تعليق نقل الملكية العقارية في سوريا بين القيود القانونية والمخاوف السياسية
شكّل سقوط النظام في ديسمبر 2024 نقطة تحوّل في سوق العقارات السوري، إذ واجهت عمليات نقل الملكية قيوداً قانونية عطّلت قدرة المالكين على التصرف بعقاراتهم. رغم رفع بعض هذه القيود جزئياً، لا يزال القطاع العقاري يعاني من قيود تنظيمية معقدة فرضتها وزارة العدل ومديرية المصالح العقارية ونقابة المحامين، ما أثّر على سوق البيع والشراء وأدى إلى انتشار ممارسات غير رسمية لتوثيق العقود. تطرح هذه التطورات إشكالية مركزية تتعلق بدوافع هذه القيود: هل تأتي في إطار تنظيم السوق العقاري وحمايته من التلاعب والتزوير، أم أنها أداة سياسية للسيطرة على الممتلكات وإعادة توزيعها وفق اعتبارات جديدة. يحاول هذا المقال تفكيك هذه الإشكالية من خلال تحليل القرارات القانونية والسياسية وتأثيرها على حقوق الملكية ومستقبل العقارات في سوريا.
نقابة المحامين
في 7 يناير 2025، أصدرت نقابة المحامين تعميماً قيّد إصدار الوكالات القضائية المتعلقة بتوكيل المحامين، إذ استثنى التعميم من صلاحيات الوكالة الإقرار بالبيع، الفراغة، الهبة، والتنازل عن العقارات. وتُعرّف الوكالة القضائية بأنها سند توكيل ينظمه شخص لمحامٍ أمام مندوب مكتب وكالات نقابة المحامين، لتمثيله قضائياً بصلاحيات محددة، مثل الإقرار ببيع عقار معينة. أي تقتصر الوكالة القضائية على المحامين وتخوّلهم مراجعة القضاء فقط، وهي بذلك تختلف عن الوكالة العدلية التي تُنظم أمام الكاتب بالعدل، والتي تتيح لصاحبها مراجعة جميع الدوائر.
في 12 فبراير 2025، أصدرت نقابة المحامين تعميماً جديداً سمحت بموجبه بتنظيم وكالات البيع والشراء والتنازل والفراغ، مبررة ذلك بـ”الحرص على تسهيل الإجراءات القانونية المرتبطة بالتصرفات العقارية”. وأوضحت النقابة أن هذا القرار جاء بناءً على الصلاحيات الممنوحة لها، وبعد دراسة الوضع القانوني المستجد. كما شددت على ضرورة التحقق من جميع المستندات القانونية عند تنظيم هذه الوكالات، لضمان عدم وجود أي تلاعب قانوني أو خرق للأنظمة العامة. وأعاد هذا القرار للمحامين صلاحية تمثيل موكليهم في هذه المعاملات.
المصالح العقارية
في 21 يناير 2025، أصدرت مديرية المصالح العقارية تعميماً يقضي بعدم توثيق أي تصرف يؤدي إلى إحداث أو نقل أو تعديل أي حق عيني عقاري، بما في ذلك وضع إشارة الدعوى. نتيجةً لذلك، أصبح من المستحيل قانونياً تنفيذ أي عملية بيع أو نقل ملكية، سواء عبر المحاكم أو عبر السجلات العقارية. وذلك لأن دعاوى تثبيت البيع، تحتاج أولاً إلى وضع إشارة الدعوى على صحيفة العقار في السجل العقاري، وهو ما لم يعد ممكناً بموجب التعميم. وأوضحت المديرية أن هذا الإجراء سيظل سارياً إلى حين الانتهاء من التنسيق مع الجهات المختصة بشأن الخطوات القادمة.
في 18 فبراير 2025، أصدرت المديرية العامة للمصالح العقارية تعميماً جديداً سمح باستئناف توثيق بعض العقود العقارية، إضافة إلى السماح بوضع وإزالة الإشارات العقارية بعد التحقق من صحة الوثائق المقدمة. يُعد وضع الإشارة إجراءً تحفظياً تقرره المحكمة المدنية الناظرة في الدعوى، حيث توجه المحكمة كتاباً إلى السجل العقاري، لوضع إشارة على صحيفة العقار، لإعلام الغير بأن العقار محل نزاع وقد تؤول ملكيته إلى طرف آخر.
