تعليق عمليات نقل الملكية العقارية في سوريا: إجراء احترازي أم تقييد للحقوق؟
أصدرت المديرية العامة للمصالح العقارية في سوريا تعميماً يقضي بتعليق توثيق جميع التصرفات التي تؤدي إلى نقل أو تعديل حقوق الملكية العقارية، وذلك دون تحديد إطار زمني واضح لاستئناف العمل بهذه الإجراءات. يأتي هذا القرار في سياق حالة عدم الاستقرار التي تشهدها البلاد، ما يثير تساؤلات حول دوافعه وأبعاده القانونية، لا سيما في ظل القيود المفروضة على المحاكم أيضاً.
الخدمات المعلّقة
أصدرت المديرية العامة للمصالح العقارية في سوريا التعميم رقم 1 في 21 يناير الجاري الذي طلبت فيه من مديريات المصالح العقارية التابعة لها في المحافظات، أن تلتزم بعدم توثيق العقود التي تقود إلى؛ إحداث أو نقل أو تعديل، أي حق عيني، في صحيفة العقار. أي أن التعميم منع جميع التصرفات بالملكية العقارية، حتى إشعار آخر.
التعميم منع المديريات من وضع إشارة دعوى قضائية، إن كانت تتعلق بتثبيت البيوع، أو الهبة أو المبادلة. إذ أن وضع إشارة الدعوى من الإجراءات التي تسبق عملية التصرف بالملكية العقارية. والملفت أن المحاكم في سوريا متوقفة عن تسجيل دعاوى تثبيت البيوع منذ تعميم وزارة العدل في حكومة تسيير الأعمال رقم 1 بتاريخ 9 يناير 2025. ذلك التعميم السابق حدد عمل المحاكم، بالنظر في الدعاوى القائمة لديها، والدعاوى المستعجلة فقط.
التعميم الصادر عن المديرية، وذلك الصادر عن وزارة العدل، لم يحددا فترة زمنية لاستئناف التصرفات القانونية بالملكية العقارية. ولكن تعميم المصالح العقارية أشار إلى أن التعليق مستمر إلى حين الانتهاء من التنسيق مع “الجهات المختصة” حول ما سيتم اتخاذه من إجراءات جديدة. وهذه عبارة غامضة، لم تحدد من هي تلك الجهات التي سيتم التنسيق معها، أو الغاية من ذلك التوقف.
ورغم أن عدم تبرير المديرية، ولا وزارة العدل، إيقاف عمليات التصرف بالملكية العقارية، ولكن هناك ما يبرره في ظل حالة عدم الاستقرار التي تمر بها البلاد؛ إذ قد يهدف ذلك إلى منع الذين حصلوا على ملكية عقارية، بطرق التزوير، خلال حكم النظام السابق، من أن يبيعوا تلك العقارات أو ينقلوا ملكيتها لآخرين. وفي حال حدث ذلك، فستصبح إعادة تلك الأملاك لأصحابها الأصليين أكثر صعوبة. كما يمكن أن تكون الغاية من المنع، هو الحدّ من عمليات التزوير في الملكية العقارية في ظل غياب الملاك الأصليين، وأغلبهم من المُهجّرين خارج سوريا. تهدف العملية إلى منع مرتكبي الجرائم في عهد النظام البائد من التصرف بممتلكاتهم ونقلها للغير خوفاً من الحجز عليها. وهذا ما يجعل من عملية التوقف إجراءً احترازياً يهدف إلى حماية أصحاب الملكية العقارية؟ إلا أنها يجب ألا تمتد إلى فترة زمنية طويلة كي لا تلحق الضرر بالملاك الحقيقيين، إذ أن الإيقاف يعتبر تقييداً لحق الملكية.
الخدمات المسموحة
التعميم رقم 1 استثنى من ذلك التقييد، جميع الخدمات المتعلقة بإصدار بيانات القيود العقارية والبيانات المساحية، وسمح للمديريات بتوثيق العقود المتعلقة بتصحيح أوصاف عقار، وإفراز العقار، فقط. جميع هذه الإجراءات المسموح بها تعتبر من الأعمال الإدارية التي لا يترتب عليها أي تغيير في المراكز القانونية لمالك العقار.
وبيان القيد العقاري يتيح معرفة الحالة القانونية للعقار، كاسم المالك والمساحة، والإشارات المدونة على الصحيفة العقارية. وللحصول على بيان القيد العقاري، يجب تقديم طلب بذلك، من الشخص المعني، إلى مديرية المصالح العقارية المسؤولة عن المنطقة العقارية التي يتبع لها العقار.
بينما البيان المساحي يهدف لمعرفة مساحة العقار، ويكون للعقارات في المناطق غير المحددة وغير المحررة. وللحصول على بيان مساحي، يجب تقديم طلب بذلك، إلى دائرة المساحة في مديرية المصالح العقارية المعنية.
أما عملية توثيق العقود العقارية المتعلقة بتصحيح الأوصاف والإفراز، فتجري وفق أحكام المادة 64 من قانون الإدارة المحلية 107 لعام 2011. تصحيح الأوصاف عملية يتقدم بموجبها مالك العقار بطلب إلى دائرة التوثيق في مديرية المصالح العقارية، بهدف تسجيل أوصاف العقار كما هي في الواقع، ضمن صحيفة العقار في السجل العقاري. عملية التصحيح للعقارات تجري للعقارات في المناطق المنظمة، إذ ما طرأت عليها تغييرات مرخّصة، كالبناء على أرض معدة للبناء، أو إضافة طابق جديد إلى بناء.
أما معاملة الإفراز فيتقدم بها ملاك العقار على الشيوع إلى دائرة المساحة في مديرية المصالح العقارية بهدف تقسيم العقار بين المالكين، أو اقتطاع قسم منه ودمجه مع عقار آخر، وذلك بعد إتمام الاجراءات الفنية والمالية المطلوبة. تحال المعاملة إلى رئيس مكتب التوثيق العقاري في مديرية المصالح العقارية لتوثيق عقد الإفراز، وبعد الانتهاء من الاجراءات اللازمة يتم تسجيل العقارات الناجمة عن عملية الإفراز في الصحف العقارية على أسماء المالكين وتسليمهم سندات الملكية.
يبدو أن قرار تعليق توثيق التصرفات العقارية يستند إلى اعتبارات أمنية وقانونية في ظل الفوضى المستمرة في البلاد، إلا أن غموضه وعدم تحديد مدته يثيران مخاوف بشأن تأثيره على حقوق الملاك الحقيقيين. وبينما قد يكون الهدف منه حماية الملكية العقارية من عمليات التزوير والاحتيال، إلا أن استمرار هذا التعليق لفترة طويلة قد يؤدي إلى تعقيد المشهد القانوني للعقارات، ويحدّ من حقوق التصرف بالممتلكات، ما يستوجب وضوحاً أكبر من الجهات المعنية حول مستقبل هذه الإجراءات.
