تهجير وغصب عقارات يلاحق شيعة حمص
دخلت معاناة عدد كبير من أبناء الطائفة الشيعية في محافظة حمص وريفها عامها الثاني، بعد سلسلة من الانتهاكات التي طالت ملكياتهم العقارية ومجتمعاتهم، في سياق التحولات التي أعقبت 8 ديسمبر 2024. ويظهر من مجمل الوقائع التي يستعرضها هذا المقال، أن المسألة اتخذت طابعاً يمس حق السكن وحق الملكية، ضمن سياق عدالة محلي ما زالت آلياته القانونية والمؤسساتية غير مستقرة. ويضع ذلك المتضررين أمام خيارات محدودة بين النزوح المؤقت أو الدائم، أو الدخول في مسارات قضائية غير مضمونة النتائج.
وتوزعت هذه الوقائع جغرافياً بين بضعة قرى في ريف حمص أبرزها قريتي الغور وأم العمد، إضافة إلى حيّ العباسية داخل مدينة حمص. بعض القرى شهدت تهجيراً لسكانها من أبناء الطائفة الشيعية، سواء نتيجة هجمات مباشرة، أو بسبب ضغوط وتهديدات متكررة، ما أدى إلى انتقال قسم منهم إلى مناطق أخرى داخل سوريا، بينما اتجه قسم آخر إلى لبنان خلال الأشهر الأولى التي أعقبت سقوط النظام، ولا يزال جزء كبير منهم خارج مناطقهم حتى الآن.
منذ الأيام الأولى لسقوط نظام الأسد، ظهرت أنماط متعددة من الضغوط والانتهاكات، بعضها جاء بذريعة ملاحقة فلول النظام، وبعضها الآخر ارتبط باستغلال حالة اضطراب موازين القوى على الأرض وغياب الدور الفعّال للمؤسسات والقوى الأمنية. وتتداول بعض الأوساط السنيّة التي كانت محسوبة على المعارضة السورية، رواية تربط بين الطائفة الشيعية وانخراطها في صفوف قوات نظام الأسد وتشكيلات مدعومة من حزب الله اللبناني، وهو خطاب يُستحضر في سياق تبرير بعض هذه الانتهاكات.
لكن، لم تقتصر الانتهاكات على ملاحقة أشخاص ذوي صلة سابقة بأجهزة عسكرية أو أمنية، بل طالت مدنيين لم ينخرطوا في أي نشاط ضد المعارضة السورية. وتراوحت هذه الوقائع بين التدمير المباشر للمنازل، والاستيلاء على العقارات، والتهديد أو الابتزاز.
في قرية الغور في ريف حمص الشمالي، تحوّل القصف بالدبابات إلى مسار تهجير لسكانها من أبناء الطائفة الشيعية. يروي فراس 52 عاماً، لسيريا ريبورت، كيف تحوّل منزله إلى حطام خلال يناير 2025، بعدما دخلت أرتال الأمن العام السوري إلى القرية بذريعة ملاحقة فلول نظام الأسد. وبحسب روايته، لم تقتصر العملية على ملاحقات أمنية محددة، بل شملت مداهمة منازل وقصف أخرى بالدبابات، وإطلاق هتافات طائفية، وترويع السكان. وتحت وطأة أصوات الرصاص، خرج فراس وعائلته من منزلهم إلى منزل شقيقه المجاور، قبل أن يتم اقتياده مع شقيقه وابن شقيقه إلى ساحة في القرية، حيث تعرضوا للضرب مع عدد من شبان القرية، قبل الإفراج عنهم.
ويقول فراس إن قادة الأرتال وجّهوا بتدمير المنازل الفارغة من سكانها، وهو ما أدى إلى استهداف منزله مباشرة بعد خروجه منه. ويصف لحظة رؤيته المنزل مدمراً بأنها كانت أقسى من الهجوم نفسه، معتبراً أن فقدان مسكنه أشبه باقتلاع لذاكرة عائلته وهوية ارتبطت بالمكان على مدى سنوات من الترميم والتوسعة.