ومع ذلك، لم يسمح التعميم بتسجيل عقود بيع العقارات، مما يعني أن عمليات نقل الملكية لا تزال غير ممكنة قانونياً. تجدر الإشارة إلى أن بعض عمليات نقل الملكية يمكن توثيقها مباشرة أمام مكتب التوثيق العقاري، بطريقة الفراغة. وهي عملية بيع تجري بشكل مباشر أمام دائرة التوثيق في السجل العقاري، عبر كتابة عقد وفق نموذج محدد، يرفق مع بيان قيد عقاري وبراءة ذمة مالية ثم يسجل في دفتر اليومية بالسجل العقاري، ثم يحال إلى التدقيق. وبعد ذلك، يحضر الفريقان، البائع والمشتري، أمام رئيس مكتب التوثيق، للإقرار بالبيع وقبض الثمن من كلا الجانبين. من ناحية أخرى، لم يتضمن التعميم أي ذكر للعقارات غير المسجلة في السجلات العقارية، وهي عقارات يمكن بيعها من خلال عقود بيع عادية، مع إمكانية توثيق العقد أمام الكاتب بالعدل.
وزارة العدل
وزارة العدل، كانت قد أصدرت في منتصف ديسمبر الماضي تعميماً بالتجميد الكامل لعمل المحاكم، ومن ثم سمحت لها تدريجياً بالعودة للعمل. الوزارة طلبت من المحاكم التوقف عن متابعة الدعاوى العقارية المنظورة أمامها، كدعاوى تثبيت البيع، وإصدار الأحكام فيها. وبررت الوزارة ذلك بمنع بيع الممتلكات العقارية العائدة للمتورطين في الجرائم والانتهاكات خلال حقبة نظام الأسد، إذ من المرجح أن تكون هذه الممتلكات معرضة للحجز لاحقاً. كما هدف القرار إلى الحد من عمليات التزوير والتلاعب بالملكيات العقارية، وإعادة تنظيم آلية عمل دوائر المصالح العقارية.
ثم عادت وزارة العدل، وأصدرت في 30 يناير 2025 تعميمها رقم 2، الذي سمح للمحاكم بمتابعة النظر في الدعاوى العقارية القائمة، بالإضافة إلى قبول دعاوى تثبيت البيع والتصرف بالملكية العقارية مجدداً.
تعارض صلاحيات، تباين توقيت القرارات، وعدم التنسيق
بينما سمحت وزارة العدل للمحاكم بمتابعة الدعاوى العقارية وقبول دعاوى تثبيت البيع اعتباراً من 30 يناير 2025، كانت مديرية المصالح العقارية قد أصدرت في 21 يناير 2025 تعميماً يمنع توثيق أي تصرف يؤدي إلى نقل أو تعديل أي حق عيني عقاري. ويعني ذلك أن المحاكم قد تصدر أحكاماً بتثبيت البيع، لكن لا يمكن تنفيذها في السجل العقاري بسبب منع التوثيق. وإذا أضيف إلى ذلك تعميم نقابة المحامين الأخير الذي سمح بتنظيم وكالات البيع والشراء، فأن استمرار منع توثيق عقود البيع من قبل مديرية المصالح العقارية، يجعل هذه الوكالات غير فعّالة في نقل الملكية.
يتضح من ذلك، عدم وجود تنسيق بين تلك الكيانات، حيث يظهر أن كل جهة أصدرت تعاميمها بمعزل عن الأخرى، مما أدى إلى تضارب في الإجراءات. هذا الافتقار للتنسيق أدى إلى شلل شبه كامل في عمليات التسجيل العقاري، حيث أن أي خطوة تتطلب موافقة أو إجراء من جهة قد تُعيقها جهة أخرى بتعميم مختلف.
التناقضات بين تعاميم وقرارات نقابة المحامين، مديرية المصالح العقارية، ووزارة العدل أدت إلى إرباك كبير في عمليات التسجيل العقاري في سوريا. هذا التضارب تسبب في تعطيل معاملات البيع والشراء ونقل الملكية، مما أثر سلبًا على السوق العقارية وحقوق الملاك والمشترين. لتحقيق استقرار في هذا القطاع الحيوي، من الضروري وجود تنسيق وتكامل بين هذه الجهات لضمان وضوح الإجراءات وسهولة تنفيذها.
