تفاقم مخالفات البناء في أحياء دمشق المنظمة بين تعثّر التراخيص وتشدد المحافظة
أوقفت محافظة دمشق منح رخص البناء، بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، ما أدى إلى انتشار واسع لمخالفات البناء حتى في الأحياء الراقية، والمناطق المنظمة في العاصمة. الملفت أن نسبة كبيرة من المخالفات الحديثة في المدينة، كان مرتكبوها قد تقدموا بطلبات ترخيص أو ترميم للمحافظة، لكنها لم تنظر فيها. وبدل دراسة طلبات الترخيص المتراكمة، شنت المحافظة حملة هدم مشددة لهدم المخالفات، ما أثار جدلاً حول مسؤولية السلطات المحلية وحدود تطبيق القانون في ظروف استثنائية. إذ يجد أصحاب العقارات أنفسهم أمام مأزق مزدوج بين تعثر الإجراءات الإدارية وتشدد المعالجة العقابية.
مخالفة البناء وفق المرسوم رقم 40 لعام 2012 تعني كل عملية إنشاء تتم من دون الحصول على ترخيص رسمي، أو تلك التي تُنفذ خلافاً لما يسمح به الترخيص الممنوح. ويشمل ذلك طيفاً واسعاً من الحالات، من أبرزها التعدي على الأملاك العامة كالطرقات والحدائق والمرافق، أو تجاوز الوجائب الإجبارية والارتفاع المقرر في أنظمة البناء، إضافة إلى إشادة أبنية على أراضٍ عامة أو مستملكة للدولة أو ضمن مناطق لم تُستكمل فيها أعمال توزيع المقاسم العقارية. كما يُعتبر بناء طوابق إضافية أو الحفر تحت الأساسات أو تعديل الجملة الإنشائية بما يهدد متانة المبنى. كل تلك المخالفات تستوجب الإزالة بالهدم، بموجب القانون 40/2012.
مراسل سيريا ريبورت في دمشق، أشار إلى أن محافظة دمشق، أوقفت منح رخص البناء منذ ديسمبر 2024. ولذا، فقد لجأ البعض، تحت ضغط الحاجة، أو بسبب مخاطر واقعة على الجملة الانشائية للمباني المتضررة، أو استغلالاً لغياب الرقابة، إلى القيام بمئات الأعمال الإنشائية من دون ترخيص، في مدينة دمشق، خلال الأشهر الماضية. ومن ذلك، بناء طوابق إضافية، ترميم وإعادة تأهيل، التوسع في الوجائب، التعدي على أملاك عامة، وغيرها من الأعمال الانشائية التي تدرج ضمن مخالفات البناء.
خلال آب 2025، أطلقت محافظة دمشق حملة هدم ضد المخالفات في مناطق منظمة ضمن مخطط دمشق التنظيمي، طالت أحياء راقية كالمالكي وأبو رمانة، وامتدت إلى مشروع دمر وحي الزاهرة الجديدة. بحسب المراسل، فإن بعض مرتكبي المخالفات، طالبوا بوقف الحملة باعتبار أنهم سبق وتقدموا بطلبات لترخيص الأعمال الانشائية في عقاراتهم، من دون رد من محافظة دمشق. ولذا يرى أولئك، أنه من الأجدر على المحافظة إجراء تسويات على تلك المخالفات، لا هدمها.
مصادر في محافظة دمشق أكدت لمراسل سيريا ريبورت، أن الحملة استهدفت هدم 200 مخالفة بناء متنوعة في أحياء دمشق المنظمة، بالاستناد إلى أحكام المرسوم 40/2012، الذي تشدد في قمع المخالفات الجديدة، ومنع إجراء تسوية عليها، وتغريم المرتكبين لها وإحالتهم إلى القضاء. في بعض الحالات اكتفت ورشات المحافظة بهدم المخالفات من دون تغريم أو إحالة لمرتكبيها إلى القضاء. ولم تتمكن سيريا ريبورت من معرفة ماهية المعايير التي تتبعها المحافظة للتمييز بين المخالفات، ومتى تكتفي بالهدم، ومتى تُحيل للقضاء.