يشير مراسل سيريا ريبورت إلى أن غالبية من سكان القرية غادروها في ذلك اليوم، ورغم أن جزءاً منهم عاد لاحقاً، فما زال القسم الأكبر خارجها حتى الآن. ويقيم فراس اليوم في لبنان مع عائلته في منزل صغير، ويعمل في أحد أفران الصمون، مؤكداً أنه لا يملك ما يكفي لإعادة ترميم منزله. تعكس حالة قرية الغور نمطاً من التدمير المباشر للأملاك باعتباره وسيلة ضغط جماعي، تتجاوز الملاحقة الفردية، ما يجعل العودة مشروطة بإعادة البناء والترميم المكلفة، والتي لا تتوافر إمكاناتها لمعظم المتضررين.
مسار التهجير لم يقتصر على الحملات الأمنية أو التدمير المباشر، بل برز نمط آخر تمثل في الاستيلاء على المنازل الخالية، من دون عمليات عسكرية أو قرارات رسمية. تعكس هذه الحالة نمطاً من وضع اليد على العقارات الخالية يستند إلى واقع القوة المستجد على الأرض.
في قرية أم العمد في ريف حمص الشرقي، التابعة إدارياً لمدينة المخرم الفوقاني، يروي علي، وهو شاب في الثلاثينيات من عمره، كيف تحوّل منزله الموروث عن والده إلى سكن لعائلة من عشائر بدوية تقطن في جوار القرية. يقول علي إنه كان يقيم في محافظة دمشق بحثاً عن فرصة أفضل لكسب العيش، قبل أن يتفاجأ بإبلاغه من أحد معارفه في القرية بأن منزله بات مشغولاً. وبحسب روايته، فقد جاء في سياق استغلال اضطراب الموازين على الأرض بعد سقوط النظام، حيث بادر أحدهم إلى إشغال المنزل من دون أي مبرر قانوني. ويسود هذا النهج ذاته في بعض القرى العلوية في ريف اللاذقية، حيث استوطنت عشائر بدوية فيها، وطردت سكانها، وغصبت جزءاً من مساكنها. ويعود ذلك نسبياً إلى شعور بعض العشائر البدوية بالحصانة نتيجة تسامح الإدارة الانتقالية مع مسالكها في ظل اعتمادها عليها في العمليات العسكرية.
ويضيف علي أن صديقه توجه إلى الشخص الذي شغل المنزل وأبلغه بأن له أصحاباً يقيمون في محافظة أخرى، إلا أن الأخير ردّ بأن ذلك لا يعنيه، متهكماً بأن المنزل الفارغ هو لمن يسكنه، ومشيراً إلى أن على صاحبه “أن يحمد الله لأنه لم يُهجَّر هو أيضاً بسبب كونه شيعياً”. وأمام فشل المساعي الودية، قرر علي في أكتوبر 2025 رفع دعوى غصب عقار، بعد سلسلة من الاتصالات لمحاولة تسوية الأمر. وكلّف محامياً لمتابعة القضية أمام القضاء، وهو بانتظار مجريات الدعوى.
الأمر لا يتعلق دوماً بالمساكن الشاغرة. في حي العباسية داخل مدينة حمص، ذي الغالبية الشيعية، يروي سامر 41 عاماً، وهو موظف حكومي، تفاصيل إخلاء عائلته في نهاية أيلول 2025 من المنزل الذي اشتراه قبل نحو 7 أعوام. ويقول إن أحد أفراد عشائر البدو اقتحم منزله مع بداية العام الدراسي، وأجبره وعائلته على المغادرة، من دون السماح لهم بإخراج مقتنياتهم، بما في ذلك الكتب المدرسية لأطفاله.
