتها عبر تطبيق قانون مخالفة البناء رقم 40 لعام 2012. وقد درجت العادة لدى المسؤولين السوريين المتورطين في قضايا فساد، على تنظيم ضبوط بالوقائع المطلوب التستر عليها، ولكن مع تعطيل خطوات متابعتها. وليس واضحاً كيف تتم أرشفة تلك الضبوط، بحيث يمكن البرهنة على وجودها، وفي الوقت ذاته على عدم تنفيذ محتواها.
بكل الأحوال، تشير المصادر إلى أن تلك التقارير المرفوعة بحق عمران إلى هيئة الرقابة والتفتيش، لم تكن مقتصرة فقط على قضايا التستر على مخالفات البناء، بل أيضاً تتعلق بمسؤوليتها عن فساد شاب عملية التوزيع الإجباري لمالكي الأراضي في قطنا.
ويحدث التوزيع الإجباري أثناء تنظيم منطقة ما، عبر إعادة توزيع الأراضي على أصحاب الحقوق، غالباً في غير مواقعها الأصلية وبعد اقتطاع نسبة منها من دون مقابل. وبحسب قانون التخطيط وعمران المدن رقم 23 لعام 2015، المنطقة التنظيمية شخصية اعتبارية تحل محل جميع المالكين وأصحاب الحقوق فيها، وتنتهي أعمال التنظيم فيها بتوزيع أملاكها على أصحاب الحقوق وفقاً لحصصهم فيها. وإعادة التوزيع يجب أن تكون حصرياً ضمن منطقة التنظيم.
وكانت الصحفية ريم الصالح، العاملة في صحيفة الثورة الرسمية، قد قالت في تموز 2023، خلال مداخلة إذاعية مع راديو شام أف إم، إن والدها كان يملك 6 دونمات ضمن منطقة التنظيم في المدينة، وقد اعطته لجنة التوزيع الاجباري بدالها مقسمين خارج منطقة التنظيم. الصالح، أكدت أن مجلس محافظة ريف دمشق لا علم له بالقضية، وأشارت إلى أن الموضوع لا يقتصر على والدها، بل يمس أيضاً العشرات من أصحاب الحقوق في قطنا، ممن جرى تعويضهم بمقاسم خارج منطقة التنظيم. الصالح اتهمت مجلس مدينة قطنا، من دون تسمية رئيسته.
من جهتها، قالت رئيسة المجلس لصحيفة الوطن في آب 2023، أن مرسوم التنظيم رقم 8 لعام 2015 في قطنا، صدر وفق أحكام القانون رقم 9 لعام 1974 القديم الخاص بتقسيم وتنظيم وعمران المدن، وهو يتضمن الاقتطاع المجاني حتى 45% من مساحة العقارات الداخلة في منطقة التنظيم. وأضافت أن المخول بالرد على الشكاوى هي لجنة التوزيع الإجباري التي يرأسها قاضٍ عقاري، مؤكدة أنها كرئيسة للبلدية قامت فقط بالإعلان عن صدور جداول التوزيع، أن مدة الاعتراضات على هذه الجداول انتهت في 8 آب 2023.
وأوضحت رئيسة البلدية حينها، بأن منطقة التنظيم شملت عقارات كاملة، وأيضاً أجزاء من عقارات أخرى. وبالتالي، فإن أصحاب العقارات الكاملة حصلوا على مقاسمهم التنظيمية داخل منطقة التنظيم، بينما أصحاب العقارات المنظمة جزئياً فقد دخلت أجزاء منها في التنظيم، وبقيت أجزاء خارجه.
لكن لا يبدو الأمر بهذه البساطة، إذ تضمنت الشكاوى أن أصحاب الأراضي الزراعية في منطقة التنظيم قد تمّ تعويضهم بمقاسم خارج منطقة التنظيم، كما أن بعض أصحاب الحقوق أعطيوا مقاسم في مناطق فيها اشغالات ومساكن قائمة. مراسل سيريا ريبورت لم يتمكن من تأكيد وجود دور لرئيسة مجلس المدينة في قضية التوزيع الإجباري.