مصادر المحافظة أشارت إلى أن التشدد في قمع المخالفات جاء بعد انتشارها بشكل غير مسبوق في المناطق المنظمة من العاصمة، ووصلت في بعض الأحياء كالزاهرة الجديدة إلى بناء طوابق إضافية، وفي دمر إلى التوسع على حساب الأملاك العامة. المصادر أشارت إلى أن متعهدي بناء استغلوا غيار الرقابة خلال الأشهر الماضية، وشيدوا أبنية مخالفة بالكامل. المصادر لم تحدد مواقع انشاء تلك الأبنية الجديدة بالكامل ولا ظروف إنشائها. وتابعت المصادر بأن التعامل مع تلك المخالفات يتم التعامل وفق المرسوم 40/2012، وأن الحملة مستمرة على الرغم أن كثرة المخالفات، وهي تحتاج إلى وقت طويل نتيجة نقص الكوادر والورش.
ما تقوله المحافظة لم يقنع الكثير من أصحاب المخالفات، إذ يرى البعض أن المشكلة بتطبيق القانون 40/2012 الذي وضع في زمن نظام الأسد والذي استخدم كغطاء قانوني لأغراض تتعلق بالتحكم بسوق العقارات، وتطبيقه كان انتقائياً باستهداف المخالفات البسيطة وترك المخالفات الكبيرة التي كان يقوم بها المتنفذون السابقون. كما أن اللجوء إلى تطبيق القانون 40/2012، في الوقت الذي تمتنع فيه المحافظة عن منح تراخيص البناء وإعادة التأهيل، قد يمكن اعتباره حلاً سياسياً لمشكلة تقنية ساهمت المحافظة بخلقها. إذ الأجدى، هو دراسة طلبات الترخيص، واجراء التسوية مع أصحاب الإنشاءات غير المرخصة، في حال وجود مشاكل انشائية في التنفيذ قد تهدد السلامة العامة. أما إذا كانت الانشاءات متوافقة مع شروط الترخيص، فهذا يتطلب حلاً بتسريع دراسة الملفات، ومنح الرخص اللازمة.
ويقترض أن تمنح دائرة الترخيص والبناء التابعة لمديرية التنظيم والتخطيط العمراني في محافظة دمشق رخصة خاصة بتدعيم أو بناء جزئي لعقار مرخص في المناطق المنظمة ضمن العاصمة. وتستخدم هذه الرخصة لترميم البناء، أو إعادة اكسائه، أو تركيب تجهيزات حديثة فيه، أو لتدارك أخطاء سابقة في التنفيذ. ولا تعطى هذه الرخصة ضمن نطاق مدينة دمشق القديمة التي يجب فيها الحصول على موافقة مسبقة.
بعض أصحاب الإنشاءات المخالفات، قالوا لمراسل “سيريا ريبورت” أنهم عملوا فقط على تدعيم منازلهم وإعادة تأهيل أجزاء خطرة فيها، وهذا أمر لا يحتمل التأجيل. ومع ذلك، تعرضت تلك الانشاءات للهدم، من دون تقديم بديل لحماية الأبنية المتضررة. واعتبر أولئك أن ما جرى قد يشكل خطراً حقيقياً على الأبنية، وتتحمل المحافظة وحدها المسؤولية عن أي انهيار قد يحدث فيها لاحقاً.
خبير عقاري قدّر خلال حديثه مع مراسل سيريا ريبورت، بأن انتشار المخالفات في مدينة دمشق خلال الأشهر الماضية، بات قضية يجب معالجتها بطريقة سريعة ومن دون اللجوء إلى إجراءات جذرية. إذ بحسب الخبير، هناك حوالي 10 آلاف مخالفة بناء في المناطق العشوائية المحيطة بدمشق، بينما هناك نحو ألف مخالفة بناء في المناطق المنظمة.
خبير عقاري آخر، قال لسيريا ريبورت، إنه يجب عدم اللجوء لتطبيق القانون 40، وإجراء تسويات على هذه المخالفات، مع إلزام المخالفين بدفع رسوم الترخيص، والتأكد من مطابقة الانشاءات مع طلبات الترخيص، وتقديم الدعم الهندسي.