ويضيف أنه عندما حاول الاعتراض، وضع الرجل مسدساً في رأسه، ما اضطره إلى مغادرة المنزل خلال 24 ساعة، من دون أن يتمكن من نقل أي قطعة أثاث تخفف عنه عبء السكن في مكان آخر. ويصف سامر ما جرى بأنه إخلاء قسري تحت تهديد السلاح، في ظل غياب أي جهة قادرة على التدخل الفوري لوقف التعدي.
سلك سامر مساراً قانونياً عبر مراجعة لجنة الغصب البيّن التابعة لمحافظة حمص، إلا أن الموظف هناك أبلغه بأن اللجنة لا تستطيع التدخل في “هذه النزاعات الحساسة” في المرحلة الحالية. ومع شعوره بانعدام الحماية، انتقل سامر مع عائلته إلى دمشق، تخوفاً من أي استهداف إضافي في محافظة يرى أن الدور الفعلي لمؤسساتها الأمنية لا يزال غائباً. وفي ديسمبر 2025، حاول سامر التواصل مجدداً مع من استولى على منزله بغية التوصل إلى تسوية، غير أن الأخير طلب مبلغ 5,000 دولار أميركي مقابل إخلاء المنزل وإعادته، ما وضعه أمام خيارين، إما الاستدانة لاستعادة ملكه، أو البقاء مهجراً بانتظار مسار قضائي قد يطول.
محامٍ من مدينة حمص، رفض ذكر اسمه، قال لمراسل سيريا ريبورت، أن المادة 723 من قانون العقوبات السوري تجرّم غصب العقارات. وتنص المادة على معاقبة كل من استولى على عقار أو جزء منه من دون سند رسمي بالملكية أو حق التصرف، وكان العقار بيد غيره، بالحبس لمدة تصل إلى 6 أشهر، وتشدد العقوبة إذا اقترن الفعل بالتهديد أو استخدام القوة. أما إذا ارتكب الفعل عدد من المسلحين، فقد تصل العقوبة إلى 3 سنوات.
وفي ما يتعلق بهدم الممتلكات، يشير إلى أن المادة 718 من القانون ذاته تنص على الحبس من 3 أشهر إلى سنتين، إضافة إلى غرامة مالية لا تتجاوز 200 ليرة. ويصف المحامي هذه العقوبة بأنها لا تقارن بحجم الضرر، لافتاً إلى مفارقة أن بعض حالات تدمير المنازل، بحسب شهادات واردة في هذا المقال، نُسبت إلى قوات الأمن العام، وهي الجهة المفترض بها حماية القانون.
ويضيف المحامي أنه تلقى عدداً من دعاوى الابتزاز المالي المرتبط بغصب العقارات في حمص، موضحاً أن عقوبات الابتزاز قد تصل إلى الأشغال الشاقة المؤقتة وفق توصيف الفعل. غير أن بطء الإجراءات وتراخي التطبيق العملي، بحسب رأيه، يحوّلان بعض هذه الدعاوى إلى مسارات تستفيد منها الجهة المعتدية أكثر مما تنصف أصحاب الحقوق.
وينتقد المحامي غياب الدور الفاعل للجنة الغصب البيّن في حمص في استعادة الأملاك التي تم الاستيلاء عليها بعد 8 ديسمبر 2024، معتبراً أن تعطّل هذا المسار ينعكس خللاً في حماية حق السكن ويؤشر إلى تصدّع في العقد الاجتماعي بين مكونات المحافظة. ويشير إلى أن غالبية حالات غصب العقار المسجلة منذ ذلك التاريخ طالت الأقليات الشيعية والعلوية، فيما كانت الحالات قبل ذلك التاريخ تمس في معظمها أبناء الطائفة السنية، مع عدد محدود من الحالات في أوساط مسيحية في منطقة الحميدية. ويرى أن هذا التحول في أنماط الاستهداف يطرح تساؤلات حول أثر الانتماء الطائفي في النزاعات العقارية الجارية، في ظل بيئة يغيب فيها الردع الفعلي.
